رئيس الوزراء في الأردن

المجهر نيوز

من الواضح، ومن خلال تجاربنا المتواضعة بالتعامل مع الواقع الذي نعيش ويعيش الأردنيون بشكل عام، أن منصب رئيس الوزراء في الأردن منصب فخري بما تحمله الكلمة من مدلولات وتتضمنه من معان!

أنا هنا لا أتحدث عن رئيس وزراء حكومة تسيير الأعمال التي تفرضها الظروف أو المستجدات أحيانا، بل أتحدث عن رئيس الوزراء الذي يؤدي اليمين القانونية (ويقسم قسم الولاء) ليكون هو “الشخص الأول” في الحكومة على مدار أشهر قادمة أو أكثر قليلا، كما تعودنا!

ولو استعرضنا تاريخ الحكومات في الأردن، لوجدنا، وبما لا يدع مجالا للشك أو التردد، أن رئيس الوزراء وأعضاء حكومته ليسوا الذين هم من يرسمون سياسية الحكومة (إن كانت هناك سياسة للحكومة) للمرحلة التي تلي، ولا هم منفذون لسياسة رسمتها حكومة خرجت! بل هم، وهنا أعني دولة الرئيس وأصحاب المعالي أعضاء حكومته، ينفذون سياسات آنية وقتية تفرضها عليهم الظروف والمستجدات، “وكل يوم بيومه” كما يقول المثل الأردني الدارج!

كما أن رئيس الوزراء – وأعضاء حكومته – ليسوا هم الذين يتخذون القرارات المصيرية على المستوىيين “العملياتي والاستراتيجي”، ولا حتى بعض القرارات “التكتيكية” الحساسة. ومعروف للأردنيين المتابعين جميعا أن مثل هذه القرارات تتخذ نيابة عنهم، وما عليهم إلا تنفيذها، ومن ثم الدفاع عنها إن اقتضىاهم الأمر. وحتى دفاعهم هذا يكون ضمن مديات محددة لا يستطيعون تجاوزها، وفي أطر واضحة، لا يجوز لهم الخروج منها!

وبالرغم من أهمية منصب رئيس الوزراء في كل بلاد الكون، وبالرغم من تعدد الواجبات الموكلة اليه والمسؤوليات المناطة به على الورق، فإن الكلام المكتوب شيء والواقع المحسوس الملموس في الأردن شيء آخر مختلف الاختلاف كله!

هناك ملفات رئيسة تعتبر “مناطق حرام” بالنسبة لرئيس الوزراء الأردني لا يقدر على ولوجها، ولا حتى الاقتراب منها، لا عمليا، ولا نظريا، ولا حتى في أحاديث السمر والسهر و”التعاليل”. وهذه الملفات تتفاوت أهميتها تبعا للموقف السائد والطرف المعني والظروف المحيطة!

ومنذ أن وعينا، وبدأنا بمتابعة الشأن العام بشيء من الدراية والموضوعية والاطلاع، فإننا أدركنا أن رئيس الوزراء لا يستطيع التقرب من ملفات ثلاثة تهم حياة كل أردني، وإن كان في الظاهر يشغل المنصب المختص بأي من هذه الملفات، أو كان هذا الملف من اختصاص أحد أعضاء حكومته. هذه الملفات على الترتيب حسب أهميتها، وكلها مهمة هي: الملف الخارجي (السياسة الخارجية)، والملف الأمني (السياسة الأمنية) والملف الاقتصادي (السياسة الاقتصادية)، وبكل أبعادها ومكوناتها ووسائل تطبيقها وتنفيذها ومتابعتها!

هذه الملفات تديرها جهات أخرى، واضحة حينا وخفية أحيانا أخرى! صحيح أن عندنا وزير خارجية، ووزير دفاع (رئيس الوزراء نفسه)، ووزير مالية، ووزير تخطيط وتعاون دولي، ووزير صناعة وتجارة، وصحيح أن لكل من هؤلاء مجموعة من المهام والواجبات، لكن أدوارهم الحقيقية المتوقعة منهم يقوم بها أناس أخرون نراهم مرة ويختفون عنا مرات، وإن عرفناهم بالحس والحدس والدراية في كل مرة!

هذه الملفات الثلاثة لا يستطيع رئيس الحكومة وأي من وزرائه الخوض فيها على المستويات المطلوبة منهم أو المأمولة فيهم. وفي كثير من الأحيان نلحظ أن الأمور تسير (بالبناء للمعلوم) وتسير (بالبناء للمجهول) كما تسير وتسير “جاهات العرس” هذه الأيام، هذه الجاهات التي أصبحت الغاية منها التفاخر بالمستوى، ومشاركة أهل المناسبة مناسبتهم، وإشهار الفرح، وأكل “الكنافة”. والفرق الوحيد في التطبيق بين هذه وتلك أنه لا “كنافة” في المجال الرسمي الحكومي (الترتيب هنا مقصود لذاته)!

وعليه، وإذا بقيت الامور تدار كما هي عليه الحال الآن، فإن حدوث تغير ملموس في الوضع العام الأردني نوع من الوهم، أو شيء من الخيال، أو ضرب من المحال!

إن الأردن – إذا أريد له أن يقف على رجليه وقوف الأصحاء – بحاجة إلى تغيير جذري في النهج على كل المستويات، بدءا من نهج مؤسسة القصر وانتهاء بنهج أي مكتب حكومي في أي مديرية ناحية موجودة في بوادي الأردن وقراه ومخيماته ومدنه!

الأردنيون الاكفاء الأمناء الخبراء موجودون ومعروفون، وقد أبدعوا في كل مكان وجدوا فيه، إذا أعطوا الفرصة وأطلقت أيديهم! وهؤلاء يشهد لهم، ويعترف بقدراتهم ويعرف منجزاتهم، القريب والبعيد والعدو والصديق. ولا يستطيع أحد إنكار كفاءة الأردنيين إلا كان حاقدا أو حاسدا أو من أهل الزيغ والهوى!

وكذلك لدينا الأحزاب التي فيها الكثير من ذوي الكفاءات في كل المجالات والميادين. والأحزاب في الأردن كثيرة كثرة مفرطة لا نحتاجها، بالرغم من أهمية فكرة وجودها من حيث المبدأ. لذا فقد آن الأوان أن يعاد النظر في المفهوم الحزبي من جميع جوانبه، وتفعيل دور هذه الفئة من فئات الشعب بما يخدم مسيرة الأردن، ونحن على أعتاب الدخول في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. والدول (والشعوب) الحية المتقدمة المتحضرة لديها أحزاب منذ عشرات – بل مئات – السنين!

ولدينا النقابات المهنية، التي رأينا دورها المشرف بأعيننا، ولمسناه بأيدينا، وأحسسنا به بكافة جوارحنا، أعني ذلك الدور الذي قامت به مؤخرا في التعامل مع الوعي الأردني الذي تجلى بأروع صوره في تنبيه المسؤولين – على مختلف اامستويات – أن عهد “الطبطبة على الأكتاف” وتلهية الناس بشعارات جوفاء لا تطعم جائعا ولا تعالج مريضا يجب أن ينتهي إلى غير رجعة!

ولدينا الإعلام الذي يجب أن يعطى دوره الحقيقي في مسيرة البناء والتقدم الأردنية، فلا يكون الدور الإعلامي هامشيا يقتصر على الوصف وكيل المديح وتحسين الصور الشوهاء. إن دور الإعلام ريادي، ويجب أن يظل كذلك رياديا، فلا نسمح له بالتقوقع في الزوايا والأركان، وكأن أمر الشأن العام ليس من صميم واجباته!

أما مجلس النواب – ممثل الشعب بكل توجهاته وحامي طموحاته وآماله بكل أبعادها – فإن واجباته أكثر من أن تحصى، ومهامه أكبر من أن تقاس، والأدوار التي يجب عليه أن يؤديها أهم من أن توصف. هذا المجلس تقع على كاهله مسؤوليات جسام، سواء أكان ذلك على مستوى الفرد أم على مستوى الجماعة. ويجب على الفعاليات الوطنية كافة أن تقف إلى جانب المجلس في كل جهد يقوم به لحماية الوطن من سطوة المتنفذين، وصون المواطن من افتئات المفترين. هذه الفئة المختارة المنتخبة المنتقاة من كل شرائح المجتمع وأطيافه يجب أن تبقى مصانة من كل عبث، محمية من كل تدخل، بعيدة عن أي تغول، بدءا من يوم الترشح، مرورا بيوم الانتخاب، وليس انتهاء بالتمثيل تحت القبة!

كل هذا إذا وضع في إطار من الوطنية الحقيقية الجادة، بعيدا عن التحيز والتجاذب والأنانية و”الشللية” والهيمنة الشخصية، سيكون مردوده أمل الوطن في كل مجال، وأمنية المواطن على كل صعيد!

(ياسين بني ياسين)

الاثنين ٢٦ رمضان ١٤٣٩ هجرية
الموافق ١١ حزيران ٢٠١٨ ميلادية

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: