إصلاحات «ماكرون».. طوفان من التحديات

في 23 أبريل 2017، أذهل ايمانويل ماكرون العالم بتصدره الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، والتي كانت تبدو غير قابلة للفوز بالنسبة له. وبعد ذلك فاز في الجولة الثانية، وقاد حركته «إلى الأمام» إلى فوز ساحق في الانتخابات البرلمانية. ووعد الرئيس الشاب بأن فرنسا أصبحت أخيراً على استعداد للتحول وستصبح قريباً مناسبة للقرن الـ21.
وبعد مرور عام على فوزه الأول، يقوم الرئيس الفرنسي بزيارة رسمية إلى واشنطن، وهو رجل مختلف. فقد أتم عامه الأربعين وقام بجولة حول العالم، حيث لا يزال ينعم بالتقدير. وبرغم ذلك، يواجه على الصعيد الداخلي مشكلات. فالرجل، الذي يتباهى بأنه ينفذ وعوده، يدفع بالإصلاحات بوتيرة مذهلة منذ أن وصل إلى قصر الإليزيه. لكن مواطنيه مختلفون عنه. فقد خرجوا إلى الشوارع للاحتجاج ومقاومة التغييرات المنظمة من القمة. واستغرق الأمر عاماً كاملاً من الرئيس ماكرون ليثبت صدق وعوده. وربيع هذا العام لا يفتقر إلى الاحتجاجات في فرنسا، ما يضع أجندة ماكرون الإصلاحية على المحك. فعمال السكك الحديدية يقومون بإضراب لمدة يومين كل ثلاثة أيام، في محاولة لإجبار الحكومة على التخلي عن الإصلاح الطموح لشركة السكك الحديدية الوطنية، وتعطيل حياة الملايين من المسافرين؛ وهم يقولون إنهم مستعدون لمواصلة الاحتجاج حتى شهر يوليو. وقام الطيارون في الخطوط الجوية الفرنسية أيضاً بإضراب، ولكن من أجل زيادة 6% في الأجور. ويتظاهر المحامون في شوارع باريس احتجاجاً على الإصلاح المقترح في نظام المحاكم. وهناك استياء متزايد بين الموظفين في المستشفيات العامة ودور رعاية المسنين التي تأثرت تخفيضات الميزانية. ويشعر المتقاعدون الغاضبون بأن الضرائب تستهدفهم بشكل غير عادل. وفي غرب فرنسا، اشتبكت شرطة مكافحة الشغب مع علماء البيئة الذين يحتلون بشكل غير قانوني منطقة كان من المفترض بناء مطار فيها، حتى على الرغم من إلغاء الخطة. وبالطبع، فقد وصلت هذه الاحتجاجات إلى الجامعات. فهناك جزء من إصلاحات ماكرون تهدف إلى جعل عملية القبول المعرقلة أكثر انتقائية. وقام المتظاهرون، الذين يرون هذا كهجوم على مبدأ المساواة المقدس، باحتلال عدد من الكليات. وتم إرسال الشرطة لإخلاء مبنى السوربون الذي له قيمة رمزية عالية وغيره من المواقع الأخرى.
وفي مقابلة تلفزيونية في 15 أبريل، سأل صحفي (يبدو أنه من المتظاهرين السابقين في مايو 68) ماكرون ما إذا كان يحاول إعادة أحداث 1968 «من خلال القمع». وتساءل الصحفي ساخراً «بدلا من شعار إلى الأمام، ألا يجب تسمية حزبك بالقوة؟». ورفض الرئيس التشبيه وزعم قائلاً إن هذا ليس هو «تجمع الصراعات» الأسطوري، وليس حتى «تخثر للسخط».
إن ماكرون محق: فعام 2018 ليس هو 1968. وربما لا يكون حتى 1995، عندما اضطر رئيس الوزراء آلان جوبيه إلى التخلي عن إصلاح الشركة الوطنية للسكك الحديدية بعد ثلاثة أسابيع من الإضرابات من قبل عمال السكك الحديدية والنقل العام.
وفي مايو 1968، كانت فرنسا تتمتع بمعدل نمو اقتصادي بلغ 5%، وكان سكانها في مرحلة الشباب. وكان لديها عدد قليل من الطلاب – معظمهم من أبناء الطبقة البرجوازية -وعدد أكبر من العمال الصناعيين. كما كانت النقابات العمالية قوية. أما في القرن الـ21، فإن فرنسا هي جزء من أوروبا الأكثر تكاملًا، ولديها عملة مشتركة مع 18 دولة أخرى. لقد تعافت لتوها من أزمة اقتصادية عالمية مدمرة. وعطلت العولمة سوق العمل، تاركة النقابات العمالية ضعيفة ومقسمة. ويبلغ معدل البطالة 9%، بينما أصبح التعليم العالي ديمقراطياً على نطاق واسع وغيرت الهجرة النسيج الاجتماعي. وانهار الحزب الشيوعي وأيديولوجيته، وكذلك الحال مع الحزب الاشتراكي. في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية لعام 2017، ذهبت نصف الأصوات تقريباً إلى المرشحين الشعوبيين والمناهضين للمؤسسة. إن المجتمع الفرنسي لم يكن إطلاقاً مجزأ بهذه الدرجة. وهنا يكمن الخطر. فقد لاحظ علماء الاجتماع أنه في حين أن الاحتجاجات الحالية لا تنتشر، إلا أنها تميل إلى أن تكون أكثر عنفاً. وماكرون، الذي غالباً ما يتهم بأنه متعجرف ومتعالٍ، يعترف الآن بالشعور بالظلم الناتج عن الاختلالات الاقتصادية. لكنه يقول إن الغضب الذي يراه لن يمنعه من المضي قدماً في الإصلاحات. وفي هذا الصدد يقول «إن فرنسا هي بيت تآكلت أسسه ونحن بحاجة إلى إصلاح هذا البيت».
*رئيس التحرير السابق لصحيفة «لوموند».
الاتحاد الاماراتية

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: