بعد استعادة درعا ومدن أخرى: الإنتقال إلى الحالة المدنية في سورية

د. علي الباشا

سوريا قبل عام 2011م لم تكن تعرف مطلقاً حالة السيطرة العسكرية لجماعات مسلحة واستحواذها على مساحات جغرافية تقدر بمئات الكيلومترات، ولم يعتد السكان على مثل هذا المآل. تلك المناطق التي خضعت بشكل مباشر إلى تلك الجماعات وبدعم استخباراتي عالمي بدأت التقولب إلى نماذج مختلفة عن شكل الدولة المعهود، وبغرض خلق بيئة مناسبة (حاضنة شعبية) بدأت تلك الجماعات بطرح (التعبئة الإجتماعية) لإيمانها القطعي بأن المجتمع لايمكنه الإنسجام مع هكذا نماذج دون إغراقه بفكرها امتداداً من الإنقلاب على مفهوم الدولة ضمن فكر دنّس ثياب تشي غيفارا، وغيره قتل من خالفه الدين والعقيدة، إلى الإنقلاب إلى الزرداشتية الجديدة التي تحارب الله باسم الديمقراطية. هذه النظم وعلى أنقاض بعضها البعض أنشأت هياكل سياسية وتنظيمية وعسكرية في فضاء اجتماعي محطّم وفاقد لوجوده وسط إزدحام معقد من الشرعيات والسلطويات والأيدلوجيات المتراكمة.

ولأن المجتمع السوري أغشته تلك الألوان الفكرية تجيّش بعضه وانخرط في تكوين تلك الجماعات ليصير جزءاً منها، يقاتل عنها عشيرته الأقربين و يدافع عن فكرها وعقيدتها ، متجاهلاً حالة الدولة و الوطن على امتداد السنوات السبعة. وهذا يقود استنتاجاً أن تفاعل المجتمع مع هذه الجماعات ليس ناجماً عن فكرة دفاعه عن ذاته و حماية مصالحه أو السعي وراء معيشته ، بل عن فراغ فكري مشبع بالتنصل من المسؤوليات الوطنية وبشعوره العميق بأن الدولة هي العدو الأول له! وهو ما يمكن اعتباره من أحد الدواعي التي قادت سورية إلى نتائج كارثية يسترعي الوقوف عندها بتركيز ورويّة ، ويستوجب إصلاحها من خلال تعزيز القيم الوطنية وإعادة طرحها بشكل يلامس روح المجتمع السوري.

إن عوامل عديدة لا يمكن حصرها ساهمت في هذا الإنحراف التكويني للمجتمع السوري في مناطق جغرافية لا تسمى فيها بقع أو تجمعات بعينها.. وقد يكون الإستقواء على المواطن أحياناً أوسلب معرفته البسيطة أحياناً أخرى تركت مجالاً لتغلغل الفكر المتطرف بصورته الجلية، وقد يكون منع بعض الحريات التي تسعى لهامش صغير ضمن التغييرات العالمية قد ساعد أيضاً على تقوقع الإدراك المجتمعي على ذاته منغلقاً عن الفكر الوطني و منفتحاً على الفكر الذي روج للتحرر والإنعتاق من اللون الواحد… هذه العوامل بالنتيجة ساهمت بشكل أو بآخر على إدارة حرب عالمية منظمة نهشت الجسد السوري لما ينوف على السبع سنوات وطالت بأنيابها العقد الإجتماعي والبنية التحتية و الإنجازات الوطنية على امتداد عقود، وتركت تداعيات عميقة على المواطن السوري الذي هجر أرضه و مسكنه وغصت به مناطق الداخل و دول الجوار ودول أوربا التي تبحث عن ترميم ذاتها به وضاقت منه ذرعاً في الآونة الأخيرة.

***

اللافت وليس مستغرباً أن أكثر المتضررين في هذه الحرب هم جيل (الأطفال) – الفترة الذهبية التي تلعب دوراً مهماً في تشكيل شخصية الطفل الذي حمل الإرث الثقيل رغم غضاضة عوده .. وورث ذاكرة الحرب بتجربته العميقة التي ستبقى حاضرة في ذهنه بقوة وسترافقه لفترة طويلة في حياته… الجيل الذي رافقه العوز والفاقة والحرمان من التعليم خاصة في المناطق التي اغتصبتها داعش، والتي خضع فيها الطفل لتجارب عنيفة تحرض على القتل والإبادة تحت غطاء الدين.. ثم إلى تضمين التعليم في مناطق أخرى على أفكار تحرض على تقسيم الدولة ثقافياً واجتماعياً وسياسياً . ولم يسلم التعليم من فكرة إلحاق بعض المناطق في الشمال بالدولة المجاروة تماشياً مع تقارب المفهوم اللغوي والثقافي لأقلية عرقية ، ومثله في الجنوب السوري (الذي إلتحق مؤخراً بالدولة السورية) من فرض مناهج تعليمية تعزز الإنجراف إلى الوهابية.. كل هذه التداعيات تركت الطفل السوري في حالة لا يحسد عليها ، ناهيكم عن الجيل الذي هاجر إلى آوربا وبدأ ينهل مفهوم التفسخ والإنحلال بالتوازي مع ظهور جيل من الأطفال عديمي النسب في سورية جراء زيجات الطوع والإكراه بإرهابيين عابرين للحدود.

***

من المفاصل الأساسية التي تساهم في الإنتقال إلى الحالة المدنية هي بسط سلطة الدولة على كافة التراب السوري ليصار إلى خلق التوازن بين الأدوار المدنية و العسكرية و تحقيق الإستقرار والأمن الضروريان للمرحلة المقبلة ومواجهة تحدي الإرهاب المتوالد كما في الحالة العراقية والأفغانية. ثم عودة اللاجئين إلى بلداتهم و قراهم و إعادة دمجهم ضمن معطيات أولية يشعر فيها المواطن بدرجة من الأمان و الطمأنية. وكذلك إعادة دمج الأفراد المنتمين إلى فصائل مسلحة و بث روح المواطنة و الإنتماء. وإن إعادة فتح المدارس الوطنية وعودة التعليم وفتح المراكز الصحية من ضرورات المرحلة.

وقد يعتمد هذا كله على الدور الدولي في إقرار إنتزاع حالة اللادولة المفروضة على بعض المناطق السورية من الكيانات اللامنسجمة ، وعلى دعم استراتيجيات تحقيق “المصالحة الوطنية السورية” التي اعتمدت نهج “التسوية” سبيلاً غالباً على نهج “احتساب الأخطاء”، و تبني فكرة المشاركة المدنية لتغيير نمط الحالة التي عايشها المواطن السوري. قد تظهرعوائق وتحديات مختلفة لكنها في المجمل لن تؤثرعلى المشاريع الوطنية ، وبغض النظر عن تلك المصاعب فإن توسيع دائرة المشاركة المدنية والاعتماد على القدرات الوطنية ومساهمة الطاقات البشرية التي جيّشتها الصراعات في الإعمار سيساعد على بناء سوريا الإنسان قبل كل شيء!

دمتم بخير ،،

 

كاتب سوري

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: