اندفاعة الرياض المتسارعة.. إلى أين تتَّجه؟

الأحداث السعودية المفاجئة ليس من المفترض أن تفاجئ أحداً؛ فالمملكة تتحرك باندفاع مُسيّرة بـ«وقود داخلي» عالي الدافعية، يتمثل بهاجس ترتيب انتقال العرش لولي العهد محمد بن سلمان بـ«سلاسة». والسلاسة بطبيعة الحال تعني، هنا، استقدام «الشرور» والاعتراضات المتوقعة، والتعامل معها فوراً، بسلطة الملك الحالي، سلمان بن عبد العزيز، الذي يحكم بـ«شرعية» أبناء مؤسس المملكة.

 

وبالتالي، فإن الإجراءات الداخلية السعودية التي طالت «أحد عشر أميراً وعشرات الوزراء السابقين والمسؤولين والقادة العسكريين ورجال الأعمال» هي، بغض النظر عن مصداقية أية أسباب معلنة، خطوة استباقية كبيرة لحسم معركة تولي العرش ونقله من جيل أبناء عبد العزيز إلى سلالة سلمان بن عبد العزيز.

 

ومن المتوقع أن هذه الإجراءات العاصفة، التي تمثل انقلاباً في تعاطي مراكز القوى السعودية مع تناقضاتها، ترافقت مع إجراءات أخرى «ألطف وأكثر كياسة»، في الكواليس، مع آخرين من أصحاب الحجوم الأثقل من أفراد العائلة.

 

وببساطة، فإن عملية انتقال الحكم بدأت. ومن الواضح أنها تسير بوتيرة عالية، غير معهودة في التاريخ السعودي، الذي كانت أحداثه المهمة تدور في الظل، وتجري بصمت داخل الأسوار والأروقة الضيقة المغلقة.

 

ومن المهم هنا، الانتباه إلى أن الأصداء الداخلية الايجابية لهذا «الحدث»، مردها إلى ضيق الشارع السعودي بالنخب التقليدية التي تحتكر خدمة الحكم، بينما يفتح من جهة أخرى المجال أمام نخب جديدة جاهزة، طال انتظارها حلول دورها في خدمة الحكم. ولكن الحدث نفسه يثير قلقاً شديداً في الخارج.

 

القلق الأساس، أن سرعة «ولي الأمر» السعودي وصلت حدود الاستعجال الخطر، الذي يفوق حسب كل التقديرات قوة التماسك الداخلي للمملكة. ما يذكر بتقرير جهاز الاستخبارات الألمانية الخارجي «بي. ان. دي» العام الماضي، الذي جاء على غير المعتاد معداً للنشر العلني، ويصف سياسة الرياض الخارجية، بالإشارة إلى ولي العهد محمد بن سلمان، بأنها «مندفعة» و«خطيرة»، وأن المملكة مع فقدانها الثقة بالولايات المتحدة تبدو مستعدة لخوض مزيد من المخاطر في إطار تنافسها الإقليمي مع إيران.

 

وبحسبة بسيطة:

 

  • من المؤكد أن الإجراءات تثير اضطراباً شديداً على مختلف مستويات المسؤولية؛ فالفساد الذي يجري الحديث عنه، ليس عمليات احتيال بـ«عبقرية احتيال فردية»، بل هو جزء من منظومة المكافآت والأعطيات والامتيازات و«نظام الأجور» الخاص بالنخبة في المملكة، وهو من مظاهر الولاء للحكم. وبالتالي، فإن النخبة السعودية بمستوياتها، وأنواعها، في كل الأزمان، يمكن إلحاقها بالقائمة التي طالتها الإجراءات، في أي وقت.

 

  • شملت القائمة أسماء من العائلة السعودية ممن يمكن أن يشكل وضعهم وموقعهم في العائلة خدشاً بعملية نقل الحكم، أو ممن يملكون امكانية ممارسة دور ما مستقل عن الحكم، لا يتأثر بغياب «المخصصات الشهرية». والنيل من هذه الأسماء يعني التعجيل بفتح ملف الأحقية على نحو علني ومباشر. وهذا له تبعاته.

 

  • الإجراءات مثلت ضربة للأذرع الإعلامية للمملكة، ووضعها تحت سيطرة العهد المقبل؛ فقد شملت رؤوس أهم المؤسسات الكبرى، مثل: الوليد الإبراهيم مالك ورئيس مجموعة MBC التلفزيونية، وصالح كامل مالك مجموعة ART، والوليد بن طلال مالك مجموعة روتانا.

 

  • شملت القائمة كذلك أهم رؤوس قطاع الأعمال، ومن بينهم بكر بن لادن الشهير، كما يبدو أن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، الذي فاجأ مواطنيه بالاستقالة من الرياض، بعدما تم استدعاؤه فجأة إلى المملكة، من ضمن المتحفظ عليهم، على الأقل بالعلاقة مع تاريخ إدارته لشركة «سعودي أوجيه»، عملاق الإنشاءات الثاني في حجمه بالمملكة بعد «مجموعة بن لادن»، التي تملكها العائلة بالشراكة مع الأمير عبد العزيز بن فهد، نجل الملك الأسبق. علماً أن الشركة نفسها اختفت هذا العام بعد اعلان افلاسها في ظروف غامضة، بالتزامن مع اجراءات قاسية بحق الشريك السعودي.

 

بالمقابل، هناك قلق خارجي جوهري، لا يدور حول السعودية نفسها..

 

مبعث هذا القلق أن المقاربة السعودية الجديدة، غير المعهودة، ليست مجرد حزم في التعامل مع القضايا الداخلية، بل هي بالذات جزء من تلك «الاندفاعة»، التي تحدث عنها تقرير الاستخبارات الألمانية، وتحكم أسلوب وطريقة الرياض في تولي «شؤونها» الإقليمية بنفسها، بتأثير من فقدانها الثقة بالولايات المتحدة كضامن لمصالحها ودورها.

 

وبهذا، فإن الاقتراب من الرياض، في عز هذه «الاندفاعة» غير محمود العواقب، ويشبه اعتراض طريق حافلة مسرعة بلا كوابح.

 

الواقع، كانت الولايات المتحدة على الدوام مرجعاً يضطر «ولي الأمر» السعودي أخذه بعين الاعتبار، والتوافق والتنسيق معه بما يتعلق بجدول الأعمال والخطوات التالية، لا سيما في العلاقة مع «الشركاء المحليين» بسبب من تمتعهم بصفة «حلفاء واشنطن»؛ ولكن هذه «الاندفاعة» السعودية اليوم تأتي محمولة على ظرف خطر وغير مسبوق، أسس لتوافق أميركي سعودي جديد على أساس إحلال «البزنس» المباشر مكان السياسة!

 

في واشنطن، اليوم، إدارة تعتقد أن واشنطن تهدر على تحالفاتها مقدرات سياسية وعسكرية واقتصادية لها قيمة مالية. وترى أن الولايات المتحدة تحتاج إلى «كفاءة» البزنس في الإدارة، لمنح هذه التحالفات «جدوى مالية مباشرة» وترجمتها، وفق ما يحب رئيس هذه الإدارة القول، إلى «صفقة جيدة»..!

 

وفي الرياض، نهج جديد يعتقد أن المملكة استسلمت طويلاً للترهل وأنماط الحكم والإدارة القديمة، ويعتقد أن السعودية بأمس الحاجة إلى حيوية «البزنس» لنقلها إلى العصر الجديد.

 

وبهذا، لم يعد هناك ما يهم طالما كان في الأمر «صفقة جيدة»!

 

ومن هنا، فإن دول الجوار السعودي، بلا استثناء، ستعاني من فقدان الحصانة الأميركية إزاء الشقيقة الكبرى، وفرصة أن تلعب واشنطن دوراً في مواءمة حركة الرياض مع حاجات الشركاء ومتطلباتهم. وبهذا، مع القدرة السعودية على احتكار «الصفقات» مع الولايات المتحدة، فإن أول ضحايا «الاندفاعة» السعودية، و«توافق البزنس» بين واشنطن والرياض، هو الندية النسبية و«التوافق» الودي بين دول مجلس التعاون.

 

وبطبيعة الحال، سيسري ذلك بدرجة أشد على الدول الأخرى، تبعاً لحجمها، ومقدار ارتباطها بالرياض، ومدى صلتها بالملفات الإقليمية.

 

وفي المحصلة، فإن العواصم العربية عليها أن تقلق بشأن ما تعنيه هذه الإجراءات بالنسبة للمملكة، فأحداث الرياض تنبئ بسياسة يتعدى نطاقها السعودية، ومن المرجح للغاية أن تؤثر على هذه الدول، نفسها. لا سيما أن الرياض، التي تعتقد أن «إكسير الشباب» ترياق سحري، تعد في المرحلة المقبلة لـ«اندفاعة» إقليمية، ستعصف بمصالح استراتيجية، وتزلزل كيان البنية الثقافية التي صمدت في المنطقة، لغاية الآن، بمواجهة رياح «كامب ديفيد» و«أوسلو» و«وادي عربة».

 

وفي مثل هذا الوضع، لن يبقى من خيار أمام مصر إلا محاولة إيجاد معادل موضوعي لنزعة الرياض تولي «شؤونها» العربية بنفسها، ومواجهة اندفاعتها الإقليمية المقبلة التي ستخل بالاستقرار التقليدي في توازن القوى مع «إسرائيل». وهذا خيار لن يتوفر إلا باعادة انتاج «الاجماع العربي» على أسس واتجاهات جديدة.

 

أو التعويل على تفاقم متاعب الرياض الداخلية!

 

موقع هكذا

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: