” خالق الروح هو صاحب الحق في أخذها” .. عقوبه الاعدام وحقوق الانسان

المجهر نيوز

ناشد لحقوق الانسان – إن خالق الروح هو صاحب الحق في أخذها؛ لأن صانع الشيء هو الأحرص عليه، وجاءت كل التشريعات السماوية مؤكدة على ذلك الحرص للخالق الرحيم بخلقه، قال تعالى “ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق” صدق الله العظيم. وقوله جل وعلا “ومن قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً”. إن هذا الحرص الرباني العظيم بأرواح عباده من البشر يؤكده قول رسولنا الكريم، صلى الله عليه وآله وسلم، “والله لحرمة

المؤمن أعظم عند الله من حرمة بيته الحرام” صدق رسول الله. إلا أن تاريخ البشرية عامة وجزء منه تاريخنا الإسلامي في محطات مختلفة منه شهد إسرافاً في إزهاق الأرواح بمبررات عديدة أغلبها إما تخلص من المعارضين أو فرض هيمنة، ولطالما وجدت السلطات من يشرعن لها أعمالها تلك.. وهكذا عاشت الأمم والشعوب لا يحكمها إلا قانون القوة وشريعة الغاب، فمن سلم من سيف السلطة قتل في حروبها التي جاءت معظمها تحقيقاً لنزوات حكام أو توسعاً في الهيمنة والاستعباد.. وفي العصر الحديث تعاظم اتجاه الأمم والشعوب التي أرهقها كل هذا الظلم والعبث جاء سعيها الحثيث لحياة السلم والأمن دون خوف أو قلق انطلاقاً من أن أمان الدولة الحديثة والأمم جميعها لن يتأتى إلا بصون الحياة الإنسانية وكرامتها، وهو ما يجب أن تقوم عليه التشريعات والقوانين محلياً، وإقليمياً، ودولياً مع ضمان أن يكون للقانون سيادته وإلزاميته.. وفي عصرنا هذا جاءت المجالس الدولية والإقليمية التي تشارك فيها حكومات العالم لتتفق على منظومات التشريعات التي تحقق للإنسانية الحياة الآمنة، فكان أن عرفنا ما نسميه اليوم بالمواثيق والاتفاقيات والعهود الدولية والإقليمية التي تلزم الدول حال مصادقتها على تعديل القوانين المحلية للتوافق معها، ويسعى المجتمع الدولي وبمطالبات كل من سخروا أنفسهم للدفاع عن حقوق الإنسان، بشكل مستمر، لتطوير تلك المواثيق الدولية لتحقيق ضمانات أكبر للحفاظ على الكائن البشري، وحمايته، وصون كرامته. وفي هذا الإطار كان من البديهي أن يكون “الحق في الحياة” هو الحق الأول والأساسي لكل المواثيق الدولية والإقليمية والدساتير والقوانين المحلية. وفي ضوء هذا الحق توالت النضالات الحقوقية لتفعيل هذا الحق وتجسيده ومن ذلك المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام من القوانين المحلية استناداً إلى أن هذه العقوبة يتم استخدامها من قبل الأنظمة وخصوصاً الدكتاتورية منها للتخلص من معارضي هذه الأنظمة أكثر منها فيما هو جنائي. وسنستعرض في هذه الورقة بإيجاز المسار التاريخي الحديث لأهم المواثيق الحقوقية الدولية والإقليمية التي أكدت على حق الحياة وصولاً إلى البروتوكولات التي تم التوافق من خلالها على إلغاء عقوبة الإعدام بشكل مطلق أو ضمن تقنين محدد، وذلك على النحو التالي:   1- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان :  وهو الإعلان الذي أصدرته الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948م وأكدت المادة 3 منه على حق كل إنسان في الحياة، والحرية، والأمان على شخصه.. ومن المعلوم أن الحقوقيين يتوافقون على أن هذا الإعلان يمثل إحدى الخطوات الأساس الأولى للدفاع عن حياة الإنسان وأمانه.  2- العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية: ولأن الإعلان في العرف الدولي لا يتطلب مصادقة، فإنه ليست له قوة إلزامية، وهو ما جعل المطالبات الإنسانية مستمرة للوصول إلى معاهدة دولية أكثر تفصيلاً للحقوق، ولها قوة إلزامية على الدول المصادقة عليها. من هنا جاء العمل من أجل هذا العهد الذي تمت صياغته ورفعه إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة في العام 1954م إلا أن الجمعية العمومية لم تعتمده إلا بعد اثني عشر عاماً، وذلك في 16 ديسمبر 1966م ولم يدخل حيز النفاذ ويبدأ سريان تنفيذه إلا في 23 مارس 1976م. وقد صادقت اليمن على هذا العهد في 9 فبراير 1987م. وجاءت المادة 6 من هذا العهد لتقدم تفصيلاً اوسع من ذي قبل للدفاع عن حق الحياة، والتأكيد على إلزاميته، وذلك على النحو التالي: المادة 6  1- الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان. وعلى القانون أن يحمي هذا الحق. ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً.  2- لا يجوز في البلدان التي لم تلغ عقوبة الإعدام، أن يحكم بهذه العقوبة إلا جزاء على أشد الجرائم خطورة وفقاً للتشريع النافذ وقت ارتكاب الجريمة وغير المخالف لأحكام هذا العهد ولاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. ولا يجوز تطبيق هذه العقوبة إلا بمقتضى حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة.  3- حين يكون الحرمان من الحياة جريمة من جرائم الإبادة الجماعية، يكون من المفهوم بداهة أنه ليس في هذه المادة أي نص يجيز لأية دولة طرف في هذا العهد أن تعفي نفسها على أية صورة من أي التزام يكون مترتباً عليها بمقتضى أحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.  4- لأي شخص حكم عليه بالإعدام حق التماس العفو الخاص أو إبدال العقوبة. ويجوز منح العفو العام أو العفو الخاص أو إبدال عقوبة الإعدام في جميع الحالات.  5- لا يجوز الحكم بعقوبة الإعدام على جرائم ارتكبها أشخاص دون الثامنة عشرة من العمر، ولا تنفذ هذه العقوبة بالحوامل.  6- ليس في هذه المادة أي حكم يجوز التذرع به لتأخير أو منع إلغاء الإعدام من قبل أية دولة طرف في هذا العهد.  3- البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بشأن إلغاء عقوبة الإعدام( )(1): وهذا البروتوكول، وبرغم كونه اختيارياً في المصادقة عليه، إلا أنه يمثل توجهاً دولياً، وخصوصاً من الدول الأكثر إلتزاماً بالحرية والديمقراطية. وقد بدأ نفاذ البروتوكول على الدول المصادقة عليه في 11 يوليو 1991م، وفي ديباجة هذا البروتوكول تم توضيح أن الدول الأطراف فيه إذ تؤمن بأن إلغاء عقوبة الإعدام يسهم في تعزيز الكرامة الإنسانية والتطوير التدريجي لحقوق الإنسان، وأن المادة 6 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية تشير إلى إلغاء عقوبة الإعدام بعبارات توحي بشدة بأن هذا الإلغاء أمر مستصوب، واقتناعاً منها بأنه ينبغي اعتبار التدابير الرامية إلى إلغاء عقوبة الإعدام تقدماً في التمتع بالحق في الحياة. واشتمل البروتوكول على 11 مادة لم تسمح بالتحفظ على البروتوكول من قبل الدول المصادقة إلا بالنسبة لتحفظ تم إعلانه من قبل أثناء مصادقتها، وينص التحفظ على تطبيق عقوبة الإعدام في وقت الحرب طبقاً لإدانة في جريمة بالغة الخطورة، وتكون ذات طبيعة عسكرية، وترتكب في وقت الحرب( ). 4- مبادئ المنع والتقصي الفعالين لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون، والإعدام التعسفي، والإعدام دون محاكمة( ):  1- وهي المبادئ التي اعتمدها المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة في قراره رقم 65 المؤرخ بتاريخ 24 مايو 1989م واعتمدته الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 15 ديسمبر1989م. وهذه المبادئ التي تقدم لنا ملمحاً آخر للحرص الدولي للحد من تطبيق هذه العقوبة، والتضييق عليها، وذلك من خلال 20 فقرة اندرجت تحت محاور ثلاثة هي: (الإجراءات الوقائية؛ والتحقيق؛ والإجراءات القانونية) لتقدم مجموعة من المبادئ الوقائية والقانونية التي تلزم الدول التي مازالت تطبق هذه العقوبة بمهام المنع لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون أو الإعدام التعسفي الذي قد يحدث في أثناء التحقيق أو الاحتجاز في السجون أو أقسام الشرطة أو أي أماكن احتجاز تستخدمها السلطات، كما يعتبر القتل المقترف لأسباب سياسية، ويكون للسلطة مصلحة فيه ضمن الإعدام التعسفي، كما تلزم هذه المبادئ الدول بمنع الإعدام دون محاكمة بل وتطالبها بأن يتضمن قانونها المحلي اعتبار كل ذلك جرائم يعاقب مرتكبوها مع تفعيل العقوبات مع توخي الدول لوضع رقابة دقيقة لما يدخل في هذا النطاق من الأعمال مع تأكيد المبادئ على ضرورة التقصي الدقيق في التحري والإجراءات للقضايا التي قد تصل عقوبتها الإعدام. 5- البروتوكول رقم 6 المحلق بالاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان بشأن إلغاء عقوبة الإعدام( ):  في 4 نوفمبر 1950 أطلقت الدول أعضاء مجلس أوروبا حينها (الاتحاد الأوروبي حالياً). الاتفاقية الأوروبية لحماية الإنسان والحريات الأساسية، وهي الاتفاقية الإقليمية الأولى في مجال حقوق الإنسان، ولها القوة القانونية الإلزامية على الدول الأوروبية المصادقة عليها. وعلى امتداد العقود الماضية تم إضافة عدد (11) بروتوكولاً إضافياً لهذه الاتفاقية لتفعيل كل الحقوق الإنسانية التي تضمنتها، ومنها هذا البروتوكول الخاص بالتزام الدول الأوروبية بإلغاء عقوبة الإعدام. وقد بدأ العمل بهذا البروتوكول في الأول من مارس 1985، ويشمل 9 مواد تلغي العقوبة مع جواز استخدامها فيما يتعلق بالأعمال التي ترتكب وقت الحرب أو للتهديد الوشيك بالحرب مع توضيح عدم جواز انسحاب الدول من البروتوكول بعد المصادقة، وعدم جواز استخدام البروتوكول في أقاليم محددة من الدولة. 6- البروتوكول الخاص بالاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان لإلغاء عقوبة الإعدام( ):  في إطار منظمة الدول الأمريكية تم التوقيع على الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان في نوفمبر 1969م ويطلق على هذه الاتفاقية (ميثاق سان خوسيه) وهي المدينة التي أطلقت منها في كوستاريكا. ومع تزايد المطالبات والضغط المدني والحقوقي، تم التوقيع على هذا البروتوكول، وإلحاقه بالاتفاقية في 8 يوليو. وقد حوى البروتوكول على مقدمة و4 مواد أكدت على التزام الدول المصادقة على عدم تطبيق هذه العقوبة في أراضيها أو على من يخضع لولايتها مع إمكانية تطبيق العقوبة في وقت الحرب فقط، ومن القانون الدولي، وذلك في الجرائم الخطيرة للغاية ذات الطبيعة العسكرية…. ونحن ومعنا الكثير من المناضلين من أجل الحقوق الإنسانية في عالمنا العربي والإسلامي إذ نشارك في هذا التوجه الدولي، فإن قناعتنا بالعقوبة، في الوقت ذاته، لا تتجاوز حدها الشرعي الذي يكفل كل ضمانات وسلامة الإجراءات التحقيقية والقانونية وعبر محاكمات عادلة وبقضاء اعتيادي لا يستخدم عقوبة الإعدام الإ في أضيق الحدود، وكقصاص شرعي، وفق إجراءات سليمة تضمن للقضاء المستقل فعلاً الطمأنينة الكاملة لعدالة الحكم. وما نحب أن نؤكده أن هذه الدعوة ليس الغرض منها مطالبة الإفلات من العقاب، ولكنها مطالبة لتنقية قوانيننا المحلية من نصوص اجتهادية تتجاهل أن القانون إنما يوضع لصون الحياة وليس لإهدارها.. وضمن المستغرب والمستهجن حقاً أن تكون أغلب النصوص القانونية التي تقضي بالإعدام تأتي من خارج سياق القصاص الشرعي، وهو ما جعلنا نشاهد ممثلي النيابة العامة الذين يفترض أنهم خصم شريف؟! يقدمون مرافعاتهم في الكثير من القضايا مطالبين بتطبيق أقصى العقوبات، وهي عقوبة الإعدام، طبعاً متعللين بتلك النصوص، وخصوصاً مع اللغة المطاطية والمفتوحة في صياغتها، ويكون ذلك عادة في قضايا ذات طابع سياسي أو أمني أو المتعلقة برأي أو معتقد أو فكر، والمفزع في الأمر أن يأتي قضاء استثنائي لا يتورع عن استخدام تلك النصوص ببساطة متناهية ليحكم عبرها بإزهاق أرواح أناس لم يكن لهم من جرم إلا رأي أو نشاط معارض لنظام سلطة الأصل فيه أنه نظام ديمقراطي تعددي يلتزم بالحقوق والحريات. بل ونجد أن مثل هذا النوع من القضاء يغض الطرف عن أي شكوى لأساليب انتزاع الاعترافات أو إنكارها مع وضوح عدم قانونية كل ذلك.. ومع إدراكنا أن عقوبة الإعدام هي عقوبة لا يمكن تداركها أو معالجة أخطائها إذا ما نفذت في برئ أو من سيعتبره نظام آخر مناضلاً وشهيداً ومع استخدام القتل تحت مبرر مكافحة الإرهاب، وفي أثناء قمع التظاهرات والمسيرات وغيرها من الممارسات التي تجعل الحركة الحقوقية العربية في حالة مطالبة مستمرة بتعديل القوانين المحلية، والتزام دول المنطقة بذلك من خلال الميثاق العربي لحقوق الإنسان الصادر عن الجامعة العربية، وهي المطالبات التي تنادي في المستوى الأعلى منها بإلغاء عقوبة الإعدام في كل القضايا وفي مستواها الأدنى بإلغاء العقوبة في القضايا السياسية والحريات.

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: