الأوراق الفيدرالية ورقة رقم: 70 الكسندر هاملتون Alexander Hamilton 15 مارس، 1788

إلى أهالي ولاية نيويورك:
هناك فكرة، لن تعدم من يحبذونها، تقول: الرئيس القوي لا ينسجم مع عبقرية الحكم الجمهوري، فعلى حسني النية المتنورين تجاه هذا النوع من الحكم، أن يأملوا على الأقل، أن تكون هذه الفرضية عديمة الأساس؛ لأنهم لا يستطيعون القبول بصدقها أبداً ما لم يقبلوا في الوقت نفسه إدانة مبادئهم الخاصة. ذلك أن القدرة والنشاط لدى الرئيس هي ميزة قيادية ورئيسية في تعريف الحكم الجيد. فهي أمر أساسي لوقاية المجتمع من الهجمات الأجنبية، وبدرجة لا أقل من ذلك لثبات تصريف القوانين؛ ولحماية حق الملكية من عدوان التجمعات غير المنتظمة، وطويلة الباع التي أحياناً ما تعترض سير العدالة الطبيعي، ولضمان الحرية ضد المغامرات وهجومات الطموح، والانشقاق، والفوضى. إن كل رجل على أقل قدر من الإطلاع على التاريخ الروماني يعرف كم مرة وجدت تلك الجمهورية نفسها مضطرة إلى الاحتماء بسلطة رجل فرد، يحمل لقب "دكتاتور" المخيف، وأن تلوذ من مكايد أفراد ذوي طموح فيها كانوا يتطلعون إلى ممارسة الطغيان، وتتقي تمردات طبقات بكاملها من المجتمع كان سلوكها يهدد وجود الحكم بكامله، ودفعاً لغزو خارجي يقوم به أعداء هدّدوا بالاستيلاء على روما وتدميرها.
ولا حاجة هناك أبداً لمضاعفة المناقشات أو الأمثلة التي تندرج تحت هذا العنوان. فالرئيس الضعيف ينطوي على تنفيذ رخو في الحكم. والتنفيذ الرخو هذا رديف لتنفيذ سيء. وحكم يسوء التنفيذ فيه، مهما كان ذلك الحكم من وجهة نظرية – لا بد أن يكون حكماً سيئاً في التطبيق.
إذا سلمنا بذلك، بات جميع العقلاء يوافقون على الحاجة إلى رئيس قدير، ومن ثم لا يبقى علينا إلا تقصي المكونات التي تشكل هذه القدرة. إلى أي حد يمكن ضمّها إلى تلك المكونات الأخرى التي تشكل الأمان في المعنى الجمهوري؟ وإلى أي حد يسم ذلك الجمع الخطة التي بلّغها إلينا المؤتمر؟
إن العناصر التي تشكل القدرة لدى الرئيس هي: الوحدة والاستمرار، وتوفير جيد لمساندة تلك القدرة، وسلطات كافية.
والمكونات التي تشكل الأمان والسلامة بالمعنى الجمهوري هي اعتماد مستحق على الشعب، ومسئولية مستحقة تجاهه أيضاً.
لقد بيّن السياسيون ورجال الدولة المشهورون بسلامة مبادئهم وعدالة رأيهم ذلك، وقالوا صراحة أنهم في جانب رئيس واحد، ومجلس تشريعي كبير العدد. وقد اعتبروا من باب السداد في الرأي أن القدرة هي أهم مؤهل ضروري يجب أن يتوفر في الرئيس. كذلك اعتبروا بقدر مساو من السداد أيضاً أنه من الأكثر عملية أن تكون السلطة في يد رجل واحد، كما اعتبروا المجلس التشريعي الكبير العدد أفضل سبيل للتداول والوصول إلى الحكمة، وخير سبيل مدروس يضمن ثقة المواطنين وامتيازاتهم.
أما القول بأن التوحيد هو الطريق المفضي إلى القدرة فهو أمر لا خلاف فيه. إذ أن الحسم، والنشاط، والسرية، والتوصيل هي سمات تميز تصرفات الفرد الواحد بدرجة ظاهرة أكثر كثيراً من تصرفات أي عدد أكبر من الناس؛ وكلما زاد عدد الأشخاص تدنت هذه الصفات أيضاً.
والواقع أن الوحدة المطلوبة قد يتم تدميرها بطريقتين: إما بتخويل السلطة إلى قاضيين أو أكثر يتمتعان بنفس الاحترام والصلاحية، أو تخويل تلك السلطة في الظاهر لرجل واحد لكنه خاضع كلياً أو جزئياً للمراقبة والتعاون من قبل الآخرين، بصفتهم مستشارين له. فعلى الضرب الأول كان القنصلان في روما، ويمكن اتخاذهما مثلاً. وعلى الضرب الثاني علينا أن نعثر على أمثلة في دساتير عدد من الولايات. وولاية نيويورك ومثلها ولاية نيوجرسري، إذا صدقتني الذاكرة، هما الولايتان الوحيدتان اللتان عهدتا بصلاحيات الرئيس فيهما بكاملها إلى رجل واحد.1 وكلا هاتين الطريقتين لتدمير وحدة الرئيس تجدان من يؤيدهما، لكن اقتراع مجلس تنفيذي هي الطريقة الأكثر تكراراً. فالطريقتان معرضتان، إن لم تكونا متساويتين، لتوجيه اعتراضات متشابهة، ويمكن فحصها في أضواء أكثر وبشكل مترابط.
إن تجارب الأمم الأخرى تفيد قليلاً في هذا الموضوع. وإذا كانت تفيد شيئاً، فهي تعلمنا أن لا نقع في غرام تعددية الرئيس. لقد سبق ورأينا أن الآخيين، في تجربة جعلهم قاضيين (البرايتورين) اضطروا لإلغاء واحد منهما. ويسجل التاريخ الروماني أمثلة كثيرة للأضرار التي لحقت بالجمهورية نتيجة للشقاق بين القناصل وبين التربيونات العسكريين الذين كانوا يستعاض بهم عن القناصل أحياناً. ولكنه لا يعطينا عينات عن الحسنات الكثيرة التي استفادت منها الدولة من واقع تعدد هؤلاء القضاة. إن عدم كون المنازعات بينهم متكررة الحدوث أو مميتة فهو أمر يثير العجب والاندهاش، وحتى نشير إلى الوضع الفردي الذي ظلت فيه الجمهورية بصورة موصولة، والسياسة الحكيمة التي أشارت إليها ظروف الدولة، وأتبعها القناصل، وهي توزيع الحكم فيما بينهم. لقد انهمك النبلاء في صراع دائم مع العامة من أجل الإبقاء على سلطاتهم القديمة ومناصبهم، وكان القناصل الذين ظل اختيارهم على العموم يتم من قبل العامة – على الدوام يقفون بحكم مصلحتهم الفردية في الدفاع عن امتيازات طبقتهم. وإضافة إلى هذا الدافع، إلى الاتحاد، بعد أن امتد ذراعا الجمهورية بدرجة معتبرة، ووسعت حدود إمبراطوريتها، بات من العادة المقررة لدى القناصل أن يوزعوا الإدارة فيما بينهم بالقرعة: أحدهم يبقى في روما ليحكم المدينة وجوارها، والآخر يتولى السلطة في الأقاليم النائية. ولا شك أن هذا الأمر الطارئ قد ترك أثراً قوياً في منع حدوث تلك الاصطدامات والمنافسات الذي لولاه لتعكر سلام الجمهورية.
وإذا ما تركنا الضوء الخافت للبحث التاريخي وربطنا أنفسنا بصورة تامة إلى ما يمليه العقل والنية الحسنة، فسوف نكتشف سبباً أكبر كثيراً لأن نرفض فكرة تعدد الرئيس، أكثر من أن نوافق عليها بأية مواصفة تجاه ذلك.
وحين يشترك شخصان أو أكثر في أي مهمة عامة أو عمل، يظل هناك خطر دائم من الاختلاف في الرأي. فإذا كانت تلك المهمة أمانة عامة أو وظيفة ينالان فيها نفس القدر من الاحترام والسلطة، فإن هناك خطر الاستئثار الشخصي من أحدهما، بل حتى الخصومة بينهما. ومن كلا السببين. إن لم يكن من جميع الأسباب الأخرى تنشأ المنازعات وتتولد. وحينما تحدث هذه المنازعات فإنها تقلل الاحترام، وتضعف السيطرة، وتربك خطط وعمليات الأشخاص الذين يتنازعون. وإذا ساء الحظ وهاجم طرف منها رئاسة بلد تتألف من عدة أشخاص، فقد يحبط هؤلاء أعظم القوانين أهمية للحكومة في أحرج الظروف الطارئة في الدولة. وأشد من ذلك سوءاً أنهما ربما شقا المجتمع إلى فرق شديدة العنف لا تقبل المصالحة، كل منها متمسك وملازم للأفراد المختلفين الذين يقيّمون منصبه.
فالناس كثيراً ما يعارضون الشيء لمجرد أنهم لم يشتركوا في وضعه وتخطيطه، أو لأنه وُضع من قبل أشخاص لا يحبونهم، هذا مع أنه لو تمت استشارتهم فيه ولم يوافقوا عليه لباتت معارضتهم عندئذ، أمراً لا مناص منه بفعل حب الذات في نفوسهم. ويبدو أنهم يرون أنفسهم ملزمين من باب الكرامة وبحكم جميع الدوافع وأحاسيس معصوميتهم، أن يقاوموا نجاح ما تم إقراره ضد مشاعرهم. أما الرجال ذوو الاستقامة والأمزجة الطيبة فلديهم فرص كثيرة جداً لأن يلحظوا بفزع الأمداء اليائسة التي يفضي إليها هذا الاتجاه. والمرات الكثيرة التي تمت فيها تضحية مصلحة المجتمع لصالح الغرور، والغش، والعناد، وهي ما يبديه الأفراد، الذين يجعلون عواطفهم وجشعهم أمراً يهم الجنس البشري. والآن، ربما كان السؤال المطروح أمام الجمهور، في نتائجه، يعرض إثباتات مؤسسية ترتبت على ضعفهم الخسيس هذا، أو رذيلتهم المنفرة، في تكوين الطبيعة البشرية.
وبناء على مبادئ الحكومة الحرة، فإن متاعب في المصدر المذكور آنفاً لا بد أن تظهر في تشكيل التشريع، بيد أنه ليس من الضروري – ومن ثم ليس من الحكمة، أن ندخلها في الدستور بصدد الرئيس. وهنا أيضاً يجب أن نشير إلى أن تلك المضايقات قد تكون شديدة الأذى. والسرعة في اتخاذ القرار كثيراً ما تكون في التشريع، شراً ونقمة أكثر منها نعمة وفائدة. إذ أن الاختلافات في الرأي وصخب الأحزاب في تلك الدائرة من الحكومة، وإن أعاقت الخطط الجيدة في بعض الأحيان، فإنها كثيراً ما ترفع مستوى المداولات والإحاطة بالموضوع، وتكون ذات فائدة في كبح المزايدات لدى الأكثرية. أما حين يتم اتخاذ قرار فيجب أن تتوقف المعارضة. إذ أن ذلك القرار يغدو قانوناً، ومقاومته توجب العقوبة. لكنه لا ظروف أبداً تسوّغ أو تكفّر عن مساوئ الانشقاق والتنازع في الدائرة التنفيذية. هنا على جميع الأفراد في الدائرة أن يكونوا صافي النيّة لا التباس عندهم في الأمر. فليس هناك حد عنده تكفّ تلك القوانين عن العمل. ومن شأن المنازعات أن تساعد في إرباك الخطة وإضعاف تنفيذها هي أو القانون الذي لهم علاقة به، من خطوته الأولى، وإلى الخاتمة النهائية له. وهم على الدوام يعاكسون صفات الجانب التنفيذي التي هي أشد مكوناته ضرورة عند تشكيله، وهي القوة والسرعة، وبدون خير مقابل. ففي تصريف أمور الحرب، حيث تكون فعالية وقدرة الرئيس هي جُماع الأمن الوطني، يغدو كل شيء عند ذاك شيئاً يبعث على الخوف من التعدد.
وعلينا الاعتراف بأن هذه الملاحظات تنطبق بأثقل ما يمكن على الحالة الأولى المقترحة – أي حال تعدد الرؤساء ذوي الصلاحية والاعتبار المتساوي، وهي خطة من غير المحتمل أن يكون الداعون إليها طائفة كبيرة العدد، ولكنهم يتفقون وإن لم يكن بوزن مساو، مع فكرة مجلس تكون موافقته ضرورية بموجب الدستور على عمليات الرئيس الظاهرة. إن مكيدة حاذقة في ذلك المجلس سيكون بمقدورها أن تربك نظام الإدارة كله وأن تهيج أعصابه. فإذا لم توجد مثل تلك المكيدة فإن مجرد تباين وجهات النظر والآراء وحده يكفي لصبغ ممارسة سلطة الرئيس بروح من الوهن الاعتيادي والتباطؤ.
لكن أحد أكثر الاعتراضات أهمية على تعددية الرئيس، والذي يقف ضد الخطة الأخيرة كما هو ضد الخطة الأولى – هو أن التعدد يميل إلى إخفاء الأخطاء وتضييع المسئولية. ذلك أن المسئولية من نوعين: إلقاء اللوم، وإنزال العقوبة. والنوع الأول هو الأكثر أهمية منهما، وخاصة في وظيفة تتم بالانتخاب. فالرجال المكلفون بأمانة عامة كثيراً ما يتصرفون بطريقة تجعلهم غير جديرين بالعهدة إليهم بأمانة بعد ذلك، أكثر من تصرفهم بطريقة تجعلهم معرضين للعقوبة القانونية. لكن مضاعفة العدد في حال الرئيس تزيد من صعوبة التحرّي عنه في كلا الحالتين. فكثيراً ما يغدو من المستحيل، وسط الاتهامات المتبادلة، أن يحكم المرء على من تقع الملامة أو العقوبة بالفعل، عن قانون ضار أو مجموعة إجراءات مؤذية. إنها تنتقل من على فرد ما إلى الآخر بمهارة كبيرة وتحت مظاهر صارخة، حتى إن الرأي العام يُترك معلقاً ولا يعرف الفاعل الحقيقي. هذا كما أن الظروف التي ربما سبق أن أدت إلى أي تصرف وطني غير سليم أو إلى نكبة – تكون في بعض الأحيان ظروفاً معقدة جداً يتواجد عدد كبير من المشاركين الذين هم على درجات مختلفة وأنواع مختلفة من التكيف، نعتبرهم كلاً واحداً من حيث سوء الإدارة، لكننا نجد من غير العملي أن نعلن بسبب أي منهم وعلى مسئوليته حصل الأذى في التهمة التي نتحرى عنها.
"لقد غلبني المجلس الذي أنا فيه. كان أعضاء المجلس منقسمين في آرائهم حتى أنه كان يستحيل الوصول إلى أي قرار أفضل بصدد هذه النقطة". إن هذه الذريعة وأمثالها في متناول اليد على الدوام، سواءً تم استخدامها كذباً أو صدقاً. وأين هنالك ذاك الذي: إما أن يتحمل المشقة أو يثير المقت، فيقوم بتفتيش دقيق صارم في داخل النوابض السرية للصفقة! إذا وجد هناك مواطن لديه الغيرة الكافية للقيام بمهمة غير واعدة، كهذه، حين يصدف أن يحصل تواطؤ بين الأحزاب ذات العلاقة، فما أسهل أن تُخلع على الظروف عباءة فيها من الغموض ما يجعل التهمة غير أكيدة، مهما كان السلوك المحدد لأي من تلك الأحزاب.
وفي المثل الوحيد الذي ينضم فيه إلى حاكم هذه الولاية مجلس، أعني مثال مهمة تعيين الموظفين، رأينا أضرار التعدد في الرأي الذي نناقشه الآن. لقد حصلت تعيينات تثير الفضيحة في مناصب مهمة. هذا ما حصل. بل إن بعض الحالات كانت فاحشة بالفعل إلى درجة أن وافقت جميع الأحزاب على أن ما تم أمر لا سداد فيه. وحين جرت مساءلة بخصوص ذلك ألقى الحاكم اللوم فيما حصل على أعضاء المجلس، فوجّه هؤلاء بدورهم الاتهام إلى أن الحاكم هو الذي سمّى الأشخاص، فيما بقى الشعب في حيرة، لا يستطيع أن يحدّد بتأثير من عُهد بمصالحه إلى أيد كان واضحاً أنها غير مؤهلة ولا سديدة!! وبخصوص التلطف مع الأفراد أجدني أضرب صفحاً عن الهبوط إلى الدقائق.
ويتبين من هذه الاعتبارات أن التعدد في حال الرئيس يميل إلى حرمان المواطنين من أعظم ضمانين يستطيعون الحصول عليهما لممارسة أمينة تقوم بها أي سلطة يتم تفويضها: الضمانة الأولى هي قيود الرأي العام التي تفقد فعاليتها، جراء توزع الملامة المترتبة على القوانين السيئة، بين عدد من الأفراد، وجراء عدم اليقين بخصوص من تقع عليه تلك الملامة؛ والضمان الثاني هو فرصة الكشف بسهولة ووضوح عن سوء تصرف الأشخاص الذين أمنوهم، كيما تتم للناس إما إزاحتهم من المنصب أو معاقبتهم على القضايا التي تسمح بذلك.
في إنكلترا، يكون الملك هو القاضي الأعلى الدائم، وهذه فرضية أفادت السلام العام أن الملك غير مسئول عن تصرفاته، وأن شخصه مقدس… ومن ثم فليس هناك في تلك المملكة أحكم من أن يُضم إلى الملك مجلس دستوري يكون مسئولاً أمام الأمة عن النصيحة التي يقدمها أعضاؤه. بدون هذا لا تكون هناك مسئولية على الإطلاق في الدائرة التنفيذية، وهي فكرة غير مسموح بها في حال الحكومة الحرة. غير أنه حتى هناك، فإن الملك غير ملزم بالقرارات التي يتخذها مجلسه، وإن ظل أعضاؤه يتحملون المسئولية عن النصيحة التي يقدمونها. إن الملك هو السيد المطلق بخصوص تصرفاته الخاصة في ممارسة منصبه، وله أن يراعي أو لا يراعي النصيحة التي تعرض عليه، حسب تبصره لوحده.
ذاك في ملكية مطلقة. أما في جمهورية يكون فيها كل قاض مسئولاً شخصياً عن تصرفه في منصبه، فإن السبب الذي يفرض سداد وجود مجلس في حال الدستور البريطاني يكف عن كونه مبدأ سليماً، بل إنه ينقلب ضد المؤسسة ذاتها. ففي حال حكومة ملكية مثل بريطانيا العظمى يقدم ذلك المبدأ بديلاً عن مسئولية القاضي الأعلى (الملك). ومن شأن هذا إلى درجة ما أن يخدم كرهينة لدى العدالة العامة عن سلوكه الجيد. أما في حال الجمهورية الأمريكية فإنه سوف يساعد في تدمير أو انتقاص المسئولية المزمعة والضرورية للرئيس نفسه.
إن فكرة وجود مجلس للرئيس يساعده بصورة عامة في دساتير الولايات إنما نبعت من تلك الفرضية عن الغيرة الجمهورية السمة، والتي تعتبر أن السلطة تغدو في يدي عدد من الأفراد أكثر أماناً منها في يد رجل بمفرده. إذا صح أن تلك الفرضية تصدق على هذه الحالة فأنا أجادل في أن الحسنة في ذلك الجانب لن ترجح المساوئ الكثيرة في الجانب المقابل. لكني لا أظن أن القاعدة قابلة للتطبيق أبداً في حال سلطة الرئيس. إنني بكل وضوح أتفق في الرأي بخصوص هذه المفردة مع الكاتب "جونيوس" الشهير المعروف حين يعلن "أنه عميق وصلب وأصيل" أنه "يمكن تحديد السلطة التنفيذية بسهولة أكبر حين تكون وحيدة"، وأنه أكثر أماناً بكثير أن يكون هناك هدف وحيد تراقبه غيرة الشعب المتيقظة. وبكلمة مختصرة، أن تعدد الرؤساء هو بالأحرى أكثر خطراً على الحرية من كونه صديقاً ودوداً لها.
إن تفكيراً قليلاً يقنعنا بأن أنواع الضمان المنشودة من مضاعفة العدد في حال الرئيس، هي أمر لا يمكن بلوغه. فالأعداد إذ ذاك يجب أن تكون كبيرة حتى إنها تجعل التآلف عسيراً، أو ستغدو بالأحرى مصدراً للخطر أكثر منها مصدراً للأمان. إن الثقة الموحدة ونفوذ عدة أفراد يجب أن يخشى منه على الحرية أكثر من ثقة ونفوذ أي منهم لوحده فحين توضع السلطة في يد عدد قليل من الأشخاص بحيث تسمح لمصالحهم ووجهات نظرهم أن تتوحد بسهولة في رأي مشترك على يد قائد حاذق – تغدو أكثر عرضة لأن تسئ، وأكثر خطورة عند إساءتها من أن توضع في يدي رجل واحد، واقع كونه وحيداً يجعل مراقبته أسهل وأضيق، والشك فيه أكثر جاهزية، وهو عاجز عن ضم قدر كبير من النفوذ كما لو تمت مشاركة غيره له في ذلك. إن مجالس "العشرة" في روما الذين يشير اسمهم إلى عددهم، كانت الخشية منهم أن يقوموا باغتصاب السلطة أكثر من خشية أن يقوم بذلك أحدهم. وليس هنالك شخص يفكر في فرص رئاسة أكثر عدداً من هيئة تضم من 6 – 12 رجلاً، كما اقترح أن يكون عدد أفراد المجلس. والعدد الأعلى هنا ليس كبيراً أكثر مما ينبغي لجعل الاتفاق بين أفراده عسيراً، ومن مجموعة مثل هذه سيكون على أمريكا أن تخشى أكثر مما تخشاه لفرد واحد. إن المجلس بالنسبة إلى الرئيس الذي سيكون هو نفسه مسئولاً عما يفعله، لا يغدو على العموم أفضل من مشجب يعلّق عليه الرئيس نواياه الطيبة، وكثيراً ما يكون الأعضاء أدوات وشركاء، وفي أغلب الأحيان عباةً يستر بها أخطاءه.
وإنني أسمح بالتركيز على موضوع التكلفة، مع أن من الواضح أنه: إذا كان المجلس كبير العدد بحيث يكفي لتلبية الغاية الرئيسية والهدف المنشود من تأسيسه – فإن مرتبات الأعضاء الذين يجب أن يؤخذوا من منازلهم ليقيموا في مقر الحكم، سوف تشكل بنداً في لائحة النفقات العامة أعلى قيمة مما يُتفق عليه لموضوع فائدته مشبوهة.
وسأضيف فقط أنه: قبل ظهور الدستور نادراً ما لقيت رجلاً ذكياً من أي من الولايات لا يقبل، بحكم الممارسة، أن كون الرئيس وحيداً في ولايته كان أحد المعالم المتميزة الجيدة في دستورنا.

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: