من أولى بالمحاسة: المتكففون أم الوالغون في أموال الناس؟

المجهر نيوز

الإنسان مجبول على حب المال

 

 

لقد وصف الله الإنسان بأنه محب للخير، فقال فيه – في سورة العاديات: “وإنه لحب الخير لشديد”! ولم تبين الآية الكريمة لمن يحب هذا المخلوق العجيب الخير: أيحبه لنفسه أم يحبه لغيره!!

دعونا نفترض، ولو جدلا، أن الإنسان في هذا النص القرآني الجليل يحب الخير للناس كما يحبه لنفسه سواء بسواء، علما بأنني لا أبرئه من التحيز وحب الذات! والشواهد الملموسة في حياتنا – على هذا التحيز – كثيرة وكبيرة!

وإذا تذكرنا أن الله، سبحانه وتعالى، خاطبنا جميعا، في الآيتين الأولى والثانية من سورة التكاثر بقوله: “الهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر *” اتضحت لنا الصورة في ما ذهبت إليه، وأدركنا أن الإنسان يحب المال حبا لا حدود له، سواء أمن حيث المقدار الذي يستطيع حيازته أم من حيث الوقت المستغرق في جمع هذا المال!

وليس هناك وصف لنا كأناس في هذا المجال أوضح وأدق من قوله، عز من قائل، في سورة الفجر، مخاطبا كل إنسان دون استثناء: “وتحبون المال حبا جما”! ويؤيد ما أذهب إليه قوله تعالى في الآية (١٤) من سورة آل عمران: “زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب”

والذي يثير الانتباه أننا كثيرا ما نلوم بعض الناس لأنهم يمدون أيديهم للآخرين يتكففونهم، ويكون ذلك دون حاجة منهم في كثير من الأحيان! وينمو اللوم لدينا ويزداد غضبنا إذا كان هؤلاء المتكففون شبابا أو شابات أو أشخاصا لا يعانون من علة أو من مرض أو من هرم! أما الأطفال، فكثيرا ما يثيرون فينا مشاعر الشفقة والعطف والحزن والألم، ممزوجة كلها بالرثاء، لما وصلوا إليه. فأي مستقبل ينتظرهم؟ وأي نفع لمجتمعهم، أو فائدة شريفة لأنفسهم، سيقدمون؟

كذلك فإننا كثيرا ما نقرر، بيننا وبين أنفسنا، أن هؤلاء لا يستحقون منا أي مساعدة، لاعتبارات كثيرة ليس أقلها أن الدولة تقدم لهم الرعاية، إذا أرادوا هم، وبأساليب مختلفة، من خلال صندوق المعونة الوطنية، ودور الرعاية، وما أشبه هاتين من مؤسسات!

ولا ننس الأحاديث التي يتناقلها الناس في ما بينهم عن المنتمين إلى هذه الفئة من الناس، من أنهم اتخذوا هذا الأسلوب في جمع المال مهنة لهم لا يبدلونها، ونمط حياة لا يغيرونه، مهما حاول معهم الآخرون! كيف لا، وهم – كما نتداول في أحاديثنا – يمتلكون، من خلال “مهنتهم” هذه، الدور والسيارات والأرصدة البنكية، التي ليست للكثير غيرهم!

وفي كل هذا ننسى عن غير قصد، أو نتناسى مختارين طائعين، أن الإنسان شغوف بجمع المال، فلو كان له واد من ذهب لتمنى الآخر، ولو كان له واديان من ياقوت أو عسجد أو ألماس لتمنى واديا ثالثا يضمه لهذين الواديين !

وبعض الناس هذه الأيام يمتلك ثروات لا تعد، ولا تكال، ولا تحصى، ولا تتسع لها الاودية، ومع هذا فهم منهمكون في البحث عن المزيد. ولم أسمع في حياتي عن أحد توقف عن جمع المال – كل بأسلوبه الذي اعتادت نفسه عليه – مهما بلغت ثروته!

ووسائل جمع المال، كما هو معروف، كغيرها من مقومات الحياة ومكوناتها، منها الحلال، ومنها المباح، ومنها المكروه، ومنها الحرام! ولست هنا بصدد إصدار الفتوى الشرعية بحق أحد من هؤلاء الناس، أو بخصوص النهج الذي ينتهجه من أجل الحصول على ما هو ساع للحصول عليه: المال وتوابعه! فالفتوى لها متخصصوها!

لكنني – وما دام الحديث عن تكثير الأموال أو تكاثرها – أود أن أسأل أيهما أولى بالتوقف عن جمع المال، طوعا أو كرها، المتكففون الذين هم موضوع هذا الحديث، أم أولئك الذين يجمعونه (ويكنزونه كذلك) بكل أسلوب، حراما كان أم حلالا، وقليلا ما يكون حلالا؟ هؤلاء كثيرا ما يجمعون الثروات الطائلة بطرق يندى لها الجبين!

نعم! اللصوص، والمحتالون، والغشاشون، والمرابون، والمقامرون، والمستغلون لمناصبهم، والحكام، والدجالون، وذوو الأيدي الطائلة (أو الطويلة) على المال العام الذين لا يفرقون بين حلال سائغ وحرام كريه عندما يكون جمع المال هو الهدف!

إن هؤلاء أولى بالملاحقة، والمنع، والمحاسبة، والمعاقبة من أولئك المتكففين الذين يجمعون ما يجمعون! فالمتكففون، في غالب الأحيان، يحصلون على بغيتهم عن طيب خاطر ممن تتحرك لديهم نوازع الخير أو من الذين يبحثون عن الأجر! وفي هذا المقام أود أن أشير إلى أنه لا أحد منا يسأل من تمتد أيديهم بالتكفف عن مقدار ما يملكون، ولا يفكر فيه، مهما بلغت أموال المتكففين وأملاكهم من مبلغ!

المشكلة الكبرى ليست ممن يمدون أيديهم! إن المشكلة الكبرى تكمن في مكان آخر، أشد فتكا بالمجتمع وأكثر إيلاما للناس. إنها تنحصر في الذين يسطون على أموال الناس بالباطل أكثر من الحق، ويلغون في دمائهم بالنهار أكثر من الليل، ويرتكبون فيهم الموبقات جهارا نهارا، دون وازع من ضمير أو خوف من حساب!

بالله عليكم:

– من الأولى باللوم؟
– من الأولى بالكره؟
– من الأولى بالرفض؟
– من الأولى بالاحتجاج؟
– من الأولى بالاحتقار؟
– من الأولى بالملاحقة؟
– من الأولى بالإيقاف عند الحد؟
– من الأولى بالمحاسبة؟
– من الأولى بالضرب على رأسه بيد من حديد؟

الذي يجمع ما يجمع من مال بالقرش والقرشين ، وبطيب خاطر من الناس، أم الذي يجمعها أكواما أكواما، وبالحرام أكثر من الحلال، وبالباطل أكثر بكثير من الحق؟

(ياسين بني ياسين)

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: