ناشـــــد لحــقـــوق الانســـان لجــنـــة الدفــاع عن حـــقــوق الإنســـان

ناشد – مبادره ناشد لحقوق الانسان لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وفَضَّله على كثير ممن خَلَق تفضيلا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بعثه الهض للعالمين بشيرًا ونذيرًا، صلِّ اللَّهُمَّ عليه وعلى آله وصحبه وسَلِّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، نتكلم أيها الإخوة عن موضوع هو من الأهمية بمكان، فهو موضوع يتناول حقيقةً من الحقائق التي كَفَلَها الإسلام للإنسان، وهذه الحقيقة هي تكريم الله جل وعلا لهذا الإنسان، وذلك بحفظه بما جَعَل له من الحرمات والحقوق منذ أن خُلِقَ على وجه هذه البسيطة واسْتُخْلِفَ في الأرض، ليكون بهذه الحرمات والحقوق عبدًا لله محفوظًا مُكَرَّمًا أينما وُجِد، ولقد ذَكَر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز تكريمه لبَنِي آدم حيث يقول جل شأنه: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [سورة الإسراء : الآية 70].

تتجلى كرامة الإنسان منذ النشأة الأولى، فمن تكريم الله تعالى له أَنْ خلقه في أحسن صورة، لقد خلق الله جل وعلا هذا الإنسان وصَوَّره في أحسن صورة وأبهى هيئة، انظروا إلى كلام الله جل وعلا في هذا المقام حيث يقول: ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾ [سورة الانفطار : الآية 7 – 8].

ويقول تبارك وتعالى في آية أخرى: ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ [سورة التغابن : الآية 3]. هذا من حيث الخِلْقة.

ومن تكريم الله تعالى لهذا الإنسان مع ضعفه وغنى الله عنه أن الله شَرَّفه بعبادته سبحانه وتعالى، فلا يعبد إلا الله، فلا معبود بحق إلا الله، والله جل وعلا يقول: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ [سورة الذاريات : الآية 56].

ويقول سبحانه وتعالى في موضع آخر: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ ﴾ [سورة الأنعام : الآية 162 – 163].

ومن تكريم الله لهذا الإنسان أن حفظ له دينَه ونفسَه ومالَه وعقلَه وعِرْضَه، وحَرَّم الاعتداءَ على شيء من ذلك، ولقد جاء في السنة المطهرة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ».( 1)

ولقد حَرَّم الله كلَّ قول أو فعل يُسيء لهذا الإنسان، فهذا أيضًا من تكريم الله له، يقول الله جل وعلا: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ﴾ [سورة الحجرات : الآية 12].

ويقول سبحانه وتعالى في آية أخرى: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [سورة الحجرات : الآية 11]

فهذا بيان شافٍ كافٍ لمنزلة هذا المخلوق عند الله عز وجل، فهي كرامة عامة شاملة، كرامة لا تفرق بين جنس وجنس، ولا بين لون ولون، ولا بين لغة ولغة، لقد أعطى الله جل وعلا هذا الإنسان حقوقه كاملة، وخَصَّه بخصائص لم تكن لغيره من المخلوقات، فسَخَّر له جميع ما في السماوات وما في الأرض فضلاً منه وإحسانًا، اسمعوا إلى قول الله جل وعلا حيث يقول سبحانه وتعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ [سورة لقمان : الآية 20].

ويقول جل وعلا: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ [سورة الذاريات : الآية 22].

فهذه آيات واضحات ودلائل تدل على تكريم الله لهذا الإنسان، بل من تكريم الله لهذا المخلوق أن الله قذف في قلبه المحبة والألفة والرحمة بينه وبين غيره من بني جنسه ونعني بذلك المؤمنين من بني آدم، حيث جعلهم كأنهم أبناء رجل واحد، وجاء هذا جَلِيًّا في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [سورة الحجرات : الآية 10] وهذه هي الأُخُوَّة في الله، وهي أقوى رابطةً من أخوة النسب، ويقول صلى الله عليه وسلم: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»( 2) فالمسلم أخو المسلم، فهذا التآخي وهذا التصافي الذي نجده بين أبناء المسلمين إنما هو من فضل الله تعالى على بني آدم، وقبل هذا كله أن الله كرم هذا الإنسان بأن هداه للإيمان ونَوَّر قلبه بالتوحيد، فامتن الله عليه بالإسلام، يقول جل وعلا: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [سورة الحجرات : الآية 17].

ومن تكريم الله لبني آدم أَنْ أكمل لنا الدين، وأتم علينا به النعمة، ورضي لنا الإسلام دينًا، جاء هذا في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ﴾ [سورة المائدة : الآية 3].

إن من ينظر في حقوق الإنسان في الإسلام يجد أنها حقوق شرعية أبدية لا تتغير ولا تتبدل مهما طال الزمن، لا يدخلها نسخ ولا تعطيل، ولا تحريف ولا تبديل، لها حصانة ذاتية؛ لأنها من لدن حكيم عليم، فالله سبحانه وتعالى أعلم بخلقه، وهو سبحانه أعلم بمصالح العباد من أنفسهم، فهي أحكام إلهية تكليفية، أنزل الله تعالى بها كتبه، وأرسل بها رسله، لقد رضي الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة الإسلام دينًا وجعل خاتم الأنبياء محمدًا صلى الله عليه وسلم، وفوق ذلك كله فرض الله جل وعلا على العباد حماية هذه الحقوق ورعايتها فيما بينهم، وحرم إهانتها من الاستغلال أو الاضطهاد أو الإهانة، من أجل أن يعيش الإنسان بأمن وطمأنينة، ويعيش في عز وكرامة، كرامة في الحياة، وكرامة بعد الممات، فحقوق الإنسان في الإسلام لم تقتصر على حياته فقط، فالإنسان مكرم حَيًّا ومَيِّتًا، وكذلك لا تقتصر عليه في حال الصحة، بل هو مكرم في حال الصحة والمرض، وفي الغنى والفقر، وفي السعة والضيق.

ومن تكريم الله للإنسان أن خلقه على فطرة الإسلام الذي هو الانقياد والإذعان لله سبحانه وتعالى، فليس لأحد من الناس أن يستعبده أو يُذِلَّه أو يستغله لمصالحه أو يصرف عبوديته لغير الله، فالإنسان له الحق في الكسب الحلال دون احتكار أو غش أو خديعة أو إضرار بالنفس أو إضرار بالمال، كما أن له أن يعيش في مجتمعه وأن يمارس شئون حياته وأن يدير أعماله دون أي تدخل من أحد ما دامت هذه التصرفات في ظل تعاليم الإسلام وآدابه، وما دامت هذه التصرفات منضبطة بضوابط الشريعة الإسلامية، فهذا نوع من الحرية العامة التي أعطيت لهذا الإنسان والتي كفلها الإسلام له، فلا يجوز التعدي على هذه الحرية إلا بحق،، وللإنسان أيضًا الحق في أن يعبر عما في نفسه.

وكلمة الإنسان تشمل الذكر والأنثى، فكرامة الله لهذا الإنسان هي كرامة للرجل والمرأة على حد سواء، فالمرأة مساوية للرجل في هذه الكرامة، فلها من الحقوق مثل ما عليها من الواجبات إلا في مجال التكليف، فالله سبحانه وتعالى قد كلف كلا منهما بما يخصه ويناسبه، أما من حيث التكريم العام فالنساء شقائق الرجال، ومن يتتبع نصوص الشريعة يتضح له مقدار غَيْرة الإسلام على هذه الحقوق، فلو تتبعنا نصوص الكتاب والسنة لتبين لنا هذه الغيرة واتضح لنا عناية الإسلام بهذه الحقوق مما لا يوجد في غيره من الديانات الأخرى، فقد عجزت النظم البشرية والقوانين الوضعية أن تحقق ما حققه الإسلام في مجال حقوق الإنسان.

حقوق الإنسان في الإسلام:

نذكر لكم بعضًا من حقوق الإنسان في الإسلام، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، فمن أهم هذه الحقوق التي كفلها الإسلام للإنسان:

1- حق الحياة:

من حق الإنسان أن يعيش حياةً آمنةً مطمئنةً، ولهذا حَرَّم الله الاعتداء على النفس، يقول الله جل وعلا: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ﴾ [سورة الأنعام : الآية 151] ويقول سبحانه: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ [سورة المائدة : الآية 32].

فمن اعتدى على غيره بإزهاق نفسه بغير حق فقد اعتدى على أمة بأكملها، فأغلى ما عند الإنسان الحياة، لذلك حرم الله عليه أن يقتل نفسه، وحرم على غيره أن يَعْتَدِيَ عليه، ومن أجل ذلك شُرِع القصاص للحفاظ على حياة الإنسان حيث قال جل من قائل: ﴿ وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾ [سورة البقرة : الآية 179].

وقد ذكر الله تعالى جزاء من قتل مؤمنًا متعمدًا، وبَيَّن أنه خالد مخلد في النار عياذًا بالله، يقول جل وعلا: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [سورة النساء : الآية 93] كل هذا من أجل حفظ هذه النفس البشرية، فلا سلطة لأحد على قتل أحد إلا بحكم شرعي، فقد كانت العرب في الجاهلية تقتل الأولاد خشيةَ الفقر، وكانت تَئِدُ البناتِ خشيةَ العار، فلما جاء الإسلام حَرَّم ذلك كله، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ ﴾ [سورة الأنعام : الآية 151].

ويقول في آية أخرى جل من قائل: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ﴾ [سورة الإسراء : الآية 31] وقد تقدم قبل قليل أن الله تبارك وتعالى تكفل بأرزاق العباد، وذلك في قوله جل وعلا: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ [سورة الذاريات : الآية 22]. فلا يجوز لأحد من الناس أن يقتل أولاده خشية الفقر أو خشية العار، فالله سبحانه وتعالى قد قد ضمن أرزاق العباد.

ولقد حرم الإسلام على الإنسان أن يقتل نفسه بنفسه كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [سورة النساء : الآية 29]. ويقول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهْوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسَمُّهُ فِي يَدِهِ، يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا»( 3) فالحياة أعظم ما يتمتع به الإنسان، والله سبحانه وتعالى هو المتصرف في هذه الحياة، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، ولا يحق لأي أحد من الناس أن يتسبب في إزهاقها، ومتى قدر الله سبحانه وتعالى لهذه النفس أن تموت وتنتهي فإن الكرامة لا تزال باقية.

وكرامة الإنسان محفوظة له بعد مماته وذلك بالترحم عليه وتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه والدعاء له، فكل هذا من باب تكريم الله لهذا الإنسان، يقول صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ»( 4).

ويقول صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»( 5)

هذه النصوص الواضحة تدلنا على أن هذا الإنسان مكرم ومعزز حَيًّا ومَيِّتًا.

2- حق الحرية:

من الحقوق التي كفلها الإسلام للإنسان حق الحرية، وهذه الحرية مصونة كحياته، ومن هذه الحريات حرية الذات، وحرية التعبير عن الرأي.

حرية الذات:

أما حرية الذات فهي حرية فطرية ولد الإنسان عليها، وجاء في هذا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهي مقولة مشهورة عنه، يقول رضي الله عنه لعمرو بن العاص: مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.( 6) فهذه الحرية احترمها الإسلام وحرص على حمايتها وحِفْظِها، فمن الشبه التي يدسها أعداء الإسلام للنيل من هذه الحرية التي كفلها الإسلام للإنسان قولهم: إن الإسلام جاء بالرق، وقسم الناس إلى أحرار وعبيد، ومَن يَقُل ذلك فإنه لا يفهم حقيقة الإسلام، فكما نعرف أن الإسلام يتشوق لعتق الرقاب، فلما جاء الإسلام  كان الرق موجودًا وواقعًا بين الناس، فألغى معظم أسبابه ومعظم وسائله وحَرَّمها. فالإسلام لم يأت بالرق، وإنما جاء بالعتق، حيث حث عليه ورغب فيه وجعل عتق الرقبة كفارة للذنوب، ويظهر هذا في كثير من الآيات والأحاديث، حيث جعل عتق الرقبة كفارة من كفارات الذنوب، يقول صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» ( 7).

فالإسلام يحث على العتق وليس على الرق، فكيف يليق بأحد أن يقول: إن الإسلام جاء بالرق، وقسم الناس إلى أحرار وعبيد؟! هذا الكلام لا يقوله إلا جاهل، بل إن الإسلام طلب من الأرقاء أنفسهم أن يسعوا إلى عتق أنفسهم وذلك من خلال المكاتبة وهي مال يؤديه العبد إلى سيده، فإذا أداه صار حُرًّا، يقول الله سبحانه وتعالى مخاطبًا الأسياد: ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوَهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾  [سورة النور : الآية 33].

فهذا دليل على أن الإسلام متشوف إلى عتق الرقاب بأي وسيلة من الوسائل، بل حث عليه، وأمر بمعاونة العبد لتأدية ما عليه من الكاتبة ويعد هذا من أعمال البر، يقول الله تعالى: ﴿ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ [سورة النور : الآية 33]. فهل بعد هذا أيها الإخوة يحق لقائل أن يقول: إن الإسلام استعبد الناس. فهذا من البهتان الذي يراد به الباطل.

حرية التعبير: 

أما حرية التعبير عن الرأي فقد كفلها الإسلام، وتعني تمتع الإنسان بكامل حريته في الجهر بالحق وإسداء النصح لكل مسلم، ولكن جعل الله سبحانه وتعالى لكل ذلك ضوابط، فهي حرية مُقَيَّدة بضوابط، فحرية الرأي لا تعني الانفلات أبدًا، بل جُعِلت لها ضوابط تكفل حسن الاستخدام، حتى لا يزيغ اللسان ويزل بكلمة، وحتى لا ينحرف الفكر.

ضوابط حرية التعبير:

من تلك الضوابط أن التعبير لا بد أن يكون بالحكمة والموعظة الحسنة، كما أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه، دون تعنت ولا تعسف ولا إكراه، ودون إساءة أو إضرار بالغير، والله تعالى يقول: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [سورة المؤمنون : الآية 96].

ومن تلك الضوابط ألا تؤدي هذه الحرية إلى الإفساد بين الناس، ولهذا حرمت النميمة، فلا نقول: إن الحرية تعني أن نتكلم ونخوض في الآخرين وأعراضهم وحياتهم إلى غير ذلك، فهذا من النميمة، والله سبحانه وتعالى حرم النميمة، ويقول صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ»( 8) أي: نمام.

إذن ليس من حرية التعبير أن تتحدث في أعراض المسلمين، فلا بد أن تكون هذه الحرية في حدود المأذون به شرعًا دون الاعتداء على حرمات المسلمين وأعراضهم، ودون أن تُفْشِيَ أسرارهم، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾  [سورة النساء : الآية 148] فالحرية في الرأي كما قلنا لا تعني الانفلات في القول.

ومن تلك الضوابط أن يقصد الإنسان بحرية التعبير الإصلاح بين الناس، وألا يقصد الجرءة على الله أو التجني على الإسلام وأهله، فإن الحرية إنما هي في حدود مقاصد الشريعة، التي تُعْنَى بدَرْء المفاسد وجلب المصالح، فإن كانت هذه الحرية محفوفةً بهذا المقصد فنِعِمَّ هي، أما الحرية المطلقة التي بلا قيود أو ضوابط فهذا مما لا يجوز، فلا يحق الخوض في ما لا يعنيك، لا سيما إن كان التعبير صادرًا عن جهل، فالله تعالى يقول: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ [سورة الإسراء : الآية 36]، فلا يجوز إذاعة الأباطيل الكاذبة، ولا ما فيه خذلان للأمة، ولا يجوز ترويج الشائعات بين الناس، فتظن أن هذا من الحرية، فتقول أنا حر في رأيي.

لا يجوز ترويج الشائعات الكاذبة بين الناس، وأمر الله سبحانه وتعالى بالتثبت في الأخبار وبعدم قبولها بدون دليل ، يقول جل من قائل: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [سورة الحجرات : الآية 6].

فليس من حق الإنسان أن يقول ما يشاء ويتهم غيره بما ليس فيه.

3- حق المساواة:

من الحقوق التي كفلها الإسلام للإنسان حق المساواة، وهو في الحقيقة من أعظم الحقوق في الشريعة الإسلامية، ففي الإسلام مبدأ المساواة في الحقوق والتكاليف، ولكن كل على حسب قدرته واستطاعته، قال تعالى: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ [سورة البقرة : الآية 286]. فالناس سواسية كأسنان المشط، وإنما معيار التفاضل التقوى والعمل الصالح، قال الله جل وعلا: ﴿ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [سورة الحجرات : الآية 13].

إذن ميزان التفاضل بين العباد هو التقوى، لا الحسب والنسب والمال، لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى، وقد جاء في الحديث: «أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ»( 9) وحق المساواة في الإسلام واقع عملي يمثل روح التشريع الإسلامي، وقد أعلنها محمد صلى الله عليه وسلم على الملأ وهو يقول: «وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا»(10 ) فرَدَّ صلى الله عليه وسلم الشفاعة في المرأة المخزومية التي سَرَقت مع العلم أن بني مخزوم قوم لهم مكانتهم، ومع ذلك لم يقبل صلى الله عليه وسلم هذه الشفاعة من أسامة بن زيد، وقال هذه الْمَقالة التي لا تزال تدق في الآذان إلى يومنا هذا: «وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا»( 11)

إذن لا تَمايُزَ لطبقة على طبقة، فالكل أمام الحق سواء، ومن القصص المأثورة في هذا المجال قصة لملك من ملوك الغساسنة وهو يَطوف بالكعبة، وطئ أعرابي على طرف إزاره فالتفت إليه الملك ولطمه على أنفه حتى هشمه، فجاء واشتكى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال عمر رضي الله عنه: الأنف بالأنف – يعني أنف ملك بأنف أعرابي – فالإسلام قد سوى بينكما … إلى آخر القصة.

فهذا شاهد من تلك الشواهد التي تؤكد لنا هذه المساواة، فهذه الروح الإيمانية التي حققها الإسلام للإنسان استولت على قلوب الناس جميعًا حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا، فلا حسب ولا نسب، فالأتقى هو الأقوى.

يقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ألا إن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه، وأقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له.

4- حق العدالة:

حق العدالة هو الحق الذي قامت عليه السماوات والأرض، وجاءت به الرسالات السماوية تحقيقا لأمر الله، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ﴾ [سورة الأعراف : الآية 29] والقسط هو العدل، الذي هو مطلب لكل إنسان.

وواجب على كل مسئول أن يحقق العدل بين الناس، ولهذا كان الإمام العادل من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فالإسلام دين العدل والحكمة مع النفس ومع الغير، مع القريب ومع البعيد، مع المسلم ومع غير المسلم، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [سورة النحل : الآية 90] ويقول جل وعلا: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ [سورة المائدة : الآية 8] فشريعة الإسلام شريعة العدل، في الحقوق الخاصة والعامة، عدل بين الرجل ونفسه، عدل بين الرجل وأهله، بين الفرد ومجتمعه، بين الحاكم والمحكوم، فالعدل هو قوام المجتمع، وبه يسود الوئام ويتحقق العدل، ويتحقق الأمن بين الناس، فهو عدل في كل الأحوال، اسمعوا إلى قول الله جل وعلا: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِياًّ أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [سورة النساء : الآية 135].

فالأمر بالعدل يشمل علاقة الإنسان بنفسه وبغيره كعلاقته مع أولاده يقول صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ».( 12) ويقول الله تبارك وتعالى في بيان العدل بين الزوجات: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا ﴾  [سورة النساء : الآية 3] يعني ألا تجوروا.

وهناك من يتهم الإسلام بالظلم والجور للمرأة في الميراث، وتعلمون أن الله سبحانه وتعالى أعطى الذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث، فبعض الجهلة يدسون السم في العسل ويقولون: الإسلام فضل الرجل على المرأة، وأعطى الرجل حق امرأتين. ويقولون: إنه ظلم وجور. تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، لا يقول هذا إلا مَن جَهِل أحكام الإسلام، فالإسلام راعى الحقوق الواجبة للنساء على الرجال، فالرجل يجب عليه حق النفقة، ويجب عليه حق السكنى، وحق الإعانة والإعالة، والرعاية والقوامة، فالرجل يحتاج إلى المال أكثر من حاجة المرأة، فلا يجوز أن نتهم حكم الله سبحانه وتعالى بالظلم والجور، وهو يقول: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [سورة المائدة : الآية 50].

5- حق رفض الطاعة عند الأمر بالمعصية:

يعني من أمرك بمعصية حق عليك ألا تطيعه، فلك حق رفض الطاعة في حال الأمر بالمعصية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ»( 13) فلك حق الخروج عن الطاعة لمن أمرك بمعصية أيًّا كان هذا الآمر، حتى وإن كان من أعز الناس لديك كوالديك، فلا تطعهما في معصية الله، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ [سورة لقمان : الآية 15].

ويقول صلى الله عليه وسلم: «لاَ طَاعَةَ فِى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِى الْمَعْرُوفِ»( 14) هذا الحق من الحقوق التي اختص الله تعالى بها ، وهو حد لا يجوز تعديه، قال تعالى: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [سورة الطلاق : الآية 1]

فمن حق كل إنسان أن يرفض أمرًا لم يأذن به الله ورسوله، ولا يجوز إجبار أحد على فعله أو إكراهه عليه بغير حق، إن الله لا يستحيي من الحق، وهناك من الناس من يطيع طاعة عمياء إرضاءً لصاحب نعمة أو سيادة، ويكون هذا على حساب معصيته لربه جل وعلا، فهذا من الجحود عياذًا بالله، لأن من الجحود أن تطيع المخلوق وتعصي الخالق، فالله أحق أن تخشاه، قال تعالى: ﴿ فَلاَ تَخَافُوَهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ [سورة آل عمران : الآية 175].

6- حق التملك:

إن الإنسان له الحق في البيع والشراء والتصرف في ماله ما دام جائز التصرف، وجائز التصرف هو الحر البالغ العاقل الرشيد، فما دام الإنسان كذلك رجلاً كان أو امرأةً فله حق التملك بالبيع والشراء وسائر التصرفات الأخرى في حدود المأذون به شرعًا، وهو الكسب الحلال، فالإسلام حمى الملكية الخاصة من أي اعتداء، فحرم الغصب، وحرم السرقة، وحرم مصادرة الأموال بغير حق، وأمر الإسلام الإنسان بالدفاع عن ماله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»( 15) وأوجب التعويض في حال الإتلاف، كل ذلك وغيره من باب الحفاظ على هذه الملكية، بل حرم الإسلام على الزوج أن يأخذ من مال زوجته بغير رضاها، وكثيرًا يقع في هذا بعض الأزواج، فبعض الأزواج يستغل الزوجة ذات المال ويستبدها في مالها بدون رضاها، ومعلوم أنه لا يجوز أخذ مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس.

فلا يحق للزوج أن يتصرف في مال زوجته إلا بإذنها، فهذا مما جاء به الإسلام، وما نجده في بعض القوانين وتلك الحضارات التي تفتح المجال أمام الزوج ليستولي على مال زوجته، وأن يحجر عليها لمصلحته، فالإسلام حرم هذا كله، وجعل صداق المرأة من حقها تحت ملكها وتصرفها، ولا يجوز لزوجها أن يعتدي على شيء من مالها إلا بإذنها ورضاها.

وكما أن الملكية الخاصة مصانة في الإسلام، فإن الملكية العامة مصانة كذلك، بل هي أشد، وعقوبة الاعتداء على الملكية العامة أشد؛ لأن الاعتداء على الملكية العامة يعد من الخيانة للأمة، والله تعالى يقول: ﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ ﴾ [سورة آل عمران : الآية 161] فهذه أمثلة من الحقوق التي كفلها الإسلام للإنسان.

وهناك حقوق أخرى كثيرة كحق إنظار المعسر، كما قال تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾ [سورة البقرة : الآية 280] وحق اليتيم والضعفاء والمساكين وذوي الحاجات الخاصة وأصحاب العاهات المستديمة، فهؤلاء ومن في حكمهم عاملهم الإسلام أرقى معاملة، وأمر بالإحسان إليهم، يقول الله تعالى: ﴿ فَأَمَّا اليَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ ﴾ [سورة الضحى : الآية 9] ويقول صلى الله عليه وسلم: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِى الْجَنَّةِ هَكَذَا». وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا.( 16)

فهذا من خصائص الإسلام وسماته، بينما نجد في بعض الحضارات القديمة قبل الإسلام إهانة الضعيف وإذلاله وتعريضه للمحنة، وجعل القوي أحق منه بالحياة، وبهذا يتضح موقف الإسلام من بني الإنسان في شئون الحياة كلها، وهو حق عام للمسلم، ومَن في حكم المسلم كالذمي والمعاهد لا يجوز الاعتداء عليه بغير حق، فله ما لنا، وعليه ما علينا بحكم الإسلام، هذا مما امتاز به دين الإسلام أنْ جعل للإنسان حقَّ الدفاع عن نفسه، يقول الله جل وعلا: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ ﴾ [سورة البقرة : الآية 194] وللإنسان حق العفو عند المقدرة كما في قوله: ﴿ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [سورة التغابن : الآية 14].

كيفية حماية حقوق الإنسان

إن مما يضمن سلامة حقوق الإنسان ويوفر لها الحماية ويضمن بقاءها إقامة حدود الله جل وعلا وتحكيم شرعه في الناس، فإن هذا من أعظم أسباب الحفاظ على الحقوق، وهناك من يصف هذه الحدود بالتعسف والرجعية ويصفها بأن فيها شدة وغلظة، ويقول: إن هذه العقوبة الشرعية ضد حقوق الإنسان. وهذا كلام خطير جِدًّا، ولهذا وجب علينا أن نبين خطر هذه الشبهة التي يدعيها أعداء الإسلام، فالعقوبة الشرعية أيًّا كان نوعها هي حكم الله وشرع الله، فما شُرِعت هذه العقوبات إلا زواجر وجوابر، والله سبحانه وتعالى أعلم بمصالح خلقه من أنفسهم.

وما شرعت هذه العقوبة الشرعية إلا رَدْعًا للجريمة التي من شأنها انتهاك حقوق الإنسان بالاعتداء على دينه أو على نفسه أو على ماله أو على عقله أو على عرضه.

هي عقوبات ثابتة مقدرة بتقدير الله جل وعلا، وهذه العقوبات عمومًا تحقق الأمن والطمأنينة للمجتمع ولكل مسلم ومسلمة، ففي إقامتها إقامةٌ للعدل وإحقاق للحق ومنعٌ للجريمة، وانظر إلى المجتمعات التي لا تُطَبِّق شرع الله وما يعج فيها من الأخلاق الفاسدة والجرائم المتعددة، والله سبحانه وتعالى جعل إقامة الحدود كَفَّارةً لتلك الذنوب التي يقترفها بعض العباد، وذلك كما بَيَّن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِى الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ»( 17)

وإقامة حدود الله في الأرض هي امتثال لأمر الله ورسوله، ولو علم أولئك المغرضون ما يترتب على تعطيل إقامة حدود الله من المفاسد التي أعظمها الاعتداء على محارم الله وانتهاك حقوق العباد لرجعوا عن دعواهم الباطلة وعن مزاعمهم الكاذبة.

ومن تلك الدعاوى الكاذبة أن حد السرقة فيه امتهان للإنسان، وفيه تشويه لسمعته بفقد أحد أعضائه وشل حركته وتشويه جسده، انظروا إلى هذه العبارات التي يقصدون من ورائها الإساءة للإسلام، جعلوا هذا الحد من حدود الله بهذه المثابة، ولا شك أن هذه حجة داحضة، فإن تنفيذ شرع الله في الأرض هو بمنزلة الغيث على العباد: «حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الأَرْضِ خَيْرٌ لأَهْلِ الأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا ثَلاَثِينَ صَبَاحًا».( 18)

ولكي يسود الأمن والأمان في البلاد لا بد من تطبيق شرع الله على العباد، وإلا أدى ذلك إلى انتشار الجريمة وطغيان الفساد وفقدان الأمن، فإن المجتمع الذي لا تقام فيه حدود الله تتعدد فيه الجريمة، ولا شك أن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة. فكيف ننظر إلى مصلحة فرد وننسى مصلحة أمة؟! والله تعالى يقول: ﴿ وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾ [سورة البقرة : الآية 179]. جعل الله القصاص الذي هو إزهاق للنفس حياةً، وهذا غاية في الإعجاز والبيان.

لقد زعم أولئك أيضًا أن إقامة الحد على من شرب الخمر فيه اعتداء على حرية الإنسان، ويقولون: الإنسان حر، له أن يشرب ما يشاء. ولكن غاب عن أولئك أن الشرب نفسه اعتداء على النفس، اعتداء على أعظم نعمة أنعم الله بها على هذا الإنسان، وهي العقل. وذهاب العقل بسبب شرب الخمر وما في حكمها من المسكرات يحصل به من المفاسد العظمى ما لا يعلمه إلا الله؛ لأن الإنسان يفقد صوابه وتقع منه أفظع الجرائم عياذًا بالله، ولهذا سميت الخمرة أم الخبائث، لكثرة أضرارها الصحية والنفسية والبدنية.

إذن ليس الإنسان حَرًّا في نفسه يفعل بها ما يشاء، فشِدَّة العقوبة تَبَعًا لشدة الجريمة، لقد جاء الإسلام بدرء المفاسد وجلب المصالح للأمة، وجاءت تلك الشريعة سمحة بمنهج عام وشامل للأمة يحافظ على الإنسان وكرامته وحقه في الحياة، فكيف لا يكون ذلك مصدرا لحقوق الإنسان.

الله سبحانه وتعالى خالق هذا الكون هو العليم بشئون العباد، خلق فسَوَّى، وقَدَّر فهدى ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ [سورة الملك : الآية 14]، فما على الخلق إلا الرضا والتسليم بحكم الله.

فعلى المسلمين عامة أن يتمسكوا بدينهم، وأن يعملوا بأحكامه وآدابه، وأن يكون هو الحكم بينهم، فسَيَجِدُون فيه بإذن الله صلاحهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة، فلا يصبح حال الإنسان إلا على ما شرعه الله ورسوله، فلقد حاز الإسلام قصب السبق في تقرير حقوق الإنسان بما لا يحتاج إلى زيادة بيان عما جاء في الكتاب والسنة، وما فرضه الله سبحانه وتعالى من عقوبات إنما هو حماية لتلك الحقوق وصيانة لها من أن تنالها أيدي العابثين.

فالقصاص إنما هو لحماية حق الحياة، فحد الحرابة حماية لحق المجتمع فُرَادَى وجماعات، وحد السرقة حماية للمال والتملك، وحد الزِّنى والقذف حماية للعرض والنسل، وحد الشرب حماية للعقل وحق الفكر.

إذن الحقوق في الإسلام حرمات، والاعتداء عليها جريمة، فكيف يُتَّهم الإسلام بما ليس فيه؟! ومجتمعٌ لا تُطبَّق فيه حدود الله مؤذن بالهلاك والدمار والفساد، لقد حقق الإسلام أيها الإخوة ما لم تحققه النظم الوضعية ولا المواثيق الدولية، وجاء بالخير العميم لهذه الأمة، ونحن والحمد لله نعيش في ظل هذه الشريعة السمحة شريعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه.

اللهم احفظ لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، اللهم احفظ لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واكتب الصحة والسلام لجميع المسلمين، اللهم احفظ بلادنا وولاة أمرنا، وَفِّقْهم للعمل فيما يرضيك، وجَنِّبْهم معاصيك، وهيئ لهم من أمرهم رَشَدًا، وارْزُقهم البطانة الصالحة الناصحة التي تدلهم على الخير يا رب العالمين، اللهم وَفِّقْهم للعمل بكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وتطبيق شرعك، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا اللهم من الراشدين، اللهم هذا الجهد وعليك التكلان فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، واجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

تعليق سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد فلقد أصغينا لذلك الموضوع الذي عنوانه: “حقوق الإنسان في الإسلام”، وهو يعالج قضية هامة طالما تحدث أعداء الإنسان فيها، واتهموا الإسلام زُورًا وبُهْتانًا أنه لم يراعِ حقوق الإنسان، وأن الشريعة ليس فيها حماية لحقوق الإنسان، وكل هذا من الجهل والمغالطات والأكاذيب، ولقد تصدى الدكتور الشيخ إبراهيم بن ناصر الحمود لهذه القضية فأجاد وأفاد، وأتى بما لا مزيد عليه، فقد دلل على فساد هذه المقالة من الكتاب والسنة بآيات وأحاديث، دل فيها على عناية الإسلام بحقوق الإنسان، والعناية بحقوق الإنسان في الشريعة لا تتنافى مع تعاليمه ومبادئه، بل تعاليم الإسلام تحترم الإنسان كإنسان، ثم هي تحترمه كمسلم التزم شرع الله وقام بما أوجب الله عليه.

إن الله جل وعلا خلق الإنسان في أحسن تقويم خاطبه بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ ﴾ [سورة الانفطار : الآية 6]  وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾ [سورة الانفطار : الآية 6 – 8] وقال: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ [سورة التين : الآية 4].

فخَلْقُ اللهِ الإنسانَ في أحسن تقويم وأكمله هو من تكريم الله له، قال جل وعلا: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [سورة الإسراء : الآية 70].

فالإنسان إذا عرف ربه وعرف دينه وعرف نبيه والتزم بأحكام الإسلام عِلْمًا وعَمَلاً ارتقى إلى درجة أخرى فوق الإنسانية، هي كمال الإنسانية، رفع لمستواها فأصبح الإنسان إنسانًا مؤمنًا، إنسانًا محسنًا ملتزمًا بشرع الله سائرًا على النهج القويم.

من أعظم حقوق الإنسان في الإسلام وفي شريعة الله عامة أن الله جل وعلا أقام الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب لتنقطع معذرة العباد، قال تعالى: ﴿ رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ [سورة النساء : الآية 165] ولقد عمت الرسالة جميع الخلق، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [سورة النحل : الآية 36].

ومن تكريم الإسلام للإنسان أن الله جل وعلا إنما خلقه ليعبده سبحانه وتعالى، قال جل من قائل: ( وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) [سورة الذاريات : الآية 56] ومن تكريم الإنسان أن جعله الله خليفة في الأرض فأسكن الله آدم وذريته الأرض فقال: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [سورة البقرة : الآية 30].

ومن حقوق الإنسان أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [سورة الإسراء : الآية 15]

وإذا نظرنا إلى تكريم الإسلام للإنسان وجدنا هذا التكريم في كل الأحوال، عندما شرفه الله بعبادته وتفضل عليه ففرض الفرائض وأوجب الواجبات وحرم المحرمات، كل هذا رفعًا لمستوى الإنسان حتى لا يشابه الحيوان، فيكون فاقد الفكر وفاقد العقل وفاقد التصور، ولهذا جعل الله من لم يلتزم الإسلام كالبهيمة بل البهيمة خير منه، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ ﴾ [سورة الأعراف : الآية 179] فهذا الإنسان كرمه الله بالعقل ليدرك به النافع من الضار، وليميز به الحسن من القبيح، والحق من الباطل، شريطة أن يسخر عقله فيما يقربه إلى الله تبارك وتعالى.

فالإنسان إن قبل شرع الله والتزم به فإنه يرتقي إلى درجة العلا والكمال، وإن دَسَّ نفسه وابتعد عن شرع الله كان من الخاسرين، ميز الله الإنسان بأن أعطاه العقل ليدرك به النافع من الضار والحسن من القبيح والخير من الشر بتوفيق من الله، قال تعالى: ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) [سورة البلد : الآية 10] وقال الله تعالى: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [سورة الإِنسان : الآية1 – 3].

لقد أُعْطِيَ إرادة ومشيئة تابعة لمشيئة الله، إن أخذ بأسباب السعادة والخير نجا، وإن أخذ بأسباب الشقاوة هلك، قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ [سورة الليل : الآية 5 – 10]

كرمه الله التكريم اللائق به، ألم تسمع إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ﴾ [سورة عبس : الآية 21] فشرع له بعد موته تغسيله وتطييبه وتكفينه والصلاة عليه ودفنه في لحده، ومشاركة المسلمين بالدعاء له.

من تكريم الله له أن شرع له هذه الشرائع التي فيها إعزازه وإكرامه وتمييزه عن سائر الحيوان، فهو مأمور ومنهي، عليه واجبات وفرائض ومنهيات ومحرمات، منع مما يفسد عقله كالمسكرات، وحوفظ على عرضه ودمه وماله، كل هذا من عنايته سبحانه بهذا الإنسان، فإن قبل شرع الله والتزمه كان من السعداء، وإن ضيع وفرط كان من الأشقياء، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا ﴾ [سورة الانشقاق : الآية 6 – 12].

جعل الله الجنة دارًا للعاملين الصادقين المخلصين، وجعل النار دارًا للكافرين الضالين، أيها المسلم إن الذين ينادون بحقوق الإنسان هم أبعد الناس عن حقوق الإنسان، وهم أكفر الناس بحقوق الإنسان، فها هم يسفكون الدماء في أرجاء العالم، وها هم يثيرون الفتن والقلاقل، وها هم يصنعون أسلحة الدمار والتخريب، وها هم ينشئون فرق التدمير والتخريب في العالم كله؛ لأن الإنسان لا يساوي عندهم ذبابا، قُتِل المئات من البشر بل الملايين من خلق لا يقام له وزنا، وها هم يتلاعبون بمقدرات العالم، يظلمون ويقتلون ويسلبون، ويبثون الفساد والرعب، ويعقمون الأرض بما يجرون من تجارب ونفايات نووية وغير ذلك، ثم هم ينادون بحقوق الإنسان، وها هم يبيعون البشر في سوق النخاسة الجديدة، يسلبون الأطفال ويبيعونهم وهذا من أخبث الأفعال وأردئها، فأين حقوق الإنسان؟!!

إن الإسلام حَقًّا كرم الإنسان حينما أمر وحينما نهى، وعندما جاء بالعقوبات الشرعية التي هي لمصلحته تكفيرًا لخطاياه وردعًا له وحماية له من الانزلاق، حتى يسير على النهج القويم، كل ذلك تكريما له، فما الحدود إلا تكريم للإنسان، وإن كان فيها إيلام، لكنها تردعه أن يتمادى في الجرم، وتردع غيره.

وما العقوبات الشرعية إلا ذلك لأن الإسلام يريد لهذا المجتمع أن يقوم على أسس ثابتة من القيم والأخلاق والفضائل، ها هو يرغب في الإحسان والبر والصدقة وبذل المعروف وينهى عن الظلم والعدوان، ويحترم الدماء والأموال، ويلتزم المواثيق والعهود، ويحرم الغدر والخيانة، ويلتزم باحترام دماء المسلم المعصومين من مؤمنين ومعاهدين وذميين مستأمنين، كل ذلك لأن هذه الشريعة جاءت بالحق والعدل والإنصاف، فلو أنصف الناس من أنفسهم لعلموا أن هذه الشريعة هي الحق، وأنها شريعة العدل والرحمة، وهم يعرفون ذلك، لكن يتجاهلونه كما قال جل وعلا: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ [سورة البقرة : الآية 146 ].

إن هذا الموضوع كشف الغطاء عن كل الشبه التي أدلى بها أعداء الإسلام نحو هضم الإسلام حقه، حيث زعموا أنه لا يعرف للإنسانية حَقَّها وكذبوا والله، بل الإسلام احترم الدماء والأموال والأعراض، وحافظ على الذين ينتسبون للديانات الأخرى من معاهدين ومستأمنين، كل ذلك لأن دين الإسلام دين الرحمة ونبيه نبي الرحمة، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ [سورة الأنبياء : الآية 107].

فنسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد، والقيام بما أوجب الله علينا، نسأله أن يصلح ولاة أمرنا، ويوفقهم لما فيه الخير والصلاح، وأن يجزي الشيخ إبراهيم على هذه الموضوع القيم النافع خيرا، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

أسئلة:

سؤال: 

هل يوجد حالات تسقط فيها الحدود؟!

الحدود الشرعية إذا ثبتت بطرقها المشروعة فإن النبي يقول: «تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِى مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ ».(19 )

لا شك أن الحدود طهارة للمحدود، وتكفير لسيئاته وخطاياه، والحدود الشرعية الثابتة لا ينبغي إهمالها، إنما هذه أمور ينظر إليها، مثلا شرب الخمر هل حده أربعين جلدة؟ كان النبي وأصحابه يضربون ما بين ضارب بيده ونعله أو عصاه، فجُعِلَ أربعين جلدة، وجعله عمر ثمانين تعذيرًا. حد السرقة أسقطه العلماء إذا كانت السرقة في دار الحرب خوفًا على المسلمين من تصدع ونحو ذلك.

أما الحدود الشرعية الثابتة بطرقها الشرعية فإن المسلمين يقيمونها متى ما ثبتت عندهم، ففي الحديث: «حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الأَرْضِ خَيْرٌ لأَهْلِ الأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا ثَلاَثِينَ صَبَاحًا».( 20)

سؤال:

يدعوا دعاة الانحلال والإباحية في فرنسا إلى المساواة بين الرجل والمرأة، فبم يوجب الإسلام العدل بين الجنسين؟! وما الفرق بين المساواة والعدل؟!

جواب:

الله جل وعلا يقول: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى ﴾ [سورة آل عمران : الآية 36] وجعل الله جل وعلا فروقًا في الخلق كما قسم بيننا أرزاقنا وأخلاقنا، فنَوَّعَ خلقنا، فكل الرجال والنساء من ماء مهين، لكن للرجل خصوصيته، وللمرأة خصوصيتها، وهذا شرع الله، هذا متلائم مع الفطر السليمة، دعاة المساواة بين الجنسين دعاة ضلال؛ لأنهم يريدون أن يحرفوا كلام الله، ويقولون: إن الذكر والأنثى سيان في الميراث، والله يقول: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ﴾ [سورة النساء : الآية 11].

ويقولون: إن شهادة المرأة يجب أن تكون كشهادة الرجل، والله يقول: ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ﴾ [سورة البقرة : الآية 282]

وهم يقولون: نريد أن يكون الرجل كالمرأة في كل الأعمال صغيرها وكبيرها.

كل هذه مغالطات، وكل هذه دعوات ضالة وأفكار سيئة يحملها من أزاغ الله قلبه، ورددها وكررها ودعى إليها وحاول لَيَّ النصوص عن حقيقتها وصرفها عن مقتضاها لهوى في نفسه، نسأل الله السلامة والعافية.

******************************************************************************************************************************************

( 1) أخرجه مسلم (4/1986 ، رقم 2564) .

( 2) أخرجه البخاري (1/14 ، رقم 13) ، ومسلم (1/67 ، رقم 45)  .

( 3) أخرجه البخاري (5/2179 ، رقم 5442) ، ومسلم (1/103 ، رقم 109) .

( 4) أخرجه مسلم (2/651 ، رقم 943) .

( 5) أخرجه البخاري (1/470 ، رقم 1329) .

( 6) كنز العمال [كنز العمال 36010] .

( 7) أخرجه البخاري (2/891 ، رقم 2381)، ومسلم (2/1147 ، رقم 1509) .

( 8) أخرجه البخاري (5/2250 ، رقم 5709) ، ومسلم (1/101 ، رقم 105) .

( 9)  أخرجه أحمد (2/523 ، رقم 10791) ، وأبو داود (4/331 ، رقم 5116)، والترمذي (5/735 ، رقم 3956).

( 10) أخرجه البخاري (6/2491 ، رقم 6406) ، ومسلم (3/1315 ، رقم 1688).

( 11) سبق تخريجه.

( 12)  أخرجه البخاري (2/914 ، رقم 2447) ، ومسلم (3/1242 ، رقم 1623).

( 13)أخرجه أحمد (5/66 ، رقم 20672)  .

( 14) أخرجه البخاري (6/2612 ، رقم 6726) ، ومسلم (3/1469 ، رقم 1840) .

( 15) أخرجه البخاري (2/877، رقم 2348)، ومسلم (1/124، رقم 226) .

( 16) أخرجه  البخاري (5/2237 ، رقم 5659).

( 17) أخرجه البخاري (3/1413 ، رقم 3679) ، ومسلم (3/1333 ، رقم 1709) .

( 18) أخرجه أحمد (2/402 ، رقم 9215) ، والنسائى (8/75 ، رقم 4904) ، وابن ماجه (2/848 ، رقم 2538).

( 19) أخرجه أبو داود (4/133 ، رقم 4376) ، والنسائى فى الكبرى (4/330 ، رقم 7373) ، والحاكم (4/424 ، رقم 8156) وقال : صحيح الإسناد ،  .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات الفيس بوك




إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: