إعـــادة النـظــــر فــي تصــديـــر الأســـلـحـــة

كيف نتعامل مع الخصوم؟ اذا كانوا انظمة ديمقراطية راسخة ندخل معهم في حوار بناء واذا كانوا انظمة ديمقراطية ضعيفة نطرحهم جانبا ونتغلب عليهم بالقوة. اذا كانوا غير ديمقراطيين ربما نشرع في قتلهم. اذن لماذا اصبحت اميركا، راعية الديمقراطية في العالم، اكبر مصدر للسلاح على وجه البسيطة؟
في عام 2016، بلغ اجمالي صادرات الحكومة الاميركية من الاسلحة 38 مليار دولار، اي اكثر من ثلث المائة مليار دولار التي تشكل قيمة تجارة الاسلحة في العالم. وهذا يتضمن الصفقات التي تبرم ما بين الحكومات او الجيوش الاجنبية التي تقرها وزارة الدفاع فقط. بينما لا يشمل مليارات الدولارات التي تاتي من مبيعات تجارية مباشرة تتلقى شركات بيع السلاح، مثل لوكهيد مارتن وبوينغ وجنرال دايناميكس وغيرها، تراخيص من وزارة الخارجية كي تجريها مع الحكومات الاجنبية.
لكن تفاصيل تجارة الاسلحة تضيع في غياهب محاولات اسكات الخصوم. قد يعترض البعض قائلا: الاسلحة الاميركية تحمي الابرياء من وحشية المعتدين. حقا؟ اين هي استطلاعات الراي التي شارك فيها اطراف الصراع كي تقيم هذا الزعم الوهمي؟ اين هي التصريحات بشأن الاثار الاجتماعية لصادرات الاسلحة؟ كم من القتلى برصاص البنادق الاميركية استحق الموت؟ ما جدوى كل تلك العلوم التي تدخل في عملية تطوير الاسلحة اذا غاب تقييم اثر السلاح على مشكلات العالم الحقيقية؟
اذا سلمنا جدلا بان السلاح يسهم في ايجاد مجتمعات مثلى، اذا لم نتلمس ردود فعل المجتمعات المتاثرة باستعمال السلاح، اذا لم نقارن بين جدوى دفع مليار دولار في التسليح وبين دفعه لحل النزاعات سلميا، اذن فان دفع الضرائب لتمويل تصنيع السلاح يتساوى مع دفع الضرائب لدعم ديانة من الديانات.
مع ذلك فان معظم رؤساء اميركا منذ مبدأ نيكسون في عام 1969 لم يكونوا اكثر من مندوبي مبيعات لتجارة السلاح، يزيلون القيود عنه ويزيدون الدعم المالي الحكومي له ويتلقون التبرعات الدعائية من تجاره ويغرقون ما لا يقل عن 100 بلد بمنتجاته الفتاكة.
وان تكون بائع السلاح رقم واحد لا يكفي في هذه الحالة. فالرئيس دونالد ترامب يزعم ان وزارتي الخارجية والدفاع لا تؤديان الدور المطلوب منهما في تنمية صادرات السلاح. اذ بعد تلقيه 30 مليون دولار من الجمعية الاميركية للبنادق، ينوي ترامب ان ينقل مسؤولية صادرات بنادق الهجوم من وزارة الخارجية، التي تنظر في اثار صادرات السلاح المحتملة على توليد العنف، الى وزارة التجارة، التي لا تدخل هذه المسألة في صميم اختصاصها اساسا.
كان اوباما، الذي استفاد كثيرا من قطاع السلاح، قد بدأ بالفعل تخفيف حدة الرقابة، ولكن التمادي في ذلك اصطدم بحالات اطلاق النار الجماعية في اميركا، ما جعل رفع القيود عن المبيعات الخارجية لبندقية ام 16 يبدو غبيا جدا. بغض النظر عن الشخص الذي ننتخبه، فان صادرات الاسلحة والسياسة الخارجية تخضعان في جميع الاحوال لسيطرة الثالوث الحديدي- تواطؤ الحكومة مع الجيش مع قطاع التسليح المولعين جميعا بتوسيع اسواق السلاح وصنع سلام يقوم على بث التهديدات.
ان قطاع التسليح يتلقى دعما مجانيا دون ان تكون له اسهامات تصب في مصلحة الديمقراطية، وبلا خضوع لتقييم او تحمل لمسؤولية التبعات وبلا انتظار لأن تساعد الاسلحة في حل اسباب الصراع. فيما يتعلق ببلوغ اهداف التقدم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والبيئي، لا نجاح يحسب اطلاقا لقطاع التسلح. مثل اي عضو من اعضاء الجسم البشري، يعتبر هذا القطاع الحيوي هاما، ولكن حين يطغى اظهار القوة والعظمة الذاتية على وظيفته الرئيسة في حماية الجسم، ويحرم الاعضاء الاخرى من الغذاء ويسممها، يكون الوقت قد حان لاجراء جراحة عاجلة.

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: