صورة «حالة سورية».. دهشة اللحظة وعفوية الوجع

الجائزة الأولى لـ»حالة إنسانية»
كانت الجائزة الأولى للموضوع الرئيس»اللحظة» للدورة السابعة من جائزة حمدان للتصوير الفوتوغرافي قد حصل عليها المصور السوري الشاب محمد الراغب، عن صورته «حالة سورية» وهي الصورة التي حملت في معطياتها البصرية تلك اللحظة التي تم تثبيتها في الإطار الزمني للحدث، حيث كانت الصورة الملتقطة من قبل الراغب صورة أقل ما يمكن وصفها بدهشة اللحظة وعفوية الوجع، حيث يظهر في الصورة مصور آخر، وهو المصور السوري عبدالقادر حبق، وقد توقف عن التقاط الصور لانفجار في حلب وحمل طفلة مصابة وراح يركض بها نحو طواقم الإسعاف. ثمة مقولات عديدة لرواد التصوير الفوتوغرافي في العالم لوصف «اللحظة» في التصوير الفوتوغرافي، إذ يقول الفوتوغرافي الفرنسي جاك لارتيغ «الفوتوغراف بالنسبة لي هو التقاط اللحظة العابرة، التي تمثل الحقيقة». ويقول الفوتوغرافي السويسري ريني بوري « صوري الفوتوغرافية هي نتيجة تواجدي هناك في اللحظة المناسبة». كما يقول الفوتوغرافي الأمريكي «ثمة شيء واحد على الصورة الفوتوغرافية أن تحتويها، إنسانية اللحظة».
في المقولات الثلاث هذه ما يمكن العثور عليه في صورة «حالة سورية» للمصور الشاب محمد الراغب، فصورته تحتوي على حقيقة اللحظة، وكذلك تحتوي على نتيجة تواجده كمصور في اللحظة المناسبة، وإن كانت لحظة موجعة، وحتما تحتوي على إنسانية اللحظة متمثلة بترك المصور الصحافي حبق عمله ليسعف طفلة جريحة.
نجد في الصورة الفائزة «حالة سورية» ديمومة بصرية، وثمة التقاطة عفية لمشهد مكتمل العناصر، من حيث «الثيمة» ومن حيث الحدث، وكذلك من حيث الخلفية الدرامية. إذ أن المفردات الفوتوغرافية الصحافية التي شكلت رافعة بصرية للموضوع في الصورة؛ كانت متواجدة وبقوة، بدءا من الطفلة الجريحة، مرورا بالمصور الشاب الذي يحمل الطفلة ويركض بها، في حين تظهر على كتفه كاميرا فوتوغرافية، وهو ما يعتبر تفصيلا استثنائيا يدل على أن الشاب ما هو إلا مصور صحافي توقف عن عمله وقام بإسعاف الطفلة الجريحة، وهو ما يثير كذلك أسئلة إنسانية ومهنية كثيرة.

أسئلة مهنية وأخلاقية وأخرى إنسانية
أثيرت في الماضي أسئلة كثيرة من هذا النوع على أثر الصورة الشهيرة للمصور الجنوب إفريقي الأبيض كيفين كارتر، الذي التقط صورة الطفل السوداني العاري الذي يحتضر من الجوع والجفاف في مجاعة السودان في عام 1993. في الصورة يتواجد خلف الطفل عقاب لا يأكل إلا الجيف؛ وينتظر موت الطفل ليأكله، وهو ما جعل كارتر يعيش صراعا إنسانيا ومهنيا وأخلاقيا بعد حصوله على جائزة «البوليتزر» عن صورته هذه؛ وقد قاده هذا الصراع الذاتي للانتحار بعد 4 أشهر من حصوله على الجائزة كونه، وحسب مقربين منه ونسبة لتقارير إعلامية، قد قرر التقاط صورة الطفل يحتضر وخلفه العقاب يرتقب موته؛ بدون أن يعمل شيئا لإنقاذ الطفل. كان التبرير لذلك من قبل كارتر بإنه تم تحذيره من لمس الأطفال في السودان بسبب تفشي الأمراض المعدية، وكذلك لأن توقفهم في هذا المكان من خلال هبوط طائرة (الهليكوبتر) التي كانت تقله، كانت وقفة غير مجدولة، فما أن التقط الصورة حتى طلب منه العودة للهليكوبتر ليغادروا.
من غير المعروف يقينا ما إذا كان كارتر قد أراد أو حاول مساعدة الطفل بعد التقاط الصورة أم لا؟ ولكن انتحاره ورواية المقربين لكارتر ترجح فرضية انخراطه في التركيز على تصوير الطفل وعدم مساعدته أو المحاولة لفعل ذلك، وعلى أثر هذه الصورة وحيثياتها أثير العديد من الأسئلة الإنسانية والأخلاقية والمهنية حول العالم قبل أن ينتحر كارتر، وقد سمع بنفسه العديد من الانتقادات له والهجوم عليه لتركه الطفل يحتضر وبأنه كان من السهل أن يقله معه في الهليكوبتر.
قد يكون المصور كارتر حمّل نفسه أكثر مما يجب، وقد يكون أدان نفسه بشكل غير منطقي، ولكن حتما كان للموضوع أثره عليه مهنيا وأخلاقيا وإنسانيا، ما جعله يصل لقرار إنهاء حياته بهذه الطريقة. مما لا شك فيه كذلك في أن أولئك الذين هاجموه قد اقترفوا خطأ أخلاقيا كذلك، حين حكموا عليه بعدم الإنسانية والأنانية، دون أن يدركوا حجم الضغط الذي يتعرض له المصور أو المصورة الصحافية أثناء عملهما في أماكن كهذه، فهنالك ضغوطا مهنية وإنسانية وأخلاقية وجسدية، لكي ينقلوا للعالم ما لا يمكنهم رؤيته إلا من خلال عدسة الكاميرا، ومن خلال الصورة الفوتوغرافية.
لربما لو أن المصور عبدالقادر حبق الذي كان يحمل الطفلة، في صورة «حالة سورية» قد اختار أن يستمر بالتصوير لكان التقط صورا خبرية مدهشة للحدث ولربما فاز بجائزة ما. وفي الوقت نفسه لربما ماتت الطفلة من جراحها وعدم إسعافها في الوقت المناسب. ثمة أسئلة أخلاقية ومهنية في هذا السياق: هل هذا يجعل المصور حبق الذي حمل الطفلة مصورا غير مهني ولكنه إنساني؟ وبأن استمرار المصور الراغب بالتقاط الصور وعدم الانخراط في إسعاف الجرحى يجعل منه مصورا غير إنساني ولكنه مهني؟ قد تتعدد الآراء والأجوبة على هذه الأسئلة وغيرها في جدل كهذا، ولا يمكن حتما الوصول لجواب شاف أو مُرضٍ لجميع الآراء، أو الوصول لجواب واحد يمكن البناء عليه منهجية عمل ومنظومة أخلاقية ومهنية للمصورين والمصورات في ظروف كهذه! ومن المنصف القول بأن المصور الراغب بتأدية عمله وإيصال هذه اللحظة للعالم بكل ما فيها من وجع، فهو يقوم كذلك بفعل إنساني من خلال توثيق هذا الحدث.

الصورة المأساوية والجماليات البصرية فيها
هل يمكن لصورة كهذه، بكل ما فيها من مأساوية، أن تحمل قيما وأسئلة وعناصر جمالية ومعرفية، على الرغم من قساوة المشهد فيها؟ وهل يمكن للعين أن ترى الجماليات والعناصر الفوتوغرافية الجمالية في ثنايا صورة تمتلئ بالموت؟ وهل البناء البصري الجمالي في صورة كهذه أمر مشروط لنجاح الصورة؟ للإجابة على الأسئلة الثلاثة هذه لا بد من استخدام منهجية تفكيكية افتراضية يتم من خلالها الافتراض بغياب بعض عناصر ومقومات نجاح الصورة التي يتم تناولها. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، لو أن المصور حبق لم يكن يحمل كاميرته في ما هو يحمل الطفلة؛ هل سيكون للصورة الوقع ذاته على المتلقي، بعيدا عن شرح الصورة من قبل ملتقطها وتوضيحه سبب حمل هذا الشخص كاميرا في الصورة، أو الإعلان عن هوية الشاب في الصورة؟ لا أظن ذلك! فالصورة قد تكون ناجحة إنسانيا وصحافيا لو أن الشاب الذي يحمل الطفلة، مجرد مواطن وليس مصورا، ولكن حقيقة بأنه مصور توقف عن التقاط الصور لينقذ الطفلة قد أضاف للصورة قيمة بصرية ومفهوما آخر. فوجود الكاميرا في المشهد هي مفردة بصرية تحول المشهد لنص بصري يجعل المتلقي يرى حقيقة التفصيل هذا بعين متفحصة ومتسائلة، وعليها يبدأ ببناء سيناريوهات محتملة لمعنى أو سبب وجود كاميرا على كتف الشاب. وعلى الأغلب سيصل المتلقي لخلاصة أن الشاب الذي في الصورة هو مصور صحافي كذلك، وقد توقف عن ممارســـة عمله لينقذ هذه الطفلة. وجود الكاميرا على كتف الشاب في الصــــورة شكلت نقطة جذب مركزية «بونكتوم» حسب تعريف رولان بارت، وأضيف على ذلك، نقطة جذب معرفية، أي أن وجود الكاميرا، أضافت للصورة قيمة جمالية معرفية واستدلالية تأويلية.
فوتوغرافي فلسطيني – أردني/ بودابست

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: