لماذا نثق في سند الحديث الصحيح؟ (2)

ثانيا: ضوابط الغربلة والتنقية للأحاديث عند علماء الحديث:
وهي ضوابط بلغت في الدقة سنام التدقيق وذروة التحقيق، وتوقع في العقل والنفس اليقين -أو غلبة الظن على الأقل- بثبوت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن هذه الضوابط المغربلة والممحصة:
1- اتصال السند: أي أن يكون كل راو سمع ما رواه من الذي فوقه مباشرة بحيث لا يكون هنا راو محذوف.(الوسيط في علوم ومصطلح الحديث لمحمد أبو شهبة، صفحة 225).
فلو كان هناك انقطاع في السند بحيث لم يسمع أحد الرواة من الراوي الذي يليه في السند؛ فالحديث ضعيف.
2- العدالة في رواة الحديث. والْعَدَالَة هي ملكة فِي الشَّخْص تحمله على مُلَازمَة التَّقْوَى والمروءة، والتَّقْوَى: اجْتِنَاب الْأَعْمَال السَّيئَة من الشّرك وَالْفِسْق والبدعة، وَفِي الاجتناب عَن الصَّغِيرَة خلاف، وَالْمُخْتَار عدم اشْتِرَاطه لِخُرُوجِهِ عَن الطَّاقَة إِلَّا الْإِصْرَار عَلَيْهَا لكَونه كَبِيرَة. (مقدمة في أصول الحديث للدهلوي، صفحة66).
فوجود راو عُرف عنه اقتراف الكبائر أو الإصرار على الصغائر؛ معناه أن حديثه مردود، ولو كان السند متصلا!
3- ولا يكفي أن يكون الراوي صالحا تقيا، بل لا بد أن يكون مع صلاحه ضابطا، والضبط عند علماء الحديث: أن يكون الراوي متيقظا غير مغفل، حافظا إن حدث من حفظه، ضابطا لكتابه إن حدث من كتابه، وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالما بما يحيل المعاني. (منهج نقد في علوم الحديث للدكتور نور الدين عتر، صفحة 80).
وتركهم لحديث غير الضابط ليس طعنا في أمانته، بل لأجل الاحتياط في نقل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ يحيى بن سعيد القطان: “آتَمِنُ الرَّجُلَ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ, وَلا أَئْتَمِنُهُ عَلَى حَدِيثٍ” (الكفاية للبغدادي، صفحة 158).
4- ليس هذا فحسب، بل قد يكون الحديث متصل السند، والرواة أهل عدالة وضبط، ومع ذلك لا يأخذ علماء الحديث بذاك الحديث! لماذا؟ لأنهم أضافوا شرطين آخرين على ما سبق وهما:
الأول: عدم الشذوذ: والشذوذ هو مخالفة الراوي الثقة لمن هو أقوى منه؛ لأنه إذا خالفه من هو أولى منه بقوة حفظه أو كثرة عدد؛ كان مقدما عليه، وكان المرجوح شاذا. وتبين بشذوذه وقوع وهم في رواية هذا الحديث. (منهج النقد، صفحة 242).
الثاني: عدم الإعلال: ومعناه سلامة الحديث من علة تقدح في صحته، أي خلوه من وصف خفي قادح في صحة الحديث والظاهر السلامة منه، فخرج بهذا الشرط الحديث المعلل، فلا يكون صحيحا. (منهج النقد، صفحة 243).
فقد يكون سند الحديث في الظاهر سليما صحيحا، لكن هناك علة وخلل خفي في سنده لا يعرفه إلا العلماء المحققون، فيردونه لأجل هذه العلة الخفية.
5- وماذا لو كان أحد رواة الحديث قد ذُكر اسمه لكن حاله مجهول؟ أي ربما يكون صالحا ضبطا وربما لا.. فما حكم هذا السند الذي يحوي هذا الراوي المجهول؟
الجواب: يُردّ الحديث ولا يعتبر صحيحا إن كان هناك راو واحد حاله مجهول لا يعرف أعدل هو أم لا، أضابط أم غير ضابط. (منهج النقد، صفحة89-91).
خلاصة الإنصاف: وثوقنا في ثبوت الأحاديث الصحيحة ليس موقفا عاطفيا أو تعصبا، إنما هو العدل والمنهجية العلمية المنصفة… والحمد لله على نعمة السند.

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: