هل تنجح ألمانيا في إعاقة طموحات «ابن سلمان»؟

سعود قبيلات – مرة جديدة وجد العالم نفسه إزاء مداخلة ألمانية علنية جريئة تعلِّق بنبرة واضحة على واحدة من أكثر القضايا الحساسة التي تخص بلداً تتجنب دول العالم تناول شؤونه أو التعليق عليها علناً.. وحتَّى لو تلميحاً: المملكة العربية السعودية. المداخلة الألمانية، هذه المرة، جاءت على لسان وزير الخارجية زيغمار غابرييل، خلال مؤتمر صحافي جمعه بنظيره اللبناني جبران باسيل الذي يقوم بجولة أوروبية لحشد الدعم الأوروبي لمسعى بلده تحرير رئيس وزرائه الذي أحتجزته الرياض حتى السبت. قال غابرييل: «هناك إشارة مشتركة من جانب أوروبا بأن روح المغامرة التي تتسع في السعودية منذ عدة أشهر، لن تكون مقبولة ولن نسكت عنها». وتابع: «بعد الأزمة الإنسانية والحرب في اليمن، وبعد ما حدث من صراع مع قطر، صارت هناك منهجية للتعامل مع الأشياء وصلت ذروتها الآن في التعامل مع لبنان». لماذا ألمانيا، بالذات، تسجل مثل هذا التجرؤ غير المعهود من أوروبا بحق السعودية؟ ومن الملاحظ أنه بالرغم من ردة فعل الرياض الغاضبة على هذه التصريحات، عادت ألمانيا وانتقدت مجدداً المقاطعة المفروضة على قطر من قبل السعودية وشركائها، معتبرة أنها تهدد النمو في المنطقة، حيث قالت وزارة الخارجية الألمانية، في تغريدة على موقع «تويتر»: «إن مقاطعة قطر تهدد تطوير المنطقة وتنميتها»، وأرفقت تغريدتها بفيلم فيديو قصير عنوانه: «لماذا حل الأزمة يخدم مصلحة ألمانيا». إنها ليست صدفة بالتأكيد، ولا هي هفوة دبلوماسية! لقد كانت ألمانيا، ممثلة بجهاز الاستخبارات الخارجي «بي. ان. دي»، أول بلد حذر، بشكل رسمي وبتقرير علني، من السياسات السعودية الجديدة، ووصفها بأنها «مندفعة» و«خطيرة» و«متهورة»، وأن المملكة تبدو مستعدة لخوض مزيد من المخاطر في إطار تنافسها الإقليمي مع إيران. وبمرور عام، أكَّدت الأحداث السعودية صحة هذا التقرير..! اليوم، تعتقد المملكة العربية السعودية، بينما تنفذ سياستها الجديدة، إنها تقوم بخطوات حاسمة في ثلاثة مجالات حيوية، هي: نقل الحكم، والإصلاح الداخلي، ومواجهة التهديد الإيراني؛ ولكنها، من حيث تدري أو لا تدري، تتطوع، من تلقاء نفسها، لتنفيذ مخطط «تحديثها» الذي سبق أن أعده «محافظو جورج بوش الجدد». ومن الواضح أن ذلك يزعج ألمانيا. لماذا يزعج هذا ألمانيا، بالذات، ويجعل انزعاجها علنياً.. بغية حشد مواقف أوروبية تجاه السعودية!؟ بالتأكيد، ليس الاستثمار وسلامة بيئة الأعمال الألمانية في منطقة الخليج هما السبب. ولا تبكيت الضمير إزاء نتائج الحرب في اليمن أيضاً، أو الانتصار للأعراف الدولية في ما يتعلق بموضوع احتجاز رئيس الوزراء اللبناني، أو التمسّك بالقانون الدولي في ما يتعلق بالحصار الذي فرضته السعودية على قطر. كلّا. ألمانيا تراقب ما يجري في الولايات المتحدة.. يدعم مستشارو إدارة ترامب الإندفاعة السعودية على أساس أنها بالنسبة للولايات المتحدة رابحة على الوجهين، سواء نجحت في تحقيق أهدافها أم فشلت.. إن نجحت، يمكنهم أن يتفرغوا لإحصاء المكاسب، بدءاً من الانتهاء من قلق المملكة ذات الحكم الشائخ، ثقيل الحركة، المتعِب في مراعاته، والمحرِج في سلوكه؛ وليس انتهاء بتمرير مبادرة ترامب، وتحقيق نجاح في تسوية الصراع العربي الإسرائيلي. وإن فشلت، فإن ما سيحصل هو بالضبط تحقق مخطط «محافظي جورج بوش الجدد». وتدرك ألمانيا، خلافاً لمستشاري إدارة ترامب، أن مخطط «محافظي جورج بوش الجدد»، الذي يقضي بتقسيم السعودية إلى خمس دول، يعود في تاريخه إلى مطلع التسعينيّات. أي، إلى الفترة التي شهدت عنفوان القوة والطموحات الأميركية، وكان عنوانها «أحادية القطب» وفكرة «القرن الأميركي الجديد». بينما الولايات المتحدة اليوم، أكثر ترهلاً من حيث «القوة» و«النزعة» و«التفكير السياسي»، ولا مؤشر يطمئن على قدرتها بتحمل الأعباء التي يقترحها مخطط «محافظي جورج بوش الجدد»، في الوقت الذي تبرز فيه القوى الإقليمية في المنطقة أنيابها، وتشهد الساحة الدولية حضور قوى عظمى جديدة. والطبيعة تكره الفراغ..! وتتحسب ألمانيا، هنا، لمخاطر أن يقود هذا الوضع إلى انسحاب أميركي من المنطقة، وانهيار نفوذها هناك. ومثل هذا الانسحاب سيكون له أثره الدراماتيكي على الواقع الدولي في ظل تعزيز موسكو المتزايد لحضورها بوتيرة متسارعة. وتعلم ألمانيا، وهي «ولي أمر أوروبا» و«أمها العاقلة» وجارة روسيا، أن مثل هذا الوضع الذي يبدو أن السياسات السعودية ستقود إليه، سيكون عاملاً حاسماً، يضاف إلى العجز الأميركي الحالي في القوة، والقصور الذي تعانيه واشنطن في التفكير السياسي في ما يتعلق بحلفائها الأوروبيين الذين باتت تتبرم من حمايتها «المجانية» لهم.. وتخشى ألمانيا، في هذا السياق، أن تتحول هذه التهديدات الأميركية بالتخلي عن القارة العجوز والانسحاب من الإلتزامات التاريخية تجاهها، من مجرد تهديد ومظهر من مظاهر القصور في التفكير السياسي، إلى خطوة واقعية تواجه بها واشنطن مشكلة الأعباء الطارئة التي ستفرضها نتائج السياسة السعودية في شرق المتوسط. وهذه ستكون لحظة استفراد روسي بأوروبا! ألمانيا، التي تتحمل أعباء الاتحاد الأوروبي وتقلق من الاعتماد الأوروبي المفرط في مجال الطاقة على روسيا، لا تطيق فكرة أن تستيقظ ذات صباح لتجد أن أوروبا، وموقع برلين القيادي فيها، يداران بأزرار تحكم من مكتب الرئيس الروسي. لدرء هذا الخطر، وُجِدَ حلف الأطلسي والتموضع العسكري الأميركي في أوروبا! وهكذا، فإن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الذي ضمن مباركةَ واشنطن وصمتَ موسكو، اعتقد أن انتقال الحكم إليه لن يلقى معارضة داخلية تذكر، ولم يدر بخلده أن تنفيذ الإجراءات التي تضمن له ذلك ستثير عليه كل هذه المتاعب الألمانية التي هي في طريقها إلى التبلور في جبهة أوروبية تعارض توليه الحكم وتلح على وضع العوائق الداخلية في طريقه إلى عرش المملكة. وبالأساس، تذكره ومن يعنيهم الأمر بأن العرش السعودي ليس شأناً سعودياً خالصاً! ليس ما يجري بين ألمانيا والسعودية مجرد توتر في العلاقات بين بلدين؛ إنه تحديداً إخفاق ذريع لجهود «بن سلمان» الدولية الرامية لضمان توليه الحكم بسلاسة. ومن شأن ذلك، أن يخرج الصراع الداخلي في العائلة السعودية عن أطره الصامتة. وهذا يجعل من طموحات «بن سلمان» قوة متفجرة، أشد تدميراً من أي «باليستي» إيراني يسقط في الرياض!

موقع هكذا

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: