فرح مرقه: الأردنيون يتظاهرون بـ “ضمم ميرمية” للفت انتباه تلفزيونهم الرسمي ومايكروفون “يذوب” امام فهلوة الملقي.. هند الفايز “لا تقعد” على روسيا اليوم والشارع يفرض اجندة جديدة على الجميع.. وهل احتفى الحريري بـ “بق ماكرون للبحصة” حول احتجازه في الرياض؟

فرح مرقة

لا يبالغ المتظاهرون وهم يدعون لحمل “ضمم ميرمية” في الاعتصامات المنتشرة من شمال المملكة لجنوبها في الاردن، علّى التلفزيون الاردني يظهر وتطلّ كاميرته على المشهد الحيّ في الشارع والمتواصل لايام، فالقناة الرسمية يبدو انها كانت بحاجة ما يحفّزها، والتلفزيون الرسمي معروف بحبّه لفوائد “الميرمية”.

ليست اول مرة ولن تكون الاخيرة التي تجتهد فيها شاشة التلفزيون الاردني بـ “الجُبن”، وصولاً لتظهر بـ “سواد الوجه” بعدما نزل ولي العهد الامير الحسين الى الشارع، في حين لا يزال التلفزيون يكرر برامجه القديمة ويعيد ويزيد في فوائد الميرمية.

التلفزيون لم يغب فقط عن الحراك، فحتى  في المؤتمر الصحفي “الفهلوي” الذي عقده رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس النقباء السبت، كان فيه مايكروفون التلفزيون الاردني اسفل كل المايكروفونات الاخرى (التي تصدّرها مايكروفون قناة فرانس 24) وكأنه “عامل عملة” ولا يريد ان يظهر في المشهد، او يذوب خجلا مما يسمعه!.

ليست المؤسسات الاقتصادية الرسمية فقط ما تحتاج “نفضة” كبيرة، فإعلام الاردن “أدهى وأمرّ”!.

**

يختصر الناشط الحقوقي الشاب حسين الصرايرة المسافة بين ما تظنّه الحكومة وما يعانيه الشعب في الأردن وهو يقول لمذيع “بي بي سي” إن الدينار الاردني “المربوط” بالدولار والذي يحافظ على قيمته بسبب هذا الربط، لا يشتري شيئاً في عمان، وان قوته الشرائية ضعُفت تماماً.

هذه معادلة ليس من السهل شرحها في العادة، فالاردن بلدٌ فقير الموارد فعلاً، الا ان ديناره يساوي ما يقارب دولاراً ونصف، ولكنه عملياً بقيمة الربع دولار الشرائية تقريباً، حيث تتربع العاصمة الاردنية على رأس هرم أغلى العواصم العربية وتسبقهم جميعاً وفق تقرير لمجلة الايكونومست الاسبوع الماضي. في المقابل، فالمعادلة لا يحتاجها الأردني من الطبقة المتوسطة، فأبناؤه باتوا يتذمّرون لو أخذوا “ديناراً” لأي سبب!، والفقير لا يجد الدينار أصلاً.

الوحيد ذو البصر الشاخص في “سعر الدينار” والمتكئ عليه هو الدكتور هاني الملقي وحكومته، التي أظن أنها لا تزال بحاجة أكثر لشرحٍ مكثّف للمعادلة رغم بقائها نحو سنتين في “الدوار الرابع”.

شعور الاردنيين ببطئ فهم الحكومة، اسهم في ابتكارهم الكثير من المشاهد التي نقلتها بي بي سي، ومنها رجل فضاء متضامن مع الاردن، وعبارة “ارحل” باللغة الصينية وغيرها من محاولات الشرح العقيمة!

**

في عمان، وحدهم مذيعو البرامج الحوارية من يرتاحون تماماً في رمضان، ولا أحد يسمع “حسّهم” كون “الشهر الفضيل” ومنذ سنوات طويلة تعارف الاردنيون على كونه “مخصص للدراما” اكثر من الحوارات والنقاشات.

من هنا، فمن الصعب أن يعرف أحدٌ كيف يفكّر المحللون والمراقبون الا عبر قناة “روسيا اليوم” حيث النائب السابقة “هند الفايز” لا تقعد ولا تملّ، وهي تطالب بتغيير نهج الدولة كاملاً بطريقتها العصبية المتعارف عليها، أو على قناة الجزيرة حيث المحلل الاقتصادي في صحيفة الرأي المحلية عصام قضماني يحاول جاهداً تسويق قانونٍ لا يبدو أنه شخصياً مقتنعٌ به.

في الحالتين المتناقضتين طبعاً، كنت استمع لشيءٍ لا يحكي حكاية الشارع، وهنا قمّة الجمال وقمّة الخطورة. الامر الذي فسّره لي تقييم عميق استمعت له بينما اكتب المقال، يعتبر”خطورة حراك اليوم ان الدولة لا تجد رأس الحراك لتحاوره، ولا تعرف مَن يمون على الناشطين ويستطيع اقناعهم”.

هذه حصراً النقطة التي قد تربك الجميع لو خرج الوضع عن السيطرة!.

**

في اعتصام هذه المرة يخرج الجميع واعياً تماماً في الأردن لضرورة “خلق” الحالة من الصفر، فلا الاردنيون معتمدون على وسائل الاعلام التقليدية، ولا حتى مهتمون بالقيادات الحراكية التقليدية، ولا حتى بالصور المفترضة والمتوقعة من الاعتصام المذكور.

المتواجدون في الميادين نقلوا كل الاحداث ووثقوها دون الحاجة للاعلام، والتقطوا الطرق الاكثر “خفة دم واحترام” وعبروا فيها عن انفسهم، وقرروا ان يعبّروا عن انفسهم بطريقة تليق بما يريدونه لبلادهم، وهذا كله استطاعوا نقله للعالم كله، فقنوات العالم كالجزيرة وغيرها استطاعت بسهولة التقاط اليافطات التي تطالب برحيل الحكومة “قبل كأس العالم” وجملة مثل “ما بقدر اهاجر وراي حكومة بصرف عليها” بالاضافة لمشاهد الغناء ومعانقة الدرك وغيرها مما اراد الاردنيون ايصاله عن انفسهم.

بهذه الحالة يصل الجميع في الاردن، بعد الشارع، الذي يثبت انه الاقدر والاجرأ على قيادة حراك اقتصادي حضاري ويفرض مطالبه على الجميع وهو يؤكد انه يحب الاردن ويغنّي “موطني”.

**

بالخروج من الحالة الاردنية قليلا، فمايكروفون القناة الفرنسية، أعادني للقاء الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الاخير والذي “كشف فيه الطابق” حول احتجاز رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري في الرياض، حيث باريس باتت واحدة من الدول “الضامنة لامن الشرق الاوسط” حسب سيد الاليزيه نفسه.

سؤال استفزازي واحد في اللقاء، وجهته المذيعة الفرنسية لرئيسها فجعلته “يكرّ” قصة اعتقال الرئيس الحريري في الرياض عن بكرة ابيها، ليثبت لها أن “هالته ليست أكبر من حقيقته”، وبالتالي احرج بيروت والرياض لاقناع شعبه بأهميته.

المذيعة على قناة BFM TV الفرنسية تساءلت، ان كانت ظاهرة “ماكرون” مسموعة في الخارج، فرد عليها بانفعال بحادثة الحريري “حين احتجز في الرياض لدى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لعدة اسابيع″، معتبرا تخليصه نصرا كبيرا للدبلوماسية الفرنسية، ليكشف بذلك مستوراً لا احد كانت لديه تفاصيله سواه.

أظن من ذلك الوقت ارتاح الحريري لان هناك من “بق البحصة” قبله اخيراً، رغم ان التفاصيل لا تزال من اختصاص رئيس الوزراء اللبناني.

*كاتبة أردنية

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: