موائد رمضانية تتشارك بها عائلات مسيحية وكنائس

المجهر نيوز

منى أبوحمور

عمان– وسط أجواء من المحبة، التآخي والتعايش الديني الذي عرفته الأردن منذ عقود؛ تلتقي عائلة الستيني جريس حنا برفقة جاره أحمد فريج في مدينة السلط على مائدة طعام الإفطار في رمضان مثل كل عام؛ إذ يجتمع الأفراد على وجبات طعام تشاركت بإعدادها العائلتان.
يروي حنا تفاصيل “عشرة العمر” امتدت لعقدين، جمعته بجاره فريج، فلم يكن يمر رمضان إلا ويتشاركان الطعام، ولا يأتي العيد على العائلتين إلا والفرحة تعم.
“طول عمرنا نتعلل بالصيف ونفطر سوا عيدنا واحد وهمنا واحد”.. يقول حنا، متابعا أنه ومنذ أن كان صغيرا اعتاد على صيام رمضان مع الجيران أسوة بأجداده.
شارع الخضر في مدينة السلط يروي بحجارته الصفراء وأحيائه القديمة أعظم قصص المحبة والتعايش، عاشتها عائلات المدينة مسلمين ومسيحيين تنطق أزقتها القديمة تفاصيل حياة سادها الحب والمودة والرحمة.
“يحل شهر رمضان على شارع الخضر ضيفا خفيف الظل أيامه مباركة وطعامه مبروك، ورزقه موجود”، يقول خالد العواملة أحد سكان الحي، لافتا إلى أنه ومنذ أن كان صغيرا اعتاد على رؤية جيرانه من العائلات المسيحية التي تسكن المكان تشاركهم صيام رمضان، والاحتفال بالعيد وكذلك هم المسلمون معهم.
وكانت عائلة مسيحية في السلط أقامت مأدبة إفطار رمضانية في حفل زفاف ابنها؛ حيث تم توزيع التمور والمياه عقب أذان المغرب وإقامة مأدبة إفطار للحضور.
وفي منطقة صويلح، يبارك عيد حداد لجيرانه بحلول شهر رمضان المبارك على طريقته الخاصة؛ حيث عمد حداد على تزيين شرفات المنزل بهلال رمضان وتعليق مجسم “رمضان كريم” المضيء كنوع من مشاركة للشعور الديني مع أصدقائه وجيرانه.
يقول “تربينا في هذا البلد على المحبة والأخوة والسلام ولم نكن يوما نفرق بين مسلم ومسيحي ربنا واحد وحبنا للبلد دائما يجمعنا”، منوها إلى أنه لم يرَ من جيرانه إلا كل محبة واحترام حتى أنهم يحرصون على تزيين الشجرة وإضاءتها كل سنة في عيد السيد المسيح.
في حين شاركت ليندا القسوس أصدقاءها وجيرانها فرحتهم بحلول شهر رمضان المبارك من خلال إرسال هدايا رمزية تعبر عن قدوم هذا الشهر، فقامت بعمل مجموعة من الهدايا التي وزعتها على أماكن عملهم وسكنهم.
تقول “فكرت في طريقة مختلفة للاحتفال مع أصدقائي المسلمين وكانت الهدايا التذكارية أفضل خيار”؛ حيث قامت القسوس بعمل مجموعة تحتوي على الهلال والنجمة ومسبحة وكمية من التمر مع تهنئة منها بحلول الشهر الفضيل.
إلى ذلك، تحرص إحدى العائلات المسيحية ميسورة الحال والتي “رفضت ذكر اسمها” على إقامة موائد رحمن في كل سنة من رمضان يقدمون من خلالها وجبات إفطار للفقراء والمحتاجين كما يساعدونهم في الحصول على لبسة العيد التي ترسم فرحة مميزة على وجوه الأطفال.
وعلى منصة “تويتر”، تداول المغردون صورا للتعايش الديني والألفة والمحبة الحقيقية التي تجمع الأردنيين على مائدة إفطار واحدة مسلمين ومسيحيين؛ حيث نشر ناشطون صورة لشاب مسيحي من إربد يجهز وجبات إفطار يومية يوزعها على الصائمين وقت أذان المغرب، ضمن مبادرته السنوية؛ حيث يفطر 300 صائم. كما نشر مغردون صورة لرفع أذان المغرب وإقامة الصلاة من كنيسة السيدة العذراء في قلب العاصمة عمان خلال شهر رمضان عند إقامتها إفطارا رمضانيا.
لم تقتصر صور الألفة والمحبة بين المجتمع الأردني الواحد على المبادرات الفردية فحسب؛ حيث قامت العديد من الكنائس والجمعيات والمدارس المسيحية في الأردن بتقديم وجبات إفطار للصائمين، كما تقوم جمعية الكاريكاتس بتقديم وجبات إفطار يومية للطلاب السوريين في المدارس في مناطق مختلفة من الفحيص، السلط، الزرقاء وإربد وغيرها من المناطق.
إلى ذلك، يقوم مركز دار السلام، ومنذ بداية شهر رمضان المبارك، بإقامة إفطار رمضاني لذوي الاحتياجات الخاصة وعائلاتهم، فضلا عن مجموعة من الأنشطة والاحتفاليات التي تقوم بها خلال أيام شهر رمضان المبارك.
ومن جهته، بين مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، الأب رفعت، أنه ليس جديدا على المجتمع الأردني أن يقوم بمثل هذه المبادرات التي أصبحت جزءا من الإيقاع السنوي، ففي النهار هناك خصوصية لحرمة رمضان التي لا تنتهك وفي المساء مشاركة المسيحيين إخوانهم المسلمين في الإفطارات.
ويؤكد بدر أن هذه السلوكيات ليست بالغريبة، مشيرا إلى أن مطعم الرحمة نموذج حي، ويقدم وجبات إفطار يومية. وينوه بدر إلى أن احترام الشعائر الدينية أمر في غاية الأهمية والمشاركة في أفراح هذا الشهر تعزز اللحمة والوحدة الوطنية.
ويقول “إن هذا الشهر لا يخلو من مبادرات عشائرية، فردية أو من تنظيم الكنائس والجمعيات والمدارس؛ حيث تقوم المدارس بتخصيص أماكن للطعام حتى لا يؤذي الطلبة مشاعر إخوانهم المسلمين”.
وبدوره، يشير أخصائي علم الاجتماع، الدكتور حسين الخزاعي، إلى التعايش الديني في المجتمع الأردني وصورته النموذجية؛ حيث يشكل الدين الحجر الأساس في عملية تعميق أواصر المحبة والتعاون والتلاقي بين الناس في المجتمع.
ويؤكد الخزاعي أن احترام أفراد المجتمع لبعضهم بعضا مفروض بالعادات والتقاليد، فضلا عن الدور الكبير الذي بذله الآباء والأجداد في هذا الجانب، لافتا إلى أن هذه التصرفات تزيد من مكانة الناس عند بعضهم بعضا ومحبتهم كذلك.
ويشاركهم في ذلك عيسى هلسة من الكرك الذي لا يمكن أن يبدأ شهر رمضان من دون أن يتصل بأصدقائه المسلمين ويهنئهم بحلول شهر رمضان المبارك، فضلا عن حرصه الدائم على معايدتهم على وسائل التواصل الاجتماعي. ويصف أحمد تهافت جيرانه عليه وتهنئتهم له بشهر رمضان المبارك، فضلا عن دعوته على ولائم أعدت له بمناسبة شهر رمضان.
ولا تقتصر أجواء المحبة على محافظة دون غيرها أو مدينة دون أخرى، فلطالما كانت مآذن المساجد تعانق أجراس كنائس الأردن التي يرتادها الأردنيون بأطيافهم كافة، ويجمعهم الخير والمحبة، السلام وحب الوطن.

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: