الإيمان والتطرف

معتز أبو قاسم

أورد طه عبد الرحمن في كتابه (الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري) اعتراضا يسوقه أهل “الواقع الكوني الغربي – أي أهل زماننا ممن يسوسون العالم اليوم” ومقتضى هذا الاعتراض يدور حول العلاقة بين الإيمان والتطرف، وأن الإيمان ليس ضمانة لنفي التطرف عن العالم.

وينبني على هذا الاعتراض نتيجة خطيرة جدا وهي “أن خلو العالم من الإيمان أدعى لنزع فتيل التطرف بين أمم الأرض”.

ولكن طه عبد الرحمن عندما أجرى منهجه في النظر على هذا “المقتضى للعلاقة بين الإيمان والتطرف” وجد بعد تحليله لِبِنْيَة ” التطرف “أن هذه الممارسة العنيفة إنما تحدث عندما يغيب عن العقل أصلان هما (الموضوعية) و(العقلانية).

فهذا التطرف في حقيقته هو مجاوزة الحد مطلقا، وليس التجاوز مختصا بالخلفية الدينية، فالتجاوز الذي يتوسل بالخلفية الدينية إنما هو انقلاب على الحقيقة الدينية،وليس امتدادا لها.

فالتدين هو الحالة التي يحصل فيها التوازن بين الأزواج المفهومية التي يعيش فيها الإنسان.

وقد أقام طه عبد الرحمن كتابه (الحق الإسلامي) ليجيب عن سؤال العصر ومشاكله متوسلا بالأدوات المنهجية المتاحة والنافعة فمنها اللغوية والمنطقية والمعرفية وغيرها، وقد أراد أن نَشْهَد على مكانة الجواب الإسلامي الخاتم، وأن غياب هذا الجواب تسبب بمآسي كبيرة نشهدها اليوم وأن استمرار الغياب سوف يُفاقم هذا التطرف والظلم والاستغلال إلى أن يصل إلى حد اجتثاث الآخر باعتباره فائضا سلبيا في الوجود.

فنجد طه في جوابه قد تتبع قصور العقل المجرد الذي يستبعد الديني من مفاهيمه وقيمه ويتوسل بمطلقية إحدى التجارب الإنسانية وهي “العلمنة” وتتبع طه عبد الرحمن كذلك تطور حالة الاختلاف من منظور الواقع الكوني الغربي الذي تقوم مركزيةُ مسلماته على مسلمة استبعاد الدين فوجدها تمر بمراحل ثلاث تمثل كل مرحلة درجة من الابتعاد واتساع المسافة بين الأمم المختلفة لغة واعتقادا ومعارف.

فكانت المرحلة الأولى هي الاختلاف المفضي للاستعلاء..

ثم تطورت الحالة لتدخل في طور الإنكار وسلب الآخر حقه في الاختلاف..

ثم تضخمت الأنا الغربية لتقذف نفسها في مرحلة اجتثاث الآخر وسلب حقه في الوجود..

وبذلك تكون المرحلة الأولى نوعا من اللامبالاة بالآخر إلا باعتباره مفضولا..

وتكون المرحلة الثانية بمثابة علاقة الاستعباد والاستغلال والتبعية..

وتكون الثالثة شكل من أشكال الواحدية المغلوطة والأنانية المفرطة من طلب التفرد في الوجود وبالوجود.

وهذه المراحل ستفضي في النهاية إلى اجتثاث الذات نفسها لأن هذا الفكر الأحَدي الذي خلص له الواقع الكوني الغربي سيطلب مرحلة أكثر إطلاقية وتحررية ولامعقولية ولن تكون إلا بالانعكاس والدوران على الذات نفسها للخروج بها إلى عالم مجهول آخر، وهذا نراه في ممارسات الشذوذ بأنواعه الجنسي وغيره والتنظير لهذا الإطلاق نجد تنظيره عند “دي سادي” و”جورج باتاي” و”نيتشة” و”جاك لاكان” وغيرهم كما بين طه ذلك في كتابه الرائع “شرود ما بعد الدهرانية”.

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: