وهذا مؤتمر قمة آخر

(ياسين بني ياسين)

إن مؤتمر القمة الاستثنائية لمنظمة التعاون الإسلامي الذي عقد في اسطنبول أمس (الجمعة ٢ رمضان ١٤٣٩ هجرية، الموافق ١٨ أيار ٢٠١٨ ميلادية) كان كغيره من المؤتمرات العربية والإسلامية التي سبقته: ظاهرة صوتية فقط!

لقد ألقيت خطابات خالية من المعنى، خالية من المضمون، خالية حتى من لغة الضاد(اللغة التي تجمعهم كعرب كمسلمين)، وإن كنت سمعت عبارة جزلة هنا أو جملة صحيحة النطق والتركيب هناك! (الاستثناء ليس هو القياس!)

لقد كان هذا المؤتمر مضيعة للوقت والجهد والمال كما كانت كل اللقاءات التي سبقته على هذا المستوى منذ منتصف ستينيات القرن الماضي! فلقد اعتادت الشعوب (أو الرعايا) على سماع “قعقعة”، لكنهم محرومون حرمانا مطلقا من رؤية أي طحن (بكسر الطاء) أو أي طحين!

ولو سأل أي منا نفسه عن القرارات التي اتخذها المؤتمرون، وتعاهدوا على تنفيذها، لما وجد إجابة لهذا التساؤل! إنما كلام في كلام في كلام: شجب، وتعبير عن الغضب، ووصف للوضع، واستنكار، ورفض، وما إلى ذلك من كلام تذروه الرياح، ولا يعود على الفلسطينيين، ولا على فلسطين، ولا على القدس، ولا على المسجد الأقصى المستهدف بأي نفع! كما لا يعود – طبعا – على أي من المؤتمرين بنفع!

وأستطيع القول، وبكل ثقة وجدية وغضب، إن المؤتمر لم يرض صديقا (صادقا) واحدا، ولم يغضب عدوا (صادقا) واحدا كذلك! وما هذا إلا لأن السادة المؤتمرين أشبعوا إسرائيل وأمريكا سبا وشتما وقدحا وشجبا ونقدا، وهما ذهبتا بالقدس ومعها كل فلسطين! ومع القدس وفلسطين يسيل الدم الفلسطيني في كل مكان دفاعا عن شرف الأمة – بشقيها العربي والإسلامي – ومع الأمة المؤتمرون أنفسهم!

لقد سئمت الشعوب من هذه اللقاءات العقيمة، وأتخمت من الخطابات الفارغة من أي محتوى، وفقدت الأمل في كل هؤلاء المتحدثين، الذين لو “نظرنا إلى فعل أيديهم لوجدناه لا يتوافق مع دموع أعينهم”! والشواهد أكثر من أن تحصى، وأكبر من أن تطاق، وأخطر من أن يسكت الناس عنها!

عندما تنادى المؤتمرون لعقد هذا المؤتمر توقعنا منهم، أو تمنينا عليهم، أن يكونوا جميعا على مستوى الحدث: أعني “مصير قدس الأقداس”! لكن “وا أسفاه”! ((إن كان هناك أمل فلن يتحقق إلا على أيديكم يا فخر الأمة: يا أبناء فلسطين. وليتكم تسلمون من كيد المؤتمرين وكيد كل من يلف لفهم!!))

كنا نأمل من المؤتمرين أن يشفوا جزءا من غليلنا (لا كل غليلنا مرة واحدة، فهذا فوق طاقتهم، وفوق قدرتهم، بل وفوق رغبتهم). كنا نتمنى على المؤتمرين أن يتذكروا أن وراءهم شعوبا مضطهدة، مقهورة، تغلي كالبركان، تنتظر منهم شيئا يخفف عنهم مما هم فيه!

هل كان كثيرا على هؤلاء المؤتمرين أن يخرجوا من جلدهم الحقيقي مرة واحدة في حياتهم، فيتفقوا على ما يمكن أن يحفظ كرامتهم هم أنفسهم، ويصون ماء وجوههم، ويحافظ على البقية الباقية (إن كانت هناك بقية باقية) من احترام شعوبهم لهم؟

توقعنا – وليتنا لم نتوقع – أن يخرجوا بقرار واحد موحد حول ما تقاسي منه شعوبهم من قهر وإحباط ويأس واضطهاد! تأملنا – وليتنا لم نتأمل – أن ينتج عن هذا اللقاء شيء ما يمكن أن يطمئن هذه الشعوب اليائسة البائسة ويريحها من بعض ما هي فيه من خوف وقلق واضطراب!

أكان كثيرا على المؤتمرين أن يقولوا إن كلمتهم هذه المرة (فقط) واحدة، موحدة، ملزمة للجميع؟

أكان كثيرا عليهم أن يتفقوا على قلب رجل واحد لمحاولة وضع حد لمهزلة الصراعات الداخلية والاحترابات الطائفية والقبلية التي مزقت شمل الأمة وأطمعت فيها كل الحثالات وكل بقايا الشعوب؟

أكان كثيرا عليهم أن يتفقوا على تجميد اتفاقيات السلام (الزائف) التي كبلت الشعوب العربية تكبيلا لا مفك منه ولا مفر إلا بصدق النية وجرأة القرار؟

أكان كثيرا عليهم أن يتخذوا قرارا بوقف كل العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل (ومن وراء إسرائيل) حتى يتعلموا درسا لا ينسونه؟

أكان كثيرا عليهم أن يتقفوا على وقف جميع أشكال التطبيع مع هذا الكيان المسخ الذي لا يعترف بصداقة ولا يعرف صديقا إلا بمقدار ما يقدمه هذا الصديق من انبطاح وذل وانكسار وانهزام؟

أكان كثيرا عليهم أن يقولوا إن فلسطين عربية إسلامية، ولا شيء غير هذا، ولا أحد يستطيع أن يكرم بها لأي جهة كانت، لأنها ليست ملك أحد بعينه ؟ ألم يقل ذلك السلطان عبدالحميد الثاني العثماني الذي تآمروا على طرده بكل وسيلة ليخلو الجو لبني صهيون؟

أكان كثيرا عليهم أن يقولوا إنهم عيل صبرهم، ونفذت قدرتهم على تحمل المزيد، ولم يبق بمقدورهم أن ينتظروا أكثر، أو أن يتوقعوا الأفضل، لانهم لدغوا من الجحر ذاته ألف مرة ومرة؟

كان المؤتمرون (ولا أقول المتآمرون) في اجتماع (قمة!!!؟؟؟) أمس يمثلون الجزءالمتجانس الأكبر من العالم! ولديهم القوة البشرية، والقوة الاقتصادية، والقوة السياسية (لو أحبوا)، والقوة الاسترتيجية ( لو أرادوا)!

فما الذي وقف عائقا في طريقهم، ومنعهم من اتخاذ واحد أو أكثر من هذه القرارات التي فيها حفظ لبعض ماء وجوهنا ووجوههم؟

 

وصدق الله العظيم إذ يقول في محكم كتابه العزيز:

“إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”

 

 

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: