سرّ نجاح أفضل مُعلّمة بالعالم

 

بدت متوهجةً رغم أنَّها لم تكن تنام سوى 3 ساعات في الليلة الواحدة طيلة أسابيع. وقالت عن ذلك: “إنَّه الأدرينالين، والإثارة، وكل شيء”. رشَّحَها زملاؤها السابقون والحاليون لجائزة المُعلِّم العالمية السنوية التي تمنحها مؤسَّسة فايركي الخيرية العالمية، وبعدما تقدَّمَت لنيل جائزة نوبل في التدريس، علِمت أندريا زافيراكو، الشهر الماضي (فبراير/شباط 2018)، أنها اختيرت ضمن القائمة المُختَصَرة للمُرشَّحين من ضمن أكثر من 300 ألف اختيار. سافرت إلى دبي الأسبوع الماضي؛ لتنضم إلى المُرشَّحين التسعة الآخرين من كل دول العالم في حفل توزيع الجوائز، الذي يُقدِّمه الممثل الكوميدي تريفور نوح، ثم عادت للوطن يوم الأربعاء 21 مارس/آذار 2018، حاملةً اللقب الفائز بجائزة قيمتها مليون دولار. قُيِّمَ المُرشَّحون على أسسٍ؛ من بينها تقدُّم التلاميذ، والإنجازات خارج الصف الدراسي، ومساعدة الأطفال ليكونوا “مواطنين عالميين”. كان سياسيون وشخصيات مرموقة، بالإضافة لوسائل الإعلام، و100 طفل من مدرستها في انتظارها؛ للترحيب بها، في مطار هيثرو بلندن، حيث اتجهت مباشرةً إلى البرلمان لمقابلة رئيسة الوزراء، تيريزا ماي. لم يكن من الممكن أن يكون احتفاء رئيسة الوزراء ووزير التعليم بمعلّمة الفنون والنسيج أبهى مما كان عليه؛ إذ قال داميان هيندز، وزير التعليم البريطاني، إنَّها “ملهمةٌ حقاً”. لم تكن زافيراكوا قد عادت بعدُ إلى منزلها في برنت، شمالي غرب لندن، كانت السيدة ذات الـ39 عاماً مأخوذةً بالذهول، وبالكاد تتعرَّف على نفسها بينما تُحدِّق لصورتها في الصفحة الرئيسية بجريدة “ستاندرد إيفيننغ” المحلية في لندن. كانت تضحك بأنفاسٍ مُتقطِّعة وتقول: “حياتي كلها تغيَّرَت”.

تجاوزَت القواعد التي وضعتها الحكومة

بين كل العجائب التي امتلأ بها أسبوعها، كانت هناك مفارقةٌ واضحة. فلو كانت أندريا حدَّدت أولوياتها وفق القواعد التي وضعتها الحكومة لوظيفتها، لما وُضِعَت قط في اعتبار الفوز بالجائزة. لكنها بدلاً من ذلك، فازت لكونها ذلك النوع من المُعلِّمين الذي لا يُرحِّب به نظامنا التعليمي. قضت أندريا سنوات عملها الـ12 في مدرسة ألبرتون المجتمعية الثانوية ببرنت، في تعليم أكثر الأطفال حرماناً وتنوُّعاً عِرقياً. وتظن أن معظمنا لا يملك “أدنى فكرة” عن الحرمان الذي تراه في صفها كل يوم.

حكايتها مع التلميذة التي تتغيب

وتقول: “هذا هو الشكل الذي يبدو عليه الحرمان. الحرمان هو أن يكون لديك 6 أو 7 أسر منفصلة تعيش في منزلٍ واحد، وتنام كل أسرة في غرفة، ويتشاركون حماماً واحداً، ويتناوبون في استخدام المطبخ. كانت لديّ فتاةٌ تتغيَّب عن صفي، تقصَّيت واكتشفت أن السبب هو أنها كانت تضطر إلى الذهاب للمنزل في منتصف حصتي وتُعِدُّ الطعام لعائلتها؛ لأن هذا كان دورهم في استخدام المطبخ”. يصل الأطفال عادةً إلى المدرسة جائعين ومتسخين: “أضع ملابس الأطفال في الغسالة، ونُقدِّم وجبة إفطار مجانية لكل طفل”، بينما عنف العصابات ينتظر عند بوابات المدرسة. هذه هي الظروف التي أجبرت الكثير من التلاميذ على الابتعاد عن التعليم، لكن حين سألتها إن كانت تُفضِّل التدريس لتلاميذ مُتحمِّسين ونظيفين، بدت مندهشة، وقالت: “ممل! لا، أحب أن أُجرِّب لأكتشف كيف يمكنني الوصول لهذا الطفل؟ كيف أدفعهم للثقة بي؟ وكيف يمكنني مساعدتهم؟ أحاول الاكتشاف، وحين لا يفلح هذا، أُفكِّر وأقول: ما الذي أحتاج لتجربته الآن؟ أحب هذا!”.

علّمت نفسها عبارات من 35 لغة

وتحقيقاً لهذه الغاية، علَّمَت أندريا نفسها عبارات من اللغات الـ35 التي يتحدَّثها تلاميذها. أسَّسَت نادي كريكيت للفتيات من خلفياتٍ دينية محافظة، ونظَّمَت نوادي بعد المدرسة؛ حتى يستطيع الأطفال المُثقَلون بالواجبات المنزلية حضورها في الإجازات الأسبوعية. استخدمت الفن لإطلاق إبداع التلاميذ وثقتهم، وزارت منازلهم؛ لتفهم حياة عائلاتهم، وتُخرِجهم شخصياً من مبنى المدرسة إلى الحافلات في نهاية اليوم؛ لحمايتهم من العنف. تُعلّم مَدرستها نهج التركيز واليقظة، وتُوفِّر حصص اليوغا، وتدير نادياً للملاكمة، كما تُصنَّف ضمن قائمة من 1 إلى 5% من المدارس التي يتطوَّر فيها تقدُّم الطلاب في بريطانيا. هذا النهج يناقض الحكمة التعليمية السائدة، التي تُروِّج لها مدرسة ماسبورني في هاكني شرق لندن، والتي تقول إن أطفالاً كالذين في صف أندريا لا يحتاجون إلى الأفكار السخيفة عن الحرية والإبداع، لكنهم بحاجة إلى الشكل عتيق الطراز في التعليم، والانضباط، والصرامة الأكاديمية.

المشكلة الرئيسية ليست الفقر بل “فقر التوقُّعات”

وبمجرد أن رأى الوزراء أن نظام ماسبورني الصارم ينقل التلاميذ من المدارس المحلية إلى جامعات أكسفورد وكمبردج، استنتج السياسيون في كل الأحزاب أن المشكلة الرئيسية ليست الفقر؛ بل “فقر التوقُّعات”. وسمح هذا الإجماع لمايكل غوف، عضو البرلمان، أن يعيد كتابة المناهج الدراسية الوطنية في مدرسته الخاصة لأطفال النخبة، مُزيلاً مواضيع مثل الدراما اللاتينية والنحو، باسم المساواة. لكن لو كان نموذج عمل ماسبورني ينجح، فلماذا اتخذت أندريا نهجاً يختلف جذرياً عنه؟ قالت أندريا متحديةً: “كيف سيتعامل هؤلاء الأطفال مع أمراض الصحة النفسية التي ستَحدث لهم بسبب هذا النظام؟ إنه يشبه حزاماً ناقلاً للضغوط”. وتتابع: “كيف سيكون هؤلاء الأطفال قادرين على تغذية ذواتهم، وإيجاد طرق للتنفيس عن قلقهم، أو أن يكونوا سعداء، أو مبدعين؟ بالتنشئة الاجتماعية، وبناء القدرات على المقاومة، أو بالصلابة؟”. وأضافت أن برنت بها مدارس على غرار ماسبورني، “ويُخرج أولياء الأمور أطفالهم منها ويُلحقونهم بمدرستنا”. إن إعطاء الأولوية للنوادي غير الدراسية والرعاية قد يصدم بعض التربويين بأنَّه نية حسنة، لكنه تضليلٌ سيئ للأطفال القادرين على تحقيق النجاح الأكاديمي بمهارة، فقط لو كانوا مدفوعين لذلك ولا يتلقون رعايةً خاصةً بهم. قالت أندريا: “ليست لديّ مشكلة في توقُّع الشيء نفسه من الأطفال، كما نتوقَّعه من الأطفال بمدرسة كلية إيتون الداخلية. لا مشكلة، لكن هل تناوَل هؤلاء الأطفال فطورهم في الصباح؟ هل شاهدوا والدهم ووالدتهم يضرب أحدهما الآخر؟ لذا بالنسبة لي، مفهوم النجاح بالنسبة لبعض أطفالنا هو: (لقد جاء إلى المدرسة، يا إلهي! لقد جاء إلى المدرسة). من الجيد قول إنَّ كل طفل يجب أن يحصل على الإمكانات نفسها، لكن عليك أن تعرف الخلفية الشخصية، وحياة طفلك، وكيف هم مختلفون ومعقَّدون”. غيَّرت أندريا الكثير من وجهة النظر الشهيرة، القائلة بأنَّ التعددية الثقافية في أفضل الأحوال، تُعد مشكلةً كبيرة، وفي أسوأها تجربةً فاشلةً على نحوٍ خطير، وأنَّ الأطفال المُهاجرين لن يندمجوا أبداً إذا جعلتهم المدرسة يُكيِّفون هوياتهم الثقافية المختلفة. وعلَّقت أندريا على هذا، قائلةً: “عندما يأتي الأطفال إلى هذا المبنى الضخم والمهيب، إذا قُلت لهم مثلاً (Namaste) أو (vanakkam) -تحية احترامٍ ضمن الثقافة الهندية- فسترى وجوههم تتهلل فرحاً. فهذا يعني أنَّك تُلاحظهم، وانَّك مهتمٌ بهم، وأنَّك تُرحب بهم، وأنَّك تُقدِّر هويتهم وخلفيتهم؛ ومن ثمَّ يشعرون بالحماسة. وبعدها تكون قد حصلت على ارتباطٍ كاملٍ ومتكامل مع الآباء؛ فسيأتون إليك متى شئت. وتصل نسبة حضور أمسيات الآباء إلى 95% تقريباً كحدٍّ أدنى”. وتُطبِّق أندريا المبدأ نفسه على دروسها؛ إذ تُوجِّه التلاميذ المهاجرين إلى نوع الفن الخاص ببلدهم الأم، بدلاً من الفنون الكلاسيكية الأوروبية التي أراد غوف تدريسها لكل الأطفال. وتقول ببساطة: “لا يتفاعل الأطفال مع هذا النوع من الفن. لذا، أولاً، اربطهم بهويتهم، وتاريخهم، وثقافتهم الخاصة، وأطلِعهم عليها وعلى كيفية الاحتفاء بها. بعدها يُصبح لديك شعورٌ بالفخر، وبمجرد أن يتكون هذا الشعور، يمكنك أن تُلقي على مسامعهم عباراتٍ مثل: (هذا ما حدث في عصر النهضة)، و(تلك هي الانطباعية)”. ولأنَّ الحكومة ترغب في أن تُقدم المدارس أفضل أداءٍ في المواد الأساسية (العلوم، والتكنولوجيا، والهندسة، والرياضيات)، واستثنت بعض المواد الفنية من جداول ترتيب المدارس، تخلَّت بعض المدارس عن تدريس الفنون تماماً. وحين يبدأ خفض الميزانيات، يمكن اعتبار إنفاق المال على تدريس مادة الدراما لشهادة الثانوية البريطانية مثلاً إسرافاً غير ضروري. وتُشير ابتسامة أندريا المنزعجة إلى أنَّها ليست المرة الأولى التي يحدث فيها هذا الأمر. وتقول أندريا: “أليس من المُضحك أنَّه إذا ذهبت إلى مدرسةٍ خاصة فلن يحتمل الآباء كون أولادهم لا يتعلمون فناً، ولا يعزفون على آلة موسيقية؛ لأنَّهم يفهمون مدى أهمية أن يحصل الطفل على العديد من المهارات، وهذه الأمور تُطور وتبني مهارات الطفل؟ تُساعد هذه المهارات الأطفال على التواصل، وعلى بناء شخصيتهم المُستقلة، فضلاً عن تحدي أنفسهم والخروج من منطقة الراحة (Comfort zone)؛ لأنَّ عليهم حل مشاكلهم الخاصة باستخدام تلك المهارات. لذا، فإنَّ المهارات الاجتماعية التي تُرسخها فيهم -مثل القدرة على التحدث عن أعمالهم بثقة، والقدرة على تقييم قطعةٍ فنية، والقدرة على التحدُّث عن لعب الأدوار والقدرة على الكف عن التظاهر بكونهم أشخاصاً آخرين بصورة كاملة- هي مهاراتٌ حياتية. إنَّها مهاراتٌ حياتية قطعاً يحتاجها كل طفل”.  

المكان الذي أستريح فيه هو حين أكون في سريري

لطالما عرفت أندريا أنَّها ستصبح معلمة فنية؛ إذ تقول: “لم يكن الأمر خياراً حتى. فمنذ كنتُ في المدرسة الابتدائية، كان والداي يستقبلان شكاوى معلميّ، التي تدور حول أنَّني (مُتسلطة للغاية، وتخبرنا بما يجب أن نفعله). كانت موهبةً فطرية، عرفتُ هذا للتو”. وُلدت أندريا في شمال غربي لندن لوالدين قبرصيَّين يونانيَّين، وتلقَّت تعليماً عاماً في برينت وكامدن بلندن، ورُقِّيت إلى منصب نائبة رئيس قسم الفنون في غضون عام بمنطقة ألبيرتون، وهي الآن نائبة مدير مدرسة مُساعِدة. تزوجت أندريا مدرب لياقة بدنية، ولها ابنتان تبلغان من العمر 7 و9 سنوات. تذهب للعمل كل يوم عند الساعة 7:30 صباحاً وتغادره في الساعة 5:30 مساءً إذا حالفها الحظ، فغالباً ما تُغادر في أوقات متأخرة، وتبدأ العمل مرةً أخرى في منزلها حين يخلد أطفالها إلى النوم. وتقول أندريا: “لا أشاهد التلفاز، ولا أذهب حتى إلى غرفة المعيشة. وأستمر في العمل حتى بوقت الغداء. الوقت الوحيد الذي أستريح فيه هو حين أكون في سريري”. أخبرتُها بأنَّه نُشر تقريرٌ عن أجور المعلمين في أثناء وجودها بدبي؛ إذ يجني المعلم في المتوسط 17.70 جنيه إسترليني (25 دولاراً تقريباً) في الساعة. وتردُّ باستياءٍ: “انظر، هذا مثيرٌ للاشمئزاز!”. وحين أوجه لها سؤالاً عن التغييرات التي ستُجريها في حال تقلَّدت منصب وزيرة التعليم مدة يومٍ واحد، لا تذكر شيئاً عن المال، لكنَّها تقترح إدخال نظام المكافأة لتقدير جهود المعلمين والثناء عليهم والإقرار بما يقدمونه من عملٍ رائع. تشترط جائزة المعلم العالمية، والمُقدرة بمبلغ مليون دولار أميركي، أن يستمرالمُعلم الفائز في التدريس 5 سنوات، لكنَّه شرطٌ يبدو لي مُضحكاً ولا ضرورة له. وتُخطط أندريا لإنفاق الأموال التي حصلت عليها على مشاريع تهدف إلى الترويج للفنون، سواء في نطاق المدرسة، أو بمجتمع برنت الأوسع، لكنَّني لستُ متأكدةً من أنَّ الأموال هي كل ما يشغل تفكير أندريا. على ما يبدو، فإنَّها لا تزال تحاول استيعاب وضعها الجديد كأفضل معلمة في العالم، لكن فور الخروج من حالة الذهول هذه ستفكر بالفعل في كيفية استخدام نهجها الجديد لتطوير التعليم. إذا كان بإمكان أندريا العودة بالزمن إلى يوم عملها الأول كمعلمة وإخبار نفسها بشيءٍ واحد تعلمته عن وظيفتها منذ ذلك الحين، فماذا سيكون؟ تُفكر أندريا بتأنٍّ، وتقول: “يتعلَّق الأمر كله ببناء العلاقات. فبدلاً من القلق حول تدريس المناهج أو التأكُّد من الصرامة في الفصول الدراسية، ابنِ علاقاتك أولاً، شارِك أطفالك العمل، وتواصَل معهم، وتعرَّف على ما يُثير اهتمامهم؛ فبهذا يمكنك بناء علاقة جيدة معهم، وبناء ثقة متبادلة؛ ومن ثمَّ تتمكن من فعل أي شيء آخر”. يبدو لي أنَّ هذا بالضبط هو ما يقوله رجال الأعمال على الدوام عن وظائفهم، وكذا المصرفيون، ووكلاء العقارات، ومديرو التسويق، ومديرو صناديق التحوط. لذا، فارتكاز نظامنا التعليمي على افتراض أنَّ الشيء نفسه لا ينطبق على التعليم يبدو أمراً محيراً، لكنَّ أندريا تعتقد أنَّ بإمكانها تفسير ذلك. فتقول: “نحن متخوفون للغاية؛ إذ يشعر بعض المعلمين بضرورة الإلمام بشتَّى الأمور، وأن يكونوا الشخص الذي يملك المعرفة على الدوام. لكنَّني أعتقد أن الشيء الأجمل أحياناً بشأن كونك مُعلماً، هو حين تطلب من الطفل أن يُعلِّمك”.

 

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: