المعلوف : مؤيدو اسـرائيل في امـريكا يجيدون استعمال وسائل الإعلام للتأثير على الرأي العام

** القى السفير مسعود المعلوف – سفير لبنان السابق في كندا محاضرة في ندوة “مركز الحوار العربي” ، تحدث فيها عن الإنجيليين في أميركا.. قوّتهم السياسية ودعمُهم لإسرائيل .. وعن اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة. .
وقال ان حديثي عن الإنجيليين ليس حديثا دينيا على الإطلاق، بل إنني أتناول الموضوع من جهة مواقفهم السياسية عامة دون الإعراب، لا من قريب ولا من بعيد، عن رأيي في النواحي الدينية والإيمانية لأبناء هذه الطائفة.
وإذا كان لوبي صناعة الأسلحة هو أقوى لوبي في مجال المصالح الإنتاجية الداخلية، فإنّ اللوبي الإسرائيلي يُشكّل أقوى وأفعل لوبي على الإطلاق بين مجموعات الضغط الإثنية.
وعندما يُقال اللوبي الإسرائيلي، فإنّ أوّل ما يتبادر الى الذهن هو منظمة أيباك ، المعروفة بما لها من تأثير على أعضاء الكونغرس، بينما في الواقع هناك عدد كبير من المنظَّمات والمؤسَّسات ومجموعات الضغط اليهودية- الأميركية المختلفة، التي تمارس نشاطات متنوّعة، وعلى مستويات متعددة، تصبّ كلّها في خانة الضغط على السياسة الأميركية الخارجية بغية دعم إسرائيل باستمرار، وتأمين أقصى قدر ممكن من المساعدة المالية والعسكرية والسياسية لها.

فيما يلي شرح مختصر جداً لأهمّ هذه المؤسّسات وطريقة عملها:

1 – أيباك التي تعمل على مستوى الكونغرس.
كلمة أيباك هي مختصر للأحرف الأولى من اسم هذه المجموعة باللغة الإنكليزية: اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة Israeli American Public Affairs Committee.
وكثيرون يصفون أيباك باللوبي الصّهيونيّ، وليس في ذلك خطأ، إذ إنّه في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، تمّ تأسيس منظمة باسم اللجنة الأميركية- الصهيونية للشؤون العامة، ولكن بعد سنوات من تأسيسها وتجنّباً لبعض الصعوبات، قرّرت هذه المنظمة تغيير اسمها فأصبحت تُعرف بالتسمية الحالية.
أيباك، التي تضمّ نحو 100,000 عضو، تركّز نشاطها بصورة خاصة على الكونغرس، الذي يُصدر القوانين، ويراقب عمل الحكومة، وذلك في سبيل تأمين أكبر قدر ممكن من الدعم والمساعدات لإسرائيل.
تضمّ أيباك آلاف المُمَوّلين الأغنياء وكبار الشخصيات من اليهود الأميركيّين، ونشاطُها منظَّم بشكل دقيق للغاية ويتمّ عبر التحرّكات التالية:
* اتّصالات مستمرّة بأعضاء الكونغرس، في مجلس الشيوخ ومجلس النواب، ومساعديهم الذين لهم أهمية كبرى في صياغة مشاريع القوانين، لنقل وجهة النظر الإسرائيلية من مختلف التّطوّرات في الشرق الأوسط، والسعي الى إقناعهم بتطابق المصالح الأميركية والإسرائيلية.

* تنظيم حملات عبر رسائل خطية وإلكترونية واتّصالات هاتفية من قبل آلاف المواطنين، لحضّ أعضاء الكونغرس على اتّخاذ القرار المناسب لإسرائيل في كل مرة تكون هنالك حاجة لذلك.

* الاجتماع مع كل مرشح على حدة لأيّ منصب، ليس فقط في الكونغرس، بل أيضاً على صعيد الإدارات المحلية، لشرح قضية الشرق الأوسط من وجهة النظر الإسرائيلية، وصولاً الى الطلب من كلّ مرشّح تقديم تصوّر خطّيّ لكيفية دعمه لإسرائيل في حال فوزه، ويتمّ اتّخاذ القرار بدعم هذا المرشح أو ذاك، أو محاربته، في ضوء موقفه المعلن من إسرائيل.
* بما أنّ المال يلعب دوراً كبيراً في كلّ الحملات الانتخابية، وإنْ كان ذلك ضمن قوانين وأنظمة واضحة، وبما أنّ منظمة أيباك لا يحقّ لها قانوناً تمويل حملاتٍ انتخابية، فهي توعز لأعضائها بتقديم الدّعم المالي للمرشّحين الأكثر تأييداً لإسرائيل، ولمحاربة خصومهم، ولذلك نرى المرشّحين يتنافسون في إعلان مدى تأييدهم لإسرائيل بُغية الحصول على الدعم المالي لحملاتهم. وهذا الوضع يظهر بشكل واضح وفاضح في الانتخابات الرئاسية.
* وبما أنّ اليهود الأميركيّين هم أكثر مجموعة إثنية اهتماماً بالأمور السياسية وبالانتخابات على الساحة الأميركية، فإنّه من السهل على أيباك تجنيدهم في هذا الاتجاه أو ذاك، بحيث يستطيعون أحياناً كثيرة قلب الموازين الانتخابية في اتّجاه أو في آخر.
ومن أشهر ما حصل في هذا المجال المحاربة الشّرسة لعضو مجلس النواب بول فيندلي عام 1982 وإسقاطه بسبب مواقفه المناهضة لإسرائيل، ولعضو مجلس الشيوخ شارلز بيرسي الذي صوّت إلى جانب إعطاء المملكة العربية السعودية طائرات أواكس فحاربه اللوبي وأسقطه عام 1985 رغم إشعاعه السياسي، وحظوظه آنذاك في الترشّح للرئاسة.
* دعوة العشرات مِن أعضاء الكونغرس دوريّاً الى إسرائيل، مع تحمّل أيباك كلّ نفقاتهم، في زيارات تُسمّى دراسية، بغية تثقيفهم وتلقينهم المواقف عَبْر جعلهم يشاهدون، حسب أيباك طبعاً، التحدّيات التي تواجهها إسرائيل والمخاطر التي تتعرّض لها، وضرورة مدِّها بالأسلحة والمال لمواجهة تلك التحدّيات والمخاطر، كما يهتمون بنقلهم الى البرلمان لمشاهدة ما تمارسه إسرائيل من ديموقراطية في مقابل ما هو قائم في الدول العربية.

* تنظيم مؤتمر سنويّ ضخم يحضره أحياناً الرئيس الأميركي أو نائب الرئيس والمسؤولون الكبار من وزراء وأعضاء في الكونغرس ومرشّحون، عندما يتزامن المؤتمر مع الانتخابات، كما يأتي أحياناً رئيس وزراء إسرائيل، فيتبارى المشاركون في إظهار تأييدهم ودعمهم لهذه الدولة.
عام 2016 حضر المؤتمر ما لا يقلّ عن 20,000 شخص.
وإذا كانت أيباك تستطيع تحقيق مثل هذا النجاح في تأثيرها على الكونغرس الأميركي، فإنّ ذلك يعود لحُسن ودقّة تنطيم عملها، ولاهتمام أعضائها ومعظم اليهود الأميركيين بالعمل السياسي، واستعدادهم للتبرّع بسخاء للذين يدعمون القضية التي تهمّهم، بينما لا نرى ذلك على صعيد الجالية العربية، رغم وفرة عددها ومكانتها المالية.
تشير إحصاءات مركز التجاوب السياسي أنّ أيباك أنفقت على الانتخابات الأميركية بين عامَي 1990 و2006 مبلغ 56,8 مليون دولار، بينما المنظمات العربية مجتمعة لم يتجاوز إنفاقها في الفترة نفسها 800,000 دولار.
في كتاب اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية للمؤلِّفَيْن جون مورشايمر وستيفن والت، يَرِدُ كيف أنّ أحد المسؤولين السابقين في أيباك، ستيفن روزن، أمسك مرّةً منديلاً بيده وقال متباهياً بالقوة التي تتمتع بها أيباك: في مهلة 24 ساعة، أستطيع أن أحصل على توقيع 70 عضواً من مجلس الشيوخ على هذا المنديل . (علماً أنّ مجلس الشيوخ يضمّ 100 عضو).

2 – العمل على مستوى السلطة التنفيذية.

هنالك أيضاً مؤسّسات يهودية أميركية عدة تتولّى التّعاطي مع الإدارة بصورة خاصة، وأهم هذه المؤسسات مؤتمر رؤساء كبار المؤسّسات اليهودية الأميركية .
لقد تأسّست هذه المنظمة عام 1956 بمسعى من الرئيس أيزنهاور، إذ كانت يوجد على الساحة الأميركية عشرات المنظمات اليهودية التي تمثّل تيارات مختلفة، وكان أيزنهاور يفضل التّعاطي مع مؤسسة واحدة تستطيع التحدث باسم الجميع، للتشاور معها في القضايا الهامة للبلاد.
يضمّ المؤتمر 51 منظمة وطنية يهودية، وأهدافه هي أهداف أيباك نفسها مع اهتمام أكبر بشؤون الجالية اليهوديّة، وهو يعمل بالتنسيق التّامّ مع أيباك عبر توزيع النشاطات، فالمؤتمر يتعاطى مع المسؤولين في السلطة التنفيذية، بينما أيباك تركّز جهودها على الكونغرس.

3 – مراكز الأبحاث والدراسات.

لمراكز الأبحاث أهمية خاصة على الساحة الأميركية، إذ غالباً ما يستعين بدراساتها الرؤساء ووزراء الخارجية والمسؤولون الكبار، ومعروف أنّ كلاً من هذه المؤسسات تمثِّل تياراً سياسياً معيناً، فمؤسّسة التراث الأميركي مثلاً قريبة من الحزب الجمهوري في توجُّهاته المحافظة، كما أنّها مؤيدة لإسرائيل.
أمّا معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، فهي مؤسسة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمصالح الإسرائيلية، بينما معهد الشرق الأوسط ليس منحازا كليا لإسرائيل، كما أنّ هنالك مئات المؤسسات والمراكز الأخرى.
فاللوبي الإسرائيلي، الذي تُشَكِّل أيباك ضلعاً قوياً من ضلوعه، لا يعمل فقط على مستوى السلطتين التشريعية والتنفيذية، بل له أيضاً وجود فاعل في مراكز الدراسات الكبرى .
تأسس معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى عام 1985 على يد مسؤول أيباك السابق ستيفن روزن الذي يتباهى بالحصول على تواقيع أعضاء مجلس الشيوخ على منديله، وقد عاونه في ذلك مسؤول آخر من أيباك هو مارتن إيندك الذي أصبح عام 1993 مستشار الرئيس بيل كلينتون لشؤون الشرق الأوسط، وفيما بعد سفيراً للولايات المتحدة في إسرائيل.
هنالك أيضاً مراكز أبحاث عديدة أخرى تدين بالولاء لإسرائيل، من بينها مثلاً مركز صابان لسياسة الشرق الأوسط التابع لمؤسسة بروكنغز الشهيرة، الذي أُنشئ عام 2002 مِن خلال منحة بقيمة 13 مليون دولار أميركي قدّمها حاييم صابان، واصفاً نفسه بـقوله: أنا رجل عندي قضية واحدة هي إسرائيل .
وكذلك المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي المعروف بارتباطه بحزب الليكود اليميني المتطرّف، وهو الذي يضمّ في مجلس إدارته بعضاً من غلاة المحافظين الأميركيين المؤيّدين لإسرائيل، أمثال ريتشارد تشيني (نائب الرئيس بوش)، وجون بولتون، ودوغلاس فايث، وبول ولفوويتز، وإيليوت أبرامز، وسواهم.

4 – على مستوى الإعلام .

يجيد المؤيّدون لإسرائيل في الولايات المتحدة استعمال وسائل الإعلام للتأثير على الرأي العام عبر نشر مواقفهم، ونقض أيِّ مواقف مناهضة لإسرائيل، وقد جمعوا مبالغ ضخمة من الجاليات اليهودية لشراء وإنشاء مؤسسات إعلامية خاضعة لهم، لدرجة أنّ هيمنتهم على قطاع الإعلام في الولايات المتحدة أصبحت معروفة عالمياً، وقد بات بعض وسائل الإعلام التقليدية تمارس رقابة ذاتية على ما تنشره كي لا تبدو وكأنها معادية لإسرائيل.
في هذا الإطار، صرّح ناطق سابق بلسان القنصلية الإسرائيلية في نيويورك بأنّ الصحافيين والمحرّرين والسياسيين سيفكّرون ملياً قبل توجيه النقد لإسرائيل، إذ يعلمون أنهم سيتلقون آلاف الاتصالات الغاضبة في ظرف ساعات قليلة… واللوبي الإسرائيلي يعرف جيّداً كيف ينظم ضغطه (الصفحة 172 من كتاب مورشايمر وولت المذكور أعلاه).
ومع تطوّر الاتصالات عبر شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، زاد طبعاً النشاط الإعلامي الذي يمارسه اللوبي الإسرائيلي بجميع فروعه.

5 – الجامعات.

تنشط أيضاً بعض المنظمات اليهودية الأميركية في الجامعات حيث تسعى الى ترويج مواقف مؤيّدة لإسرائيل، وممارسة ضغوط بوسائل شتى على الطلاب الذين لديهم ميول غير داعمة لإسرائيل، كما يتمّ أحياناً تنظيم رحلات دراسية و تثقيفية الى إسرائيل لعدد من الطلاب، في سبيل كسب تأييدهم لوجهة النظر الإسرائيلية.
وإذا كان اللوبي الإسرائيلي يُحقّق نجاحات بارزة على صعيد إيصال مؤيّدين لإسرائيل الى الكونغرس، وحمل الإدارة على تقوية وتعزيز علاقاتها مع الدولة العبرية، والتمكّن من إصدار قانون يجعل مقاطعة إسرائيل عملاً جرمياً وغير ذلك من الأمور، فهذا لا يعني أنّ اللوبي قد نجح في كلّ مساعيه.
ففي أيام الرئيس باراك أوباما، حارب اللوبي تعيين شارلز هيغل وزيراً للدفاع بسبب قربه من العرب لاكنّه فشل، وحاول عرقلة المساعي الأميركية في عقد الاتّفاق النووي مع إيران عبر دعوة نتنياهو لإلقاء كلمة في الكونغرس بدون التنسيق مع البيت الأبيض وفشل هنا أيضاً رغم الاستقبال الحارّ الذي لقيه نتنياهو من أعضاء الكونغرس.
من جهة ثانية، تم تأسيس منظمة يهودية – أميركية غير مؤيدة لحزب الليكود الإسرائيلي وتدعم حلّ الدولتين، وهي منظمة “جي ستريت” التي تحتفل اليوم بالذكرى العاشرة لتأسيسها، وقد أصبح لها بعض الشأن على الساحة السياسية الأميركية وهي تسعى، ولو بصعوبة، الى منافسة أيباك.
لكنّ ذلك لا يُقلّل إطلاقاً من أهمية وفاعلية اللوبي الإسرائيلي على الساحة الأميركية لدرجة أنّ بعض قوى الضغط الإثنية الأخرى تحاول تقليد أيباك، وتسعى إلى التعاون معها في سبيل تحقيق بعض النجاح في عملها، من بينها الجالية الهندية والجالية اليونانية على سبيل المثال.

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: