التهجير والإنسانية

ياسين بني ياسين

الرقود العربي طال أمده بالرغم من كل مانسمعه صباح مساء من شعارات زائفة. والصحوة العربية طال انتظارها بالرغم من كل الادعاءات التي ليس لها قيمة في الواقع الذي يعيشه الناس. ولو بعث “أهل الكهف” من جديد، واطلعوا على حال أمتنا، لاستغربوا أن المثل ما زال يضرب بطول رقدتهم!

ليس هناك “أمة” في التاريخ، فيها كل هذه المقومات ولها كل هذه المقدرات، هانت على نفسها وهانت على غيرها كالأمة العربية. فالجغرافية العربية، سواء أمن حيث الموقع أم من حيث المساحة قل أن تضاهى. والقوة البشرية، سواء أمن حيث العدد أم من حيث النوع، ندر أن تجارى. والمقدرات المتوفرة، سواء أمن حيث المقدار أم من حيث القيمة، صعب أن تتوفر في أي مكان آخر!

ويضاف إلى كل هذا كل عناصر الوحدة والقوة التي لا توجد في أي بقعة جغرافية، ولا تتصف بها أي مجموعة بشرية أينما كانت: فدمنا واحد (مسلمون ونصارى)، وديننا مصدره واحد، ولغتنا واحدة، وتاريخنا واحد، ورؤانا واحدة، ومصيرنا واحد، والتحديات والتهديدات والمخاوف التي نواجهها جميعا لا تختلف في المصدر، ولا في الجوهر، ولا في المضمون. وبالرغم من كل هذا، فإن مستقبلنا ومستقبل أبنائنا ومستقبل ديارنا يبدو كأنه شيء ليس له قيمة في نظر الغالبية الساحقة منا!

إن تاريخنا الحديث، الذي بدأ بالتخاذل والتآمر والاتصال بالعدو للوقوف في وجه الصديق، مليء بالمآسي والمصائب والكوارث والهزائم والخيبات التي ليس لها حصر، سواء أكان ذلك عددا أم نتيجة. ومع ذلك، فإننا، وللضحك على أنفسنا، قلبنا كل الحقائق، فحولنا المآسي زورا وبهتانا إلى نعم، والمصائب إلى رفاه، والكوارث إلى رضى، والهزائم إلى انتصارت، والخيبات إلى تطبيل وتزمير وتعييش لمن سلمناهم زمام أمورنا. وليت هؤلاء صانوا النعمة وحافظوا على الأمانة، ولم يستخفوا بكل مقدراتنا ومقومات حياتنا!

قطع أعداؤنا أوصالنا بساطور سايكس-بيكو ولم نعترض. كذب علينا مكماهون ولم نهتم. تبرع بلفور بفلسطين ولم نحرك ساكنا. تآمروا علينا في كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل محفل، وفي كل مؤتمر، وكذبنا أنفسنا وصدقناهم. عبثوا بكل شيء في بلادنا، وما زلنا نثق بهم، ونتواصل معهم، ونتبادل وإياهم الزيارة و”المشورة” (المشورة من جانب واحد طبعا). خذلونا في كل تجربة، ووقفوا ضدنا وضد قضايانا وناصروا عدونا علينا لدى كل هيئة دولية، وجاهروا (ويجاهرون) بعداوتهم لنا ونتحدث عن العلاقات التاريخية التي تربطنا بهم. فأي جهل أو غباء أو تهاون أو تخاذل يمكن أن يكون أكثر من هذا أو أكبر منه، أو أعظم كارثية من نتائجه؟

أتى أعداؤنا إلينا دون رأي منا ولا رضى، وإن رضي الحكام، وعبثوا بكل شيء مهم في وجودنا: الدين والتاريخ والثقافة والديموغرافيا والجغرافيا ومقومات الاقتصاد. عملوا كل هذا فينا ووقفنا أمامهم، وأمام الناس، موقف المتهم الضعيف، ندافع عن أنفسنا!

أجبرونا على الهجرة من ديارنا في فلسطين، ولبنان، والعراق، والسودان، وليبيا، وسوريا، ولم يتحرك فينا إلا عامل الإنسانية غير المبني على أساس، وإلا نازعة الشفقة غير المستندة إلى منطق. لم نقدم إلا الاحتجاج على ما يحصل، والبكاء على المنكوبين، وملء سيارات الإغاثة بعلب “التيونا والسردين والبولي-بيف” إغاثة لهؤلاء المنفيين من ديارهم نفيا أبديا!

العدو ماكر، ومخططاته مرعبة، ونتائجها كارثية علينا في كل ركن من أركان حياتنا. ولم يقم العدو بعمل في بلادنا ( وكل مآسينا من صنع يديه وتهاوننا، حكاما قبل المحكومين!!!) إلا بعد تأن وروية ودهاء ودراسة وتخطيط محكم. ونجح عدونا في كل مرة، كما أخففنا نحن عند كل تجربة!

العرب إخوتنا أينما كانوا، والوقوف إلى جانبهم، في السراء والضراء، واجب أخوي أساسي علينا جميعا: أفرادا ومؤسسات وشعوبا وحكومات. لكن الوقوف إلى جانبهم في مصائبهم له أشكال كثيرة، ليس منها مساعدتهم في ترك ديارهم ليستغلها عدونا وعدوهم الخبيث لتنفيذ مآربه وأهدافه وومراميه، وكما حدث في كل مكان وصلته يد هذا العدو الغادر في بلاد العرب.

فلسطين الحبيبة شاهد، والعراق الغالي شاهد، واليمن العزيز شاهد، وليبيا المحبوبة شاهد، وسوريا المفداة المغدورة شاهد. وكل شعوبها الشقيقة اكتوت بنار الغدر والخيانة والتآمر وتخلي ذوي القربى،ووصلت إلى ما وصلت إليه من ضياع. ولم يبق عربي واحد إلا ولحقه شيء من نار النكبات المتلاحقة التي تحل بنا صباح مساء!

أفلا نعتبر، يا أولي الألباب؟

(ياسين بني ياسين)

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: