ورقة رقم: 76 الكسندر هاملتون Alexander Hamilton 1 أبريل، 1788


إلى أهالي ولاية نيويورك:
"بتنسيب وموافقة مجلس الشيوخ يقوم الرئيس بتسمية وتعيين السفراء والنظار العامين الآخرين، والقناصل، وقضاة المحكمة العليا، وجميع موظفي الولايات المتحدة الآخرين الذين لم يتم اشتراط تعيينهم بشكل آخر في الدستور. لكنه يجوز للكونغرس بموجب القانون أن يخول حتى تعيين صغار الموظفين من هذه الفئة للرئيس وحده، كما يرى الأعضاء أو يجعل ذلك للمحاكم أو لرؤساء الدوائر. وللرئيس صلاحية تعبئة جميع الشواغر التي قد تحدث في أثناء عطلة مجلس الشيوخ عن طريق تفويضات ينتهي مفعولها بنهاية الانعقاد التالي للمجلس".
وقد لوحظ في ورقة سابقة أن "المحك الصحيح لحكم جيد هو في استعداده وميله لأن يخلق إدارة جيدة". إذا تم قبول صحة هذه الملاحظة فإن طريق تعيين موظفي الولايات المتحدة التي تتضمنها العبارات السابقة، عند التدقيق فيها، تستحق إطراءً خاصاً. فليس من السهل استيعاب خطة مدروسة جيداً أكثر من هذه لزيادة الحكمة في اختيار أشخاص لتعبئة وظائف الاتحاد؛ ولن يكون هناك حاجة لإثبات إنه على هذه النقطة أساساً يتوجب أن تعتمد طبيعة الإدارة فيه.
وسوف يتفق الجميع على أن سلطة التعيين، في القضايا العامة، يمكن تقييدها بصورة سديدة بإحدى الطرق الثلاث التالية: إما بأن يتم تخويلها لرجل واحد؛ أو إلى هيئة منتقاة عدد أفرادها غير كبير، أو إلى رجل بمفرده شرط موافقة مجلس صغير العدد. إن ممارسة الشعب بكامله لهذه السلطة أمر يقر الجميع أنه غير عملي؛ كما أن طرح كل اعتبار آخر في الحياة لن يترك لهم إلا وقتا ضيقاً لأن يعملوا أي شيء غير ذلك. أذن، كلما مر ذكر مجلس أو هيئة رجال في أية مناقشات لاحقة، وجب أن يفهم أنه متعلق بهيئة أو مجلس منتقى بالصفة المقصودة أعلاه. فالشعب بصورة جماعية، بحكم ضخامة عوده، وانتشار مواطن إقامته يتعذر تنظيم تحركات أفراده وفق تلك الروح النظامية، روح الغش والمكيدة التي ستتم الدعوة إليها بصفتها اعتراضات كبرى على وضع السلطة المطروحة للبحث في يدي مجموعة أفراد.
ولا بد أن يوافق أولئك الذين فكروا جيداً في الموضوع أو استوعبوا الملاحظات التي وردت في مواضع أخرى من هذه الأوراق تتعلق بتعيين الرئيس – يوافقوا، كما أرى، على أنه سوف يظل هناك احتمال كبير لأن يشغل ذلك المنصب رجل يتمتع بقدرات كثيرة، ورجل محترم على أقل تقدير. إذا أخذنا ذلك كفرضية أولى فإنني أنطلق منها لأضع قاعدة أن شخصاً واحداً له قدرة على التمييز لهو أقدر على تحليل وتقييم الصفات الفردية التي تلبي الوظائف المحددة أكثر من هيئة من الأشخاص، ربما كانت قدرتها على التمييز الرفيع مساوية لقدرات ذلك الفرد أو أكبر منها.
إن المسئولية الفردية، الكاملة وغير الموزعة، التي يتحملها رجل واحد سوف تولد، بطبيعة الحال، حثاً أكثر حيوية بالواجب، كما تولد احتراماً أدق لحسن السمعة على هذا الأساس سوف يشعر ذلك الرجل أنه مرتبط بالتزامات أشد، ويغدو أكثر اهتماماً في أن يتحرى بكل عناية عن الصفات التي تتطلبها المراكز المراد تعبئتها وأن يفضل، دون أي تحيز من جانبه، الأشخاص الأكثر قدرة، كما يبدو له على الأقل، لملء تلك الشواغر. سيكون له ارتباطات شخصية يسترضيها عدد أقل مما لدى مجموعة أشخاص من المفروض أن لكل منهم ارتباطات شخصية بنفس العدد، ومن ثم يبقى الشخص الواحد أقل عرضة لأن تنحرف به مشاعر الصداقة والاستلطاف. ليس هنالك ما هو أقدر على تهييج مشاعر الإنسان من اعتباراته الشخصية، سواء كانت هذه الاعتبارات تتعلق بأشخاصنا أو بالآخرين، الذين يغدون هدف اختيارنا أو تفصيلنا، لذلك، فإن علينا، في كل مرة نمارس فيها سلطة تعيين من يشغلون وظيفة من خلال هيئة أو مجلس، أن نتوقع أن نشهد عرضاً لجميع مظاهر التقبل والرفض، التحيز والكراهية، الارتباط المحب والعداوة المبغضة – وكل ذلك يحس بها من يشكلون تلك الهيئة أو المجلس. أما الاختيار الذي يصدف أن يوقع عليه في ظل ظروف مثل هذه فسيكون بطبيعة الحال: إما نتيجة انتصار كسبه طرف على الآخر، أو نتيجة مصالحة توفيقية بين الأطراف. وفي كلا الحالتين تظل الجدارة الذاتية للمرشح مستبعدة لا ينظر إليها أحد. ففي الوضع الأول تكون المؤهلات التي تستلزم توحيد أصوات الفريق قد روعيت أكثر مما روعيت المؤهلات التي تناسب الرجل المطلوب للمنصب. وفي الوضع الثاني يتم التوافق على العموم، على مكافئ يهم الجميع؛ "هات لنا الرجل الذي نرغب فيه لهذا المنصب وسنعطيك الآخر الذي ترغب فيه للمنصب الآخر". هذا شأن المساومة في صورتها العادية. ونادراً ما يحدث أن تكون قضية تحسين الخدمة العامة هي الهدف الأولي عند أي من الفريقين: لا المنتصر ولا الرافض لذلك الانتصار.
إن صحة المبادئ المعروضة أمامنا هي ما شعر به الأفراد الأذكياء الذين وقعوا على الخطأ في الشرط المذكور بخصوص هذه النقطة، فيما اتخذه المؤتمر. وهم يجادلون ويقولون: يجب أن يكون الرئيس مخولاً أن يقوم بالتعيينات في ظل الحكومة الفدرالية. لكنه من السهل أن نبين أن كل حسنة يمكن توقعها من مثل هذا الترتيب سوف تنبع، في حقيقة الأمر، من سلطة "التسمية" التي يقترحون أن تخلع على الرئيس؛ في حين يتم تحاشي المساوئ التي قد ترافق كون السلطة المطلقة في التعيين في يدي ذلك الرئيس. في عملية التسمية وحدها تتم ممارسة قدرة الرئيس على الحكم. ولما كان من واجبه شخصياً أن يشير إلى الرجل الذي سيحتل المنصب، بعد موافقة مجلس الشيوخ، فإن مسئولية الرئيس ستكون مسئولية كاملة لو قام هو بالتعيين النهائي. ومن وجهة النظر هذه لن يكون هناك فرق بين التسمية والتعيين.
فالدوافع التي سوف تؤثر في قيام الرئيس بواجبه في حالة واحدة، ستكون هي نفسها موجودة في الحالة الأخرى. ولما كان من غير المستطاع أن يتم تعيين شخص ما إلا على أساس تسمية الرئيس له من قبل ذلك، فإن كل شخص يتم تعيينه سيكون في الواقع من اختيار الرئيس.
غير أن تسميته (الرئيس) هذه يجوز تخطيها: هذا جائز على التأكيد، لكن عن طريق استبدالها بتسمية أخرى يقوم بها الرئيس نفسه. إن الشخص الذي يتم توظيفه بصورة نهائية لا بد أن يكون ذلك الذي فضله هو (الرئيس)، مع أنه قد لا يكون صاحب التفضيل الأول. وليس من المحتمل الأقوى أيضاً أن يتم تخطي التسمية في كثير من الأحيان. فليس بوسع مجلس الشيوخ أن يشعر بالإغراء في تعيين من يراه الأعضاء أفضل من الشخص المسمى (المقترح) حتى يرفضوه، وذلك لأن الأعضاء الشيوخ لا يستطيعون الاطمئنان إلى أن الرجل الذي يرغبون فيه. سيُعرض عليهم في تسمية ثانية، أو أي تسمية لاحقة. بل ليس بمقدورهم التأكد من أي تسمية في المستقبل ستأتي بمرشح مقبول لديهم بأية درجة من القبول. ولما كان عدم موافقتهم يلحق نوعاً من الوصمة بالفرد المرفوض، كما يتخذ مظهر إعادة النظر والمراجعة على حكم الرئيس، فمن غير المحتمل أن يتم رفض ما يرى أعضاء المجلس إمضاءه ما لم يكن هناك أسباب خاصة وقوية لذلك الرفض.
إذن، ما هو الهدف الذي يطلب من أجله تعاون مجلس الشيوخ؟ أنا أرى أن الحاجة إلى موافقتهم ستكون حاجة قوية، مع أنها على الأغلب، عملية صامتة. إذ أنها ستكون عائقاً جيداً يراقب روح المحسوبية عند الرئيس وتتوجه إلى منع توظيف أشخاص لا يليقون، انطلاقاً من الحقد المتعلق بالولاية التي جاؤوا منها، أو من القرابة العائلية، أو العلاقات الشخصية أو الأمل في الحصول على الشعبية. وبالإضافة إلى ذلك فإن الموافقة ستكون مصدراً له فعاليته للاستقرار في الإدارة.
وسيدرك الجميع على الفور أن الرجل نفسه الذي هو المصدر الوحيد للوظائف سوف تكون ميوله الفردية ومصالحه قيداً عليه أكثر مما تفعل لو كان ملزماً بأن يرفع سداد اختياره إلى سدة البحث واتخاذ القرار من قبل هيئة أخرى مستقلة، تكون هي ذاتها فرعاً كاملاً من فرعي التشريع. إن إمكان الرفض سيظل دافعاً قوياً إلى الحذر في طرح الاقتراح. فالخطر على سمعة الرئيس الشخصية، بل على وجوده السياسي، لأن المنصب يتم بالانتخاب ومن العجز عن قمع روح المحسوبية في نفسه أو السعي غير اللائق إلى كسب الشعبية، إلى هيئة سيكون لرأيها وزن كبير في تشكيل رأي الجمهور – كل هذا لن يعجز عن أن يكون سداً يحول دون هذا أو ذاك. وسيشعر الرئيس بالخجل وبالخوف أيضاً من أن يرشح لتولي المناصب الممتازة أفراداً لا جدارة لديهم سوى أنهم آتون من الولاية التي جاء منها، أو كونهم حلفاء شخصيين له، على نحو أو آخر، أو كونهم يتصفون بالتفاهة الضرورية، والاستخذاء الذي يجعلهم أدوات طيعة ينفذون ما يشتهيه.
في وجه هذا التعليل قام الاعتراض الذي يقول: إن الرئيس، بفعل سلطته في تسمية الموظفين قد يضمن إذعان مجلس الشيوخ وجعله ميالاً إلى وجهات نظره. والواقع أن افتراض شيوع القابلية للرشوة في الطبيعة البشرية لهو خطأ غير قليل الأهمية في الفكر السياسي، بل الأشد خطأً من افتراض الاستقامة العامة فيها. إن مؤسسة تفويض السلطة تتضمن في ذاتها أن هناك قدراً من النزاهة والشرف لدى أفراد البشر، وهو الأساس المعقول الذي تقوم عليه الثقة. وتؤيد الخبرة والتجربة هذه النظرية. فقد وجد أن الثقة تظل موجودة حتى في أشد الفترات فساداً، وفي أشد الحكومات فساداً أيضاً. لقد ظلت قابلية قبض الرشوة في مجلس العموم البريطاني موضوعاً يتهم به ذلك المجلس في البلد الذي يتبعه، كما هي في هذا البلد. وليس في الإمكان الارتياب في أن تلك التهمة لها أساس إلى حد ما. ولكنه لا شك أيضاً في أن نسبة كبيرة من أعضاء المجلس على الدوام، تظل تتألف من أشخاص مستقلين يودون خدمة الجمهور بكل روح طيبة، ولهم وزن مؤثر في مجلسي الأمة. لذا، فإن حس ذلك المجلس (دون استثناء الحكم الحالي) كثيراً ما يكبح ميول ونزعات الملك، سواءً من حيث الأشخاص أو من حيث القوانين. ومع أنه يظل مسموحاً أن نفترض أن الرئيس قد يؤثر بين حين وآخر في بعض أفراد مجلس الشيوخ، فإن افتراضنا أنه يستطيع أن يشتري نزاهة المجلس بكامله – لهو افتراض قسري وغير محتمل. إن من يراعي النظر إلى طبيعة البشر كما هي، دون الانخداع بفضائلها ولا المبالغة في رذائلها سوف يلقى أرضية تطمئنه إلى الوثوق في حكمة مجلس الشيوخ، فيقتنع بأنه من غير الممكن عملياً أن يفسد الرئيس المجلس أو يقوم بإغواء أكثرية أعضائه، إلا أن ضرورة مشاركته في عملية تعيين الموظفين تكون كابحاً له قيمته وتأثيره في سلوك الرئيس وتصرفاته. وليست نزاهة مجلس الشيوخ هي الشيء الوحيد الذي يعتمد عليه. فالدستور نفسه قد وفر بعض الخفراء ذوي الشأن ضد خطر تأثير الرئيس على هيئة التشريع. فهو يعلم أنه "لا يحق لا لعضو في مجلس الشيوخ ولا في مجلس الممثلين، طوال الفترة التي انتخب لها، أن يشغل أية وظيفة مدنية في الولايات المتحدة، قد أنشئت، أو زيدت التعويضات المالية المخصصة لها خلال مثل ذلك الوقت؛ ولا يحق لأي شخص يشغل أي وظيفة في خدمة الولايات المتحدة أن يكون عضواً في أي من المجلسين طيلة بقائه في الخدمة".

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: