رحلة يوسف كونفي مع القرآن من بوركينا فاسو إلى القيروان

القيروان (تونس)/ ناجح الزغدودي/ الأناضول

قبل حوالي 27 عاما تخرج يوسف كونفي حافظا للقرآن الكريم من الجمعية القرآنية في مدينة القيروان وسط تونس.

ثم عاد كونفي (45 عاما)، من بلده بوركينا فاسو (غربي إفريقيا)، إلى القيروان، للحصول على موافقة من أجل تسجيل خمسة شباب من أبناء مدينته في الجمعية القرآنية.

وقال يوسف، الذي التقته الأناضول في القيروان: “أريد أن يصبح أبناء بلدتي معلمين معي في مدرسة قرآنية أنشأتها في مدينة دجيبو”.

وأضاف أن “عدد المسلمين تضاعف في دجيبو، بفضل نشري العلوم الشرعية وحفظ القرآن الكريم.. كما كانت زيارتي للقيروان من أجل تكريم معلميني ورد الجميل لهم”.

أصبح يوسف شيخ علوم شرعية في دجيبو، وهو أحد خريجي الجمعية القرآنية بالقيروان، عام 1991.

وتتلمذ على يد الشيخ العلامة عبد الرحمان خليف (1971 – 2006)، أحد مؤسسي الجمعية، وإمام جامع عقبة بن نافع.

** عطف وعناية

تبعد دجيبو (شمالي بوركينافاسو) عن محافظة القيروان أكثر من أربعة آلاف كيلومتر، وقضى يوسف 12 ساعة عبر الطائرة للوصول إلى تونس.

لم يكن يوسف يسمع عن القيروان سوى في الكتب، حتى جاء إليها عن طريق عمه، سليمان كونفي، الذي التقى بالشيخ خليف، في مؤتمر إسلامي سنة 1991، ويسر له القدوم إلى القيروان، والالتحاق بالجمعية القرانية.

بين أروقة الجمعية ومبيتها وقاعات التدريس، تلقى يوسف ما وصفه بـ”العطف والعناية والتربية”، التي مكنته من حفظ القرآن الكريم سريعا مقارنة بآخرين.

عندما عاد إلى مسقط رأسه، ساعد عمه في تحفيظ القرآن الكريم وتعليم اللغة العربية ببوركينافاسو، ضمن مدارس أهلية.

جاء يوسف إلى القيروان للتعلم، وعمره 18 سنة، قضى منها سنتين ونصف لحفظ القرآن الكريم ونصف سنة لتمتين الحفظ، ثم رجع إلى بلده معلما.

ويمثل المسلمون 60 بالمئة من سكان بوركينا فاسو، البالغ عددهم 13 مليون نسمة، وفق إحصاءات حكومية أجريت عام 1996.

** مئات الطلاب

منذ مغادرته القيروان، بذل يوسف جهودا كبيرة: “تخرج على يدي أنا وعمي 500 حافظ للقرآن الكريم”.

وتابع: “نتمكن سنويا من تخريج بين 30 و50 طالبا.. فتحت دارا للقرآن الكريم، بدأت بـعشرة أشخاص، ثم استعت”.

وأضاف: “جمعيات تركية (لم يسمها) ساعدتني.. لم أتصل بأعضاء هذه الجمعيات، وإنما هم وصلوا إلي، فساعدوني على توفير مدرسة ومسجد وإعاشة لمئات الأطفال، لمساعدتهم في حفظ القرآن الكريم”.

وأردف: “وصل عدد الطلاب في المدرسة إلى 400، جلهم من الأيتام.. وزعتهم بين 14 منطقة، في كل منها تم فتح مبيت ومدرسة يحفظ فها الأطفال القرآن. ويساعدني في التدريس متخرجون من الجمعية القرآنية بالقيروان”.

ومضى قائلا أن “هؤلاء الطلاب يواصلون الدراسة، ويجدون الرعاية، ويحفظون القرآن، ومن بين الأطفال من ختم القرآن، وانتقل للدراسة في الجامعة”

بدا يوسف سعيدا وهو يسرد نجاحاته، واعتبر نفسه سائرا على خطى العلامة الشيخ عبد الرحمان خليف، الذي كرر ذكره والدعاء له بالرحمة مرارا.

وتابع: “جئت اليوم كي أزور الشيوخ الذين تربيت على أيديهم وكي أذكر فضلهم الذي لا يوصف علي”.

نشط يوسف خلال تواجده في القيروان بين الجمعية القرآنية وجامع عقبة بن نافع والمدينة العتيقة.

وقال: “ما يزال يأتي شباب، بينهم أيتام، من بوركينافاسو إلى القيروان ليواصلوا دراستهم في الجمعية”.

وجلب يوسف معه مطالب كتابية إلى الجمعية القرآنية، وتلقى موافقة على قبول خمسة طلاب، تتراوح أعمارهم بين 14 و21 سنة، من أجل القدوم للتعلم في الجمعية.

وتابع: “يوجد 400 طفل ينتظرون مني التربية والتدريس وأحتاج معلمين مساعدين لتعليم الأطفال”.

وشدد على حاجة المدارس القرآنية في بلاده إلى معلمين إضافيين، خاصة من خريجي الجمعية، التي تعلمهم اللغة العربية والفقه والقرآن، على أيدي معلمين أكفاء.

** رسالة القرآن

وقال رئيس الجمعية القرآنية في القيروان، الدكتور محمد الحبيب العلاني، إن “القيروان ما تزال تحافظ على ثقلها الإسلامي، بفضل رصيدها الحضاري، استنادا إلى علماء الفقه وكتبهم المرجعية وجامع عقبة، وهي أول مدينة إسلامية بنيت بالمغرب العربي”.

وأضاف العلاني، في حديث للأناضول، أن للقيروان “إشعاع عبر التاريخ أكسبها سمعة طيبة، ويأتيها طلاب من دول إفريقية عديدة، لتعلم اللغة العربية والتفسير والفقه والحديث وحفظ القرآن الكريم لفترة تتراوح بين ثلاث وأربع سنوات”.

وأوضح أن “المتخرجين يحصلون على شهادة تحصيل تمكنهم لاحقا من مواصلة دراستهم في معاهد دول عديدة، مثل مصر وتركيا وفي الأزهر وجامعة الزيتونة والسعودية خاصة لمن لديه شهادة الباكالوريا (الثانوية العامة)”.

وأضاف أن شهادة التحصيل “تمكن من يريد منهم من افتتاح مدارس خاصة يحفظون فيها القرآن الكريم ويدرسون العلوم الدينية واللغة العربية”.

وتابع: “هذه السنة سيتخرج طلاب أفارقة سيعودون إلى أوطانهم لتعليم أبناء قراهم ما حفظوا من قرآن كريم وعلوم شرعية من الفقه المالكي المعتدل”.

وبدا متأكدا من أن “من هؤلاء الطلاب من سيعودن إلى القيروان مصطحبا معه طلاب آخرين يتعلمون مثلما تعلم يوسف”.

وختم العلاني بأن هؤلاء “يواصلون نشر رسالة القرآن الكريم، التي وصلت إلى القيروان على أيدي صحابة وتابعين، مثل الصحابي الجليل أبو زمعة البلوي (استشهد بمدينة جلولاء غرب القيروان سنة 34 هـ/ 654م)، الذي بني له مقام يقصده آلاف الزوار في مختلف المناسبات الدينية”.

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: