الأوراق الفيدرالية ورقة رقم: 84 الكسندر هاملتون Alexander Hamilton 28 مايو، 1788


إلى أهالي ولاية نيويورك:
في أثناء المراجعة الحالية للدستور، أخذت علماً بالاعتراضات التي ظهرت ضده، وحاولت الإجابة عن معظمها. غير أنه بقي بعضها لم يندرج بطبيعته تحت أي عنوان خاص، أو حصلت غفلة عنها في مواقعها الصحيحة. هذا ما سأبحثه الآن؛ وحيث أن الموضوع قد استطال إلى درجة كبيرة، فإنني سألجأ إلى الاختصار فأضم جميع ملاحظاتي عن تلك النقاط المتنوعة في ورقة واحدة.
وأهم الاعتراضات المتبقية هي أن خطة المؤتمر لا تحتوي لائحة للحقوق. وبين الإجابات الكثيرة التي تردّ على هذا، أننا قد نوهنا في أكثر من موضع إلى أن دساتير عدة ولايات هي من فئة متشابهة، ودستور ولاية نيويورك واحد من هذه القائمة. ومع هذا فإن معارضي النظام الجديد، في هذه الولاية، والذين يصرحون بإعجابهم غير المحدود بدستورها هم بين الداعين غير المعتدلين إلى لائحة حقوق. ولتبرير حماستهم لهذا الموضوع يزعمون شيئين اثنين: أحدهما يقول: مع أنه ليس في دستور نيويورك لائحة بالحقوق كمقدمة له، فإنه يحتوي في صلب مادته شروطاً متنوعة تخدم امتيازات خاصة وحقوقاً تبلغ في مادتها الحقيقية مستوى لائحة الحقوق نفسها، ذاك شيء واحد، والثاني: أن الدستور قد تبنى في جميع بنوده، القانون العام في بريطانيا العظمى، ومن خلال ذلك يتم ضمان عدة حقوق لم يتم النص عليها في الدستور، لكن ضمانها يحصل وكأنه قد تم ذلك.
فعن النقطة الأولى. أجيب أن الدستور الذي يقترحه المؤتمر يحتوي، كما يفعل دستور هذه الولاية، عدداً من شروط مماثلة..
وبصرف النظر عن تلك التي تتعلق بهيكلية الحكومة، فإننا نجد البند الأول، الفصل الثالث، فقرة 7 تقول: "لا تشمل الإدانة في قضايا العقوبات أكثر من العزل من الوظيفة وحرمان المعزول من الحصول على وظيفة محترمة موثوقة، تعود عليه بربح في خدمة الولايات المتحدة؛ لكن الطرف المدان، يظل مع ذلك، عرضة وخاضعاً للمحاكمة وصدور الحكم وإنزال العقوبة طبقاً للقانون". ويقول الفصل 9 من البند نفسه، فقرة 2: "أن امتياز قانون "سلامة الجسد" لا يجوز تعليقه ما لم تتطلبه السلامة العامة في حالة من الثورة أو الغزو". وتقول الفقرة 3 "لا يجوز إقرار لائحة بالتجريد من الحقوق المدنية على شخص ما" والفقرة 7: "لا يمنح أي لقب بالنبالة من جانب الولايات المتحدة، ولا يجوز لأي شخص يشغل وظيفة مدفوعة الأجر أو وكالة تحت أي لقب، بدون موافقة الكونغرس أن يقبل أي هدية أو تعويض مالي عن وظيفة أو لقب من أي نوع كان من أي ملك أو أمير أو دولة أجنبية". ويقول البند 3 فصل 2 الفقرة 3: تتم محاكمة جميع الجرائم، إلا في حالات التقصير، أمام هيئة محلفين؛ وفي الولاية التي تقترف الجريمة فيها، فإذا لم تقترف ضمن حدود أي ولاية جرت المحاكمة في المكان أو الأمكنة التي تعينها تعليمات الكونغرس". والفصل 3 من البند نفسه: "الخيانة ضد الولايات المتحدة تنحصر فقط في القيام بحرب ضدها أو الانضمام إلى أعدائها وتقديم عون لهم واطمئنان. ولا تتم إدانة أحد بالخيانة إلا بشهادة شاهدين على الفعل المذكور آنفاً، أو بالاعتراف المباشر أمام محكمة علنية". والفقرة 3 من نفس الفصل: "للكونغرس حق إصدار الحكم بالتجريد من الحقوق على من يقترف الخيانة العظمى؛ لكن ذاك التجريد لن يتعدى إلى أحد من الأقارب أو الأصدقاء، ولا ينسحب إلى أبعد من حياة الشخص الذي تم تجريده".
وقد يكون سؤالاً جيداً: ما إذا كانت هذه الفقرات بوجه العموم، تشكل اهتماماً مساوياً لذلك الذي نجده في دستور هذه الولاية. إن ترسيخ النص على سلامة الجسد، ومنع قبول الأمر الواقع، ورفض ألقاب النبالة، وكلها ليس لها شرط يقابلها في دستورنا، ربما كانت ضمانات أقوى للحرية ولطبيعة الحكم الجمهوري من أي اشتراطات أخرى يحويها ذلك الدستور إن خلق الجرائم بعد اقتراف الوقائع، أو بكلمات أخرى إخضاع الأشخاص للعقوبة جرّاء أشياء ما كانت عند إتيانها إخلالاً بأي قانون، وممارسة الحبس الاعتباطي عليهم – قد ظلت في جميع العصور، السبل المفضلة والمخيفة في يد الطغيان. ومطالعات قضية بلاك ستون إشارة إلى الأخيرة منهما جديرة بالتذكر والاهتمام: "إن حرمان شخص من الحياة (كما يقول) أو مصادرة عقار له بالقوة، دون اتهام أو محاكمة، يعتبر عملاً ظالما فظيعا وفاضحاً بحيث يحمل نذيراً بالطغيان في كل أرجاء الوطن، غير أن احتجاز حرية شخص ما عن طريق الإسراع به إلى السجن، حيث يتم نسيان معاناته أو التستر عليها، لهو أقل بعثاً للاستهجان، ومن ثم فهو أداة أعظم خطراً من الحكم التعسفي". وكعلاج لهذا الشر القاتل يظل التأكيد في كل موضع في المطالعات على قانون سلامة الجسد، والذي يسميه في أحد مواضع المطالعات "متراس الدستور البريطاني".
ولا حاجة لأن يضاف شيء لتوضيح أهمية تحريم ألقاب النبالة. إذ يمكن بكل صدق إطلاق كنية حجر الزاوية للحكم الجمهوري على هذا التحريم؛ لأنه طالما ظلت ألقاب النبالة مستبعدة يزول خطر أن تنقلب الحكومة إلى أي شيء غير حكومة تابعة للشعب.
وبخصوص النقطة الثانية والتي هي في الظاهر إقرار القانون والتشريع العام من قبل الدستور، فنا أجيب أن كليهما قد أخضعا "بصراحة إلى تغييرات واشتراطات تجريها السلطة التشريعية فيهما من وقت لآخر". ولذلك فهما عرضة في أي لحظة للإلغاء والتنقيح من قبل السلطة التشريعية العادية، وبطبيعة الحال ليس لهما أية قداسة دستورية. وقد كانت الفائدة الوحيدة من ذلك الإعلان هي الاعتراف بالقانون القديم وإزالة الشكوك التي ربما تولّدت بفعل الثورة. وبالتالي فإنه لا يمكن اعتبار ذلك جزءاً من إعلان الحقوق، التي يقصد بها دستورنا أن تكون حدوداً لسلطة الحكومة نفسها.
لقد تم التنويه في عدة مرات، وبحق، إلى أن لوائح الحقوق هي في الأصل التزامات بين الملوك ورعاياهم، أي تضييق في التزامات وحقوق الملك ومواطن حفاظ للحقوق التي لم تخضع للأمير. هكذا كانت الماغناكارتا "اللائحة العظمى" أو وثيقة الحقوق التي حصل عليها البارونات بسيوفهم من الملك جون. وهكذا أيضاً كانت التأكيدات التي عقبت تلك اللائحة من قبل الملوك اللاحقين. وهكذا كانت عريضة الحقوق التي وافق عليها الملك شارل الأول في أول عهده. ومثلها أيضاً كان إعلان الحقوق الذي قدمه أعضاء مجلسي اللوردات والعموم إلى أمير أورانج سنة 1688 والذي تم تضمينه في لائحة برلمانية سميت لائحة الحقوق. فمن الواضح إذن أنه بناء على أهميتها البدائية لا يمكن تطبيقها على دساتير، يعترف الجميع أنه قد أقيمت بقوة الشعب، كما تم تنفيذها على يدي ممثليهم المباشرين ومن وظفوهم وهنا، بالضبط؛ لا يتنازل الشعب عن شيء؛ ولما كان أبناؤه يحتفظون بكل شيء، فهم لا يعيرون اهتماماً لأية احترازات معينة، "نحن، شعب الولايات المتحدة من أجل أن نضمن بركات الحرية لأنفسنا وممتلكاتنا، نأمر ونقرر هذا الدستور للولايات المتحدة في أمريكا". وهنا نجد اعترافاً بحقوق الشعب أفضل من مجلدات من الأقوال المأثورة التي تشكل الصورة الرئيسة في كل لوائح الحقوق في ولاياتنا، والتي كانت ستغدو أعمق تعبيراً لو وضعت في أطروحة عن الأخلاق أكثر منها في دستور للحكم.
والحق، أن تفصيلاً دقيقاً لحقوق معينة سيكون أمراً غير مقبول عملياً حال وضعه في دستور مثل الدستور المطروح للبحث، والذي يقصد منه فقط أن ينظم المصالح السياسية العامة للدولة، أكثر منها دستوراً يحدد كل نوع من الاهتمامات الفردية والشخصية. إذن، لو كان الصخب العالي ضد خطة المؤتمر بصدد هذا الموضوع، يقوم على أساس متين، لما كانت هناك نعوت بالرفض والاستنكار أشد مما يستحقه دستور هذه الولاية. لكن الحقيقة هي أن كليهما يحتويان كل ما له علاقة بأهدافهما ومرغوباً فيه بصورة معقولة.
وأنا أذهب إلى أكثر من ذلك فأؤكد أن أي لوائح بالحقوق، بالمعنى والمدى اللذين يجادلون فيهما ليس أمراً غير ضروري في الدستور المقترح، بل حتى أن وجودها سيكون خطيراً. فالدستوران كلاهما سوف يحتويان استثناءات متنوعة لسلطات غير ممنوحة؛ وعلى هذا الأساس ذاته، يقدمان نصاً بديعاً للمطالبة بحقوق هي أكثر مما تم منحه. فلماذا يعلنان مثلاً أنه سيتم القيام بأشياء ليس هناك سلطة للقيام بها؛ ولماذا يجب أن يقال مثلا إن حرية الصحافة لم توضع عليها قيود في حين أنه ليس هناك سلطة من خلالها يمكن أن تفرض قيود؟ أنا لا أجادل في أن شرطاً من هذا النوع سوف يمنح سلطة تنظيمية؛ ولكنه من الواضح أنه سوف يوفر ادعاءً مقبولاً للأشخاص الراغبين في الاغتصاب، كي يطالبوا بتلك السلطة. فبوسعهم أن يقولوا بما يشبه المنطق أن الدستور لا يجوز أن يتهم بالسخافة حين أحترز ضد إساءة استعمال صلاحية لم تمنح أصلاً، وأن الشرط ضد تقييد حرية التعبير ييسر إشارة ضمنية واضحة إلى أن للسلطة أن تقوم بتحديد التعليمات المناسبة بخصوص ذلك، وأنه كان مقصوداً أن يتم تخويل تلك السلطة إلى الحكومة الوطنية. وقد يخدم هذا كعينة من المكابح العديدة التي يجب أن تباشر على مبدأ السلطات البناءة، بفضل جهد الحماس غير القضائي لنيل لوائح الحقوق.
وبخصوص موضوع حرية التعبير (الصحافة)، ومع القدر الكبير الذي قيل عن ذلك، أراني لا أستطيع أن أتغاضي عن إضافة ملاحظة واحدة أو اثنتين: ففي المقام الأول ألاحظ، أنه ليس هناك كلمة واحدة بخصوصها في دستور هذه الولاية؛ وفي المقام الثاني أجدني أجادل في أنه مهما سبق أن قيل عنها في أي ولاية أخرى فإنه لا يبلغ أن يكون شيئاً مهماً. ما الذي يعينه إعلان أن "حرية التعبير ستكون مصونة دون أي إخلال بها"؟ ما هي حرية التعبير هذه؟ من الذي يستطيع وضع تحديد لها لا يترك أكبر مجال للتملص منها؟ أنا أرى ذلك شيئاً غير عملي ولا ممكن؛ ومن هذا أستنتج أن ضمانها، مهما أدخل أي تصريح في أي دستور بخصوصها، لا بد أن يرتكز بالكلية على الرأي العام للمواطنين، وعلى الروح العامة للشعب والروح العامة للحكومة.1
وهنا على كل حال كما وثقناه في مناسبة سابقة، علينا أن نفتش عن الأساس المتين لكل حقوقنا.
ويبقى نظرة واحدة نلقيها على هذه المسألة لنختم بحثنا عن تلك النقطة. فالحقيقة هي: بعد كل التشهيرات التي سمعناها، أن الدستور نفسه، بكل معنى عقلاني فيه، ولكل هدف مفيد له إنما هو لائحة حقوق. إن عدة لوائح حقوق في بريطانيا تشكل دستور تلك البلاد، وبالتالي فإن دستور كل ولاية هو لائحة الحقوق فيها. وسيكون الدستور المقترح إذا تم تبنيه لائحة حقوق للاتحاد كلّه, هل إن أحد أهداف لائحة الحقوق أن تعلن وتحدد الامتيازات السياسية للمواطنين في هيكلية الحكومة وإدارتها؟ إن هذا ما تم بأوفى أسلوب وأكثره دقة في خطة المؤتمر؛ شاملاً مختلف الاحترازات لضمان الحرية العامة، وهي احترازات لن يعثر عليها في أي من دساتير الولايات. وهل إن هدفاً آخر من لائحة الحقوق أن تحدد حصانات معينة ونماذج إجراءات، ذات صلة بالهموم الشخصية والفردية؟ وهذا بدوره رأينا أنه روعي في كثير من الحالات في الخطة نفسها. وإذا ما انقلبنا إذن إلى المعنى الحقيقي للائحة الحقوق فإنه من السخف أن نزعم أنه لن يعثر عليه فيما فعله المؤتمر. قد يقال أن ما فعله لا يذهب إلى ما فيه الكفاية. ومع أنه ليس من السهل جعل ذلك يظهر، لكنه لا يمكن الجدل بدون حق أنه ليس هنالك شيء من هذا القبيل. وسيكون من غير المهم بالتأكيد ذلك الأسلوب الذي تم إتباعه في ترتيب إعلان حقوق المواطنين ما دام يمكن العثور عليها في كل جزء من الأداة التي على أساسها يقوم الحكم. ولذا فإنه يجب أن يكون واضحاً أن كثيرا مما قيل عن هذا الموضوع يستند إلى فوارق لفظية وإسمية فقط غريبة تماماً عن حقيقة الأمر.
وهناك اعتراض آخر تم طرحه، ويفرض تكرار ترديده القول بأنه يعتمد على طبيعة "من غير المناسب (كما يقول المعترضون) أن تمنح سلطات كبيرة بهذا القدر الذي تقترحه خطة المؤتمر إلى الحكومة الوطنية، لأن مقر تلك الحكومة سيكون بالضرورة قصياً عن كثير من الولايات، فلا يتيح معرفةً كافية بتصرفات مجلس الممثلين". ومن شأن هذه المناقشة إذا ما أثبتت شيئاً، أن تثبت أنه لا يجب أن تقوم حكومة عامة من أي صنف. لأن السلطات التي، يبدو أنه قد تمت موافقة جميع الأطراف على وجوب تخويلها إلى الاتحاد، لا يجوز باطمئنان أن توكل إلى مجلس لا يكون خاضعاً لكل ما يطلب منه. لكن هناك أسباباً، كافية تبين أن هذا الاعتراض في الواقع لا يقوم على أساس متين. ففي معظم المناقشات المتصلة ببعد المسافة مخادعة ظاهرة في التصور. ما هي مصادر المعلومات التي يستطيع أهالي ناحية مونتغمري عن طريقها أن يقيموا حكمهم على سلوك ممثليهم في مجلس تشريع الولاية؟ إنهم لا يستطيعون الاستفادة من الملاحظة الشخصية لهم. هذا مقصور على مواطني الموقع نفسه. فعليهم إذن الاعتماد على معلومات الأذكياء الذين يثقون فيهم، وكيف يجب أن يحصل هؤلاء على المعلومات؟ من توجه المقاييس العامة، من المطبوعات للجماهير، من مراسلاتهم مع ممثليهم، ومن أشخاص آخرين يقيمون في نفس المكان الذي تتم فيه المداولات. ولا ينطبق ذلك على ناحية مونتغمري وحدها بل يصدق في حال جميع النواحي الواقعة على مسافة معتبرة من مقر الحكومة.
كذلك واضح بنفس القدر أن مصدر المعلومات هذا سيكون مفتوحاً أمام الشعب فيما يتعلق بسلوك ممثليه في الحكومة العامة، أما العقبات في طريق الاتصال الفوري والتي يفترض أن يخلقها بعد المسافة فقد تم قهرها بفضل اليقظة والانتباه اللذين تبديهما حكومات الولايات. إن الهيئات التنفيذية والمجالس التشريعية في كل ولاية ستشكل حشداً من الرقباء على الأشخاص العاملين في كل دائرة من دوائر الإدارة الوطنية ولما كان بمقدور هؤلاء أن يتبنوا ويتابعوا كل نظام منتظم وفعال من الاستخبارات، فإن بمقدورهم أيضاً ألا يضلوا في معرفة سلوك من يمثلون المواطنين في المجالس الوطنية، كما يستطيعون على الفور نقل تلك المعلومات إلى أبناء الشعب. إن ميلهم إلى تنبيه المجتمع من أي شيء يمكن أن يهدد مصالحه من أي ركن جاء ذلك لهو جدير بأن يعتمد عليه، حتى لو جاء فقط من باب التنافس في السلطة. ولنا أن نستنتج بكل اطمئنان أن جمهور الشعب من خلال تلك القنال سوف يعلمون عن سلوك ممثليهم أكثر مما يعلمون عن طريق أي وسيلة يملكونها الآن، عن تصرفات ممثلي ولايتهم في الوقت الحاضر.
هذا كما أن على المرء أن يتذكر أن المواطنين الذين يقطنون الريف عند مقر الحكومة أو قريباً منه وفي جميع المسائل التي تتعلق بالحريات العامة وازدهار البلد سوف يبدون نفس الاهتمام الذي يبديه من يقطنون بعيداً كما يكونون مستعدين للنفخ في البوق عند الضرورة، وفضح أصحاب الأدوار في أي مشروع يلحق الأذى بالمواطنين. كذلك ستكون الصحف العامة رسلاً عاجلة للمعلومات تنقلها إلى أقصى مواقع سكان الاتحاد.
وبين الاعتراضات الكثيرة الشاذة التي طرحها بعضهم ضد الدستور المقترح، بل أكثرها شذوذاً وأقلها مخادعة ذلك الاعتراض المبني على غياب شرط ما بخصوص الديون المستحقة للولايات المتحدة. وقد تم تصوير ذلك وكأنه إعفاء ضمني من تلك الديون، ومكيدة حيكت للتستر على الغشاشين العامين. ولقد شاركت الصحف في الأمر بهجومها اللاهب على هذا العنوان، ومع ذلك فإنه ليس هناك ما هو أكثر وضوحاً من أن الاقتراح كله باطل لا أساس له، وأنه نتاج جهل مطبق أو خيانة بالغة. فبالإضافة إلى الملاحظات التي أوردتها على الموضوع في موقع آخر، سأنوه فقط إلى أن ما يمليه الإدراك العام لهذا الخصوص هو قاعدة راسخة في القانون السياسي، ومفاده أنه "لا تفقد الدول أياً من حقوقها ولا تعفى من أي من التزاماتها جراء حدوث تغيير في شكل الحكومة المدنية فيها".
والاعتراض الأخير ذو الأهمية والذي أتذكره في الوقت الحاضر، يدور حول بند النفقات، إذا كان صحيحاً بالفعل أن تبني الحكومة المقترحة سوف يخلق زيادة معتبرة في النفقات فسيكون اعتراضاً لا قيمة له على الخطة.
إن الجمهرة العظمى من مواطني أمريكا مقتنعون، عن منطق، أن الاتحاد هو أساس سعادتهم السياسية. ويتفق العقلاء في جميع الأحزاب مع بعض الاستثناءات في أنه لا يمكن الحفاظ على النظام الحالي، ولا يمكن دون إجراء تغييرات جذرية فيه، أن تمنح سلطات جديدة وشاملة إلى الرأس الوطني، وأن تلك السلطات تستدعي تنظيماً مختلفاً للحكومة الفدرالية – فمن غير الأمين عندئذ أن يكون مجلس واحد فيها هو الذي تستقر فيه سلطات واسعة كهذه. وفي حال التنازل عن تلك الصلاحيات، يغدو التخلي عن مسألة النفقة واجباً؛ لأنه يستحيل، بأي درجة من الأمان، أن نضيّق الأسس التي يقوم عليها النظام. إن فرعي التشريع، في المقام الأول سوف يتألفان من خمسة وستين شخصاً فقط، وهو نفس العدد الذي يجوز أن يتألف منه الكونغرس، بموجب الكونفدرالية القائمة. صحيح أن النية تتجه إلى زيادة هذا العدد، لكن هذا يجب أن يترافق مع زيادة السكان وموارد البلاد. ومن الواضح أن عدداً أقل منه، حتى في أول الأمر كان غير أمين، وأن بقاء العدد الحالي كما هو سوف يخلق تمثيلاً غير صحيح للشعب في مرحلة متقدمة من تزايد السكان.
إذن، من أين يُستشعر الخوف من زيادة النفقات أن يبرز؟ هناك مصدر يشار إليه بخصوص هذا الأمر، هو مضاعفة الوظائف في الحكومة الجديدة. دعنا نناقش ذلك قليلاً.
من الواضح أن الدوائر الرئيسية في الإدارة في ظل الحكومة الحالية هي نفس الدوائر التي ستتطلبها الحكومة الجديدة. فهنالك الآن ناظر للحربية وناظر للشئون الخارجية وناظر للشئون الداخلية ومجلس للخزانة يتألف من ثلاثة أطراف: أمين خزانة ومساعدون وكتاب والخ. وهذه الوظائف لا يمكن الاستغناء عنها في أي نظام، وستكون كافية في النظام الجديد كما هي في النظام القديم. أما بخصوص السفراء والوزراء الآخرين والوكلاء في البلاد الأجنبية، فإن الدستور المقترح لا يستطيع أن يورد أي فارق آخر غير جعل هؤلاء الأشخاص محترمين حيث يقيمون، وجعل خدماتهم أكثر فائدة للاتحاد. وأما فيما يتعلق بالأشخاص الذين سيتم استخدامهم في جباية أموال الخزينة، فالواقع الذي لا يقبل الجدل أن هؤلاء سوف يشكلون إضافة كبيرة نسبياً إلى عدد الموظفين الفدراليين؛ لكنه لا يلزم من ذلك أن الأمر سيولد زيادة في النفقات العامة. في أغلب الأحيان، لن يتم أكثر من استبدال موظفي الولايات بموظفين وطنيين. ففي جمع كل الرسوم المفروضة مثلاً سيكون جميع من يتم استخدامهم من الفئة الأخيرة. وستكون الولايات بصورة إفرادية في غير حاجة لأي من هؤلاء لذلك الغرض. ما الفارق الذي قد يخلقه من حيث النفقة، أن تدفع نفقات ضباط جمارك تعينهم الولاية أو نفقات نظرائهم الذين تعينهم الولايات المتحدة؟ ليس هنالك سبب معقول يدعو المرء أن يفترض أن يكون عدد الموظفين الآخرين أكبر أو مرتباتهم أعلى من عدد ومرتبات الموظفين الأوليين.
إذن، أين علينا أن نفتش عن بنود الإنفاق الجديدة التي ستضخم الحساب وتجعله ذا حجم بالغ الكبر كما تم تصويره لنا؟ إن الصنف الأساسي الذي يحضر في ذهني هو بخصوص إعالة قضاة الولايات المتحدة. وأنا هنا لا أضيف مرتب الرئيس، لأن هناك في الوقت الحاضر رئيساً للكونغرس لا تنقص نفقاته كثيرا، إذا حصل ذلك عن النفقات التي ستستحدث لحساب رئيس الاتحاد. أما إعالة القضاة فستكون بطبيعة الحال نفقات إضافية. ذاك واضح، لكن الحد الذي سوف يبلغه ذلك إنما يعتمد على الخطة الفعلية التي يتم تبنيها بخصوص هذه المسألة. غير أن الكلفة وعلى أساس أي خطة معقولة – لن ترتفع إلى مبلغ يكون ذا أهمية حقيقية في المستقبل.
دعنا الآن ننظر ما هناك في الميزان قبالة أي نفقات إضافية قد ترافق إنشاء الحكومة المقترحة. إن أول شيء يعرض نفسه هو أن قدراً كبيراً من الأعمال التي تبقي الكونغرس في حالة انعقاد على مدار السنة سيقوم بتصريفها الرئيس. بل إن إدارة شئون المفاوضات مع الدول الخارجية سوف تقع على عاتقه بطبيعة الحال تطبيقاً لقواعد عامة يتم تنسيقها مع مجلس الشيوخ، وتكون خاضعة لموافقتهم النهائية عليها. لذا من الواضح أن جزءاً من السنة سيكون كافياً لانعقاد كل من مجلسي الشيوخ والممثلين؛ ولنفرض أنه حوالي ثلاثة شهور لمجلس الممثلين وأربعة شهور أو ستة لمجلس الشيوخ. أما الواجبات الإضافية المتعلقة بالمعاهدات والتعيينات فقد تُعهد، بصفتها مهمة إضافية، إلى مجلسي الشيوخ. ومن هذا الواقع لنا أن نستنتج أنه سيظل هناك وفر كبير في النفقات إلى أن تحصل زيادة كبيرة في عدد الممثلين عن عددهم الحالي. وسيحصل الوفر من الفرق بين الانعقاد المستمر للكونغرس في الوقت الحاضر والانعقاد المؤقت له في المستقبل.
وهناك أيضاً حيثية أخرى ذات أهمية كبيرة من وجهة نظر الاقتصاد. وهي أن تصريف شئون الولايات المتحدة حتى الوقت الحاضر قد شغل المجالس التشريعية في الولايات كما شغل الكونغرس. فقد احتاجت المجالس التشريعية طلبيات كان على الكونغرس أن يوفرها لها. لذا طالت فترات اجتماع مجالس الولايات إلى أكثر مما كان ضرورياً لتنفيذ الأعمال المحلية للولايات. فقد قضت أكثر من نصف وقتها في إنجاز أشغال ذات صلة بالاتحاد. والآن يبلغ عدد الأعضاء الذين يشكلون المجالس التشريعية في عدة ولايات الفين فأكثر، وهو عدد الأفراد الذين أنجزوا حتى الآن ما سوف ينجزه 65 شخصاً في ظل النظام الجديد، بل ربما يتم في وقت ليس ببعيد أن يتم إنجازه من قبل عدد أكثر قليلاً من ربع ذلك العدد أو خمسة لا أكثر. إن الكونغرس في ظل الحكومة المقترحة سيقوم بتصريف أعمال الولايات المتحدة ذاتها، دون أي تدخل من جانب مجالس الولايات التي لن يكون عليها بعد الآن أن تهتم بشئون ولاياتها الخاصة. ولن تكون مضطرة للانعقاد طيلة أي نسبة من العام ظلت مضطرة إليها حتى الآن. إن فارق الوقت في انعقاد مجالس الولايات سيكون ربحاً صافياً، وهو وحده سيشكل بنداً من بنود التوفير يمكن اعتباره معادلاً لأي زيادة إضافية في النفقات التي قد تطرأ جراء تبني النظام الجديد.
وحصيلة هذه الملاحظات، أن المصادر الإضافية للنفقة الناتجة عن إقرار الدستور المقترح هي أقل كثيراً مما تخيّله البعض؛ وأن معادلتها تتم بأصناف التوفير الكبيرة. وإذا ما أثيرت مسألة إلى أين ستميل الكفة، فإن جوابها القول: من المؤكد أن حكومة أقل كلفة من هذه لن تكون كفؤة لتلبية أهداف الاتحاد.

بوبليوس


_______________________
– الأوراق الفيدالية/الكسندر هاملتون، جميس ماديسون، وجون جاي؛ ترجمة عمران أبو حجلة، مراجعة أحمد ظاهر- عمان: دار الفارس للنشر والتوزيع، 1996. ص 606-617.
1- لتبيين أن هناك سلطة في الدستور يمكن أن تتأثر بها حرية التعبير، تم الرجوع إلى سلطة فرض الضرائب، فهناك يرد أنه يجوز فرض ضرائب على المنشورات بنسبة عالية تبلغ حد منع صدورها. وأنا لا أدري بأي منطق يستطاع التفكير في أن التصريحات في دساتير الولايات لصالح حرية التعبير، ستكون عائقاً دستورياً على فرض الرسوم على المنشورات التي تصدرها مجالس تشريع الولايات. لا أظنه يمكن الادعاء أن أي مستوى من الرسوم، مهما كان متدنياً سيكون تضييقاً على حرية التعبير. ونحن نعرف أن الصحف في بريطانيا العظمى تدفع ضرائب، ومع هذا فالمشهور أن الصحافة في أي مكان لا تتمتع بقدر أكبر من الحرية في تلك البلاد. وإذا كان لي رسوم من أي نوع أن تفرض بدون الإخلال بتلك الحرية، فمن الواضح أن مدى تلك الرسوم يجب أن يعتمد على حسن تقدير السلطة التشريعية، التي ينظمها الرأي العام، وهكذا، وفي آخر الأمر، فإن التصريحات العامة عن احترام حرية الصحافة تمنح ضماناً أكبر مما سيكون لها بدونها. إن توجيه الهجوم عليها يمكن القيام به بموجب دساتير الولايات التي تحوي تلك التصريحات، من خلال واسطة فرض الضرائب، كما هي الحال بموجب الدستور المقترح الذي لا يحوي شيئاً من ذلك القبيل، أي لا تصاريح فيه. ويكفي أن نعلن أن الحكومة يجب أن تكون حرة، وأن الضرائب يجب ألا تكون جسيمة كما أن حرية الصحافة لا يجوز أن يتم تقييدها.

 

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: