هل قطفت آثار الصيام؟

المجهر نيوز

إن الله تعالى لم يشرع لنا عبادة إلا ولها غاية ومن ورائها حكمة، ولا بُدّ أنْ يقطف المسلم بعد أدائها ثمرة، وهذه الحِكم قد نُدركها -أحياناً- وقد لا نُدركها، ولو تتبّعنا أهم العبادات لوجدنا هذه الحقيقة.
فعمادُ الدِّين (الصلاة) التي أمرنا الله عز وجل أنْ نؤديها خمس مرات في اليوم والليلة؛ فيها من الحِكم والدروس الشيء الكثير، فالمسلم في صلاته يَقفُ خاضعاً في جسده وقلبه وجوارحه بين يدي ربّه جلّ وعلا، ففي هذا الوقوف تعويدٌ لقلب المسلم وأركانه وجوارحه أنْ تكون دائماً خاضعة منقادة لله تبارك وتعالى، ولذلك قال الله عز وجل: “وَأَقِمِ الصَّلاةَ إن الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ”، قال ابن عباس: (في الصلاة مُنتهى ومُزدجر عن معاصي الله)، وقال: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر؛ لم يزدد بصلاته من الله إلا بُعداً).
وكذلك فريضة الحج؛ فإن الله تعالى لما ذَكَرَ آيات الحجّ في سورة البقرة قال سبحانه وتعالى في آخرها: “وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُوا إنكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ” وكأن المسلم حين يترك أهله ووطنه للذهاب إلى الحجّ؛ فإنه يتذكر الرحيل من هذه الدنيا إلى عالم الآخرة، وأيضاً فإن شعائر الحجّ واجتماع الناس فيها؛ يُذكِّر المسلم بحشر الناس يوم القيامة واجتماعهم عند ربهم للجزاء .
والزكاة أيضاً؛ فإن الله تعالى قال فيها “خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا”، فالزكاة فيها تطهير للنفس من الشح الذي جبلت عليه، ومن دنس البخل والطمع والتكبر على الفقراء والمحتاجين، والارتقاء بهذه النفس بالتطلع إلى ما عند الله تعالى.
أما الصيام؛ فإنه مدرسة عظيمة، فيها من الدروس والحِكم الشيء الكثير، فالله تبارك وتعالى ما شرع الصيام ـ فقط ـ ليكون فيه امتناع عن الطعام والشراب والشهوة -مع إن الصيام لا يصح إلا به- دون التطلع إلى حِكَم الصيام وغاياته، ولذلك ذمَّ نبيُنا صلى الله عليه وسلم من ينظر إلى الصيام هذه النظرة القاصرة، ففي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لم يَدَع قولَ الزّور والعملَ به؛ فليس لله حاجةٌ في أنْ يَدَعَ طعامهُ وشرابهُ “. وروي عن أبي هريرة مرفوعاً: “الصائمُ في عبادة ما لم يغتب مسلماً أو يؤذه” رواه ابن أبي شيبة. وعن أنس قال: (ما صام من ظلّ يأكل لحوم الناس) رواه ابن أبي شيبة مرفوعاً.
إذاً فالمسلم بعد صيامه لا بُدّ أنْ ينظر إلى الثمار التي جناها بعد انتهاء هذا الشهر المبارك، فانظر إلى حالك وما جنيته من الثمار والفوائد.
وإليك -أيّها القارئ- شيئاً من هذه الثمرات:
أولاً: تقوى الله عزّ وجل
فأهم ثمرات الصيام تقوى الله عزّ وجل، وهي الغاية التي شرع الله تعالى الصيام من أجلِها فالتقوى: هي أن يفعل الإنسان ما أمره الله به، وأن يَنتهي عمّا نهاه عنه، حتى وإن كانت نفسه تنازعه وتلح عليه بالتفلت من هذه الأوامر وارتكاب المعاصي والمحرمات، وبالصيام فإن المسلم يَمتنع عن الطعام والشراب وغيرها من المفطرات امتثالاً لأمر الله تعالى وإنْ كانت النفس تطلبها وتشتهيها وتلح عليه بفعلها؛ فإنه يتجاهلها مقدماً أمر الله تعالى عليها.
ثانياً: مراقبة الله تعالى
ومن ثمرات الصيام؛ مراقبة الله تعالى في أي مكان، وفي كل حين. فالمراقبة: أن تعلَم إن الله تعالى ناظرٌ إليك مطلعٌ على سريرتك، وبالصيام المسلم يمتنع عن تناول وفعل ما يُفسد صيامه في أي مكان وفي كلّ حين؛ لأنه يعلم إن الله تعالى يراه ومُطلعٌ عليه ولا يخفى عليه شيء.
ثالثاً: الصبر
ومن ثمرات الصيام بأنواعه؛ فصبرٌ على الطاعة، وصبرٌ عن المعصية، وصبرٌ على ما يلاقيه الصائم من تعب وعطش وجوع؛ رجاء الثواب الذي أعدّه اللهُ لعباده في الآخرة، وما هي إلا أيام معدودة في الدنيا، ثم نغادرها لنفضي إلى ما قَدَّمنا، والصبر عاقبته حميدة، ولذلك يقول الله تعالى لعباده المؤمنين يوم القيامة: “كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ” فبعد النعيم يَنسى المسلم التعب، وينال ثواب الله تعالى على ما قدم.
قال ابنُ رجب الحنبلي رحمه الله في “لطائف المعارف”: (الصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة. وتجتمع الثلاثة كلها في الصوم، فإن فيه صبراً على طاعة الله، وصبراً عمّا حرّم الله على الصائم من الشهوات، وصبراً على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع والعطش، وضعف النفس والبَدن، وهذا الألم الناشئ من أعمال الطاعات؛ يثاب عليه صاحبه).
وقال الحسنُ رحمه الله: (إن الله جعل شهر رمضان مضماراً لخَلقِه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قومٌ ففازوا، وتخلَّف آخرون فخابوا، فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المُحسنون، ويَخسر فيه المبطلون) ثم بكى رحمه الله.
وبالصيام فإن المسلم يصبر على الجوع والعطش فترة محدودة يَعقُبها فرحة الإفطار الذي يَنسى بعدها التعب وشدة الجوع والعطش.
رابعاً: الإرادة والعزيمة
ومن ثمرات الصيام الإرادة والعزيمة وهي بذل الوسع والطاقة دون توقف أو فتور حتى يحقق المرء ما يريد، متجاهلاً دعوات نفسه للدَعة والراحة، وبالصيام المسلم يَبدأ صيامه بإرادة قويّة وعزيمة صلبة ويضبط نفسه ولا يطاوعها فيما تطلبه، ولا يوافقها فيما تشتهيه؛ فيسوقها ويطوّعها حتى يحقق مراده من الصيام.
خامساً: معرفة قيمة الحياة
ومن ثمرات الصيام معرفة قيمة الحياة والحرص على أيامها ولياليها، وأنها ميدان للتنافس وإن هذا الميدان سيُغلق بعد حين، وكذلك شهر الصيام فإن أيامه معدودة، ثم تنقضي؛ فمن اغتنمها بفعل الطاعات وترك المنكرات؛ نال رضا الله تبارك وتعالى، ومن ضيّعها بالتكاسل وفعل المعاصي وارتكاب الذنوب؛ فإنه لن يجني إلا الندم ولن يحصد إلا الشقاء.
سادسا: المسارعة إلى فعل الخيرات.
ومن ثمرات الصيام المسارعة إلى فعل الخيرات دون التعذر بأوقات دون أوقات والتأجيل والتسويف حتى تروق نفسه لذلك.
والصائم برغم جوعه وعطشه؛ لا يتأخر عن أداء الصلوات وفعل الطاعات مع طلب النفس للدَعة والراحة.
سابعا: التطلع إلى ما عند الله في الدار الآخرة.
ومن ثمرات الصيام التطلع إلى ما عند الله في الدار الآخرة والجدّ والاجتهاد في الأعمال الصالحة التي تقرب إلى الجنة، واجتناب المعاصي والذنوب التي تقرب إلى النار، والصائم في شهر الصيام يَجِدُّ ويجتهد ويصبر ليحافظ على صيامه، ويترك ما يغضب الله تبارك وتعالى؛ حتى لا يكون ذلك سبباً في عدم قَبول صيامه، ثم ينتهي هذا الشهر بفرحة العيد للطائعين والندم والحسرة للمفرطين.
حقاً إن الصيام مدرسة عظيمة نستلهِم منها الدروس والعِبر لنبدأ سَنة جديدة في طاعة الله تبارك وتعالى.

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: