ليبيا.. المصرف المركزي وجهات رسمية تشكك في بيانات مصلحة الأحوال المدنية.. ومصادر لـ”رأي اليوم” تؤكد: “فساد مالي وإغراق لسجل الناخبين” قبل الانتخابات المرتقبة في ديسمبر

المجهر نيوز

حذر مصرف ليبيا المركزي من خطورة الاختلالات الكبيرة في البيانات التي حصل عليها من مصلحة الأحوال المدنية عام 2017، ودعا إلى التحقيق بشأنها “بشكل عاجل” معتبرا الأمر “مسؤولية لا يمكن التغاضي عنها أو تأجيل القيام بها بأي حال من الأحوال”.

واطلعت “راي اليوم” على رسالة وجهها محافظ المصرف الصديق عمر الكبير إلى رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني في شهر آذار (مارس) الماضي تؤكد وجود فوارق شاسعة بين عدد المستفيدين من خدماته لبيع مخصصات بالعملة الأجنبية والعدد الحقيقي لسكان ليبيا بناء على مقارنات أجراها بين بياناته وبيانات مصلحة الأحوال المدنية، وتقول رسالة مصرف ليبيا المركزي إن نحو ستة ملايين و966 ألفا استفادوا من مخصصات بيع العملة الأجنبية في 2017 بواقع 400 دولار لكل فرد، بينما لم يحجز 780 ألف مواطن ليبي حصصهم من النقد الأجنبي، وهو ما يجعل العدد الإجمالي لمن يحق لهم الاستفادة من تلك المخصصات نحو سبعة ملايين و746 ألفا، واعتبر المصرف أن “المصلحة الوطنية ودواعي الأمن القومي تستدعي الوقوف عند هذا الرقم” لكونه يزيد عن الأرقام التي نشرتها مصلحة الأحوال المدنية في مارس من هذا العام بـ 546 ألف شخص، كما أنه يزيد عن إحصائيات سكان ليبيا لعام 2016 بنحو من مليون و200 ألف شخص.

وكانت مصلحة الأحوال المدنية أكدت في منشور لها في شهر مارس الماضي أن عدد سكان ليبيا وصل إلى 7.2 مليون بنهاية 2017، بينما حصرت إحصائيات سكان ليبيا لسنة 2016 هذا الرقم في 6 ملايين و542 ألفا.

“عدم كفاءة”

وفي نفس الاتجاه، راسل رئيس لجنة إدارة مشروع الرقم الوطني الموحد، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني معربا عن الأسف لقرار نقل اختصاص الرقم الوطني إلى مصلحة الأحوال الشخصية معتبرين أن الأمر “لا يخدم المصلحة الوطنية” وستكون له “عواقب وخيمة على الدولة اللييبية”.  وعددت الرسالة التي حصلت “رأي اليوم” على نسخة منها، الاختلالات التي تعتري بيانات مصلحة الأحوال الشخصية والآثار الناجمة عنها مثل استفادة أعداد كبيرة من الأفراد من منحة الألفي دينار أكثر من مرة واحدة، وحصول عدد من الأجانب على جوازات سفر ليبية، واستصدار جوازات سفر لأشخاص متوفين وجوازات سفر لا تعكس البيانات الصحيحة لحامليها. وأشارت الرسالة إلى عدم توفر مصلحة الأحوال المدنية على المؤهلات الفنية والخبرات البشرية اللازمة للاضطلاع بمهمة توحيد الرقم الوطني فضلا عن “ترهل نسيجها وطغيان الخلافات الشخصية عليها”. كما اشتكى محررو الرسالة من وقف المصلحة لعملية تزويد القائمين على الرقم الوطني الموحد ببعض البيانات الهامة مثل بيانات الوفيات والطلاق والزواج، متسائلين في الأخير “كيف لمصلحة الأحوال المدنية أن تقدم بيانات موثوقة وهي عاجزة عن تقديم بيانات صحيحة ليوم واحد، وكيف لنا أن نسلمها إصدار الرقم الوطني بعدما تبين لنا كم الخروقات بقواعد بياناتهم”.

هدر مالي

وأشادت الرسالة بالقائمين على مشروع الرقم الوطني قائلة إن جهودهم وفرت مليارات على الدولة الليبية وشطبت آلاف الأسماء المزدوجة من قوائم الموظفين والمستفيدين من المنح. وسبق لمصلحة الأحوال المدنية أن أعلنت في 2016 أنها وفرت ستة مليارات دينار ليبي كانت تدفعها الدولة الليبية نتيجة ازدواجية المرتبات بفضل إنجاز مشاريع الرقم الوطني والأرشفة الإلكترونية وصرف المنح.

وفي أكتوبر 2017 أوقفت هيئة الرقابة الإدارية 100 ألف موظف حكومي عن العمل، بعدما تبيّن أنهم يعملون لصالح أكثر من جهة حكومية. وقالت الهيئة إن إدخال الرقم الوطني ساهم في الحد من ظاهرة الازدواج الوظيفي وخفف من الهدر المالي الذي كان يستزف موازنة الدولة.

غير أن هذه الأرقام قد لا تشكل سوى “شجرة تخفي غابة من الفساد المالي والسياسي في آن” حسب مصادر مطلعة تحدثت لـ”رأي اليوم”. فالمستفيدون من الازدواج الوظيفي أو صرف منحة الألفي دينار ليسوا دائما أشخاصا معزولين تقول مصادرنا. بل “هنالك جهات سياسية وحزبية تعمل بشكل منظم لضمان استفادة منتسبيها من أموال الدولة الليبية دون وجه حق لضمان ولائهم ولاستعمال جزء من تلك الأموال في دعم مشاريعها السياسية”.

“هندسة انتخابية”

وكان المجلس الرئاسي بقيادة فايز السراج أصدر قرارا مطلع شهر فبراير الماضي بنقل اختصاص إصدار الرقم الوطني إلى مصلحة الأحوال المدنية، وذلك في خطوة تسبق إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في البلاد والمرتقبة هذا العام وفق خطة مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة. واعتبرت مصادرنا “أن هذا القرار يجعل من مصلحة الأحوال المدنية خصما وحكما في آن واحد. فهي متهمة من جهات رسمية ليبية ليس أقلها المصرف المركزي بعدم دقة البيانات، فكيف لها أن تنقح هذه البيانات وهي المسؤولة عن اختلالاتها في الأصل!”.

وحذرت المصادر من “أن محاولات لإغراق القوائم الانتخابية قد تكون جرت أو ستجري لصالح جهات سياسية منيت بالخسارة في الاستحقاقات الانتخابية السابقة”، مضيفة أن” الفوارق الشاسعة التي تحدث عنها المصرف المركزي قد تتحول إلى جيش انتخابي يميل الكفة لصالح طرف سياسي على حساب آخر”.

وكانت حملة التسجيل في اللوائح الانتخابية وتحديثها قد انطلقت في السادس من ديسمبر 2017 واستمرت إلى نهاية شهر مارس 2018 بالاعتماد على الرقم الوطني. وسرت مزاعم في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي الليبية عن اختراق لنظام الرقم الوطني تسبب في تسجيل مزدوج لآلاف الليبيين وحرمان آخرين من التسجيل. ودخل مفتي الديار الليبية الصادق الغرياني على الخط واعتبر “التلاعب بمنظومتي الأحوال المدنية والرقم الوطني خيانة لليبيا” داعيا المسؤولين في المصرف المركزي ووزارتي الشؤون الإجتماعية والمالية وجهازي الرقابة والمحاسبة للتحري حول هذا الأمر. غير أن هذه المزاعم تم نفيها جملة وتفصيلا من قبل الجهات المشرفة على الرقم الوطني.

وتشير إحصائيات المفوضية الليبية العليا للانتخابات إلى تسجيل 923 ألف ناخب جديد بين ديسمبر ومنتصف فبراير الماضيين، بما يرفع عدد الذين يحق لهم التصويت في الانتخابات المقبلة إلى مليونين و434 ألفا. وتعتزم المفوضية إجراء حملة ثانية للتسجيل في القوائم الانتخابية قبل الانتخابات التي ستجرى على الأرجح في ديسمبر 2018.

الأمم المتحدة تتفرج

ورغم أن الأمم المتحدة اعتمدت الانتخابات كمفتاح لحل الأزمة الليبية المزمنة، إلا أنها لم تبد أي موقف من الاختلالات التي أثارتها أكثر من جهة بشأن قواعد بيانات الرقم الوطني. ويقول أحد الموظفين الأمميين العاملين في ليبيا إن “على المنظمة أن تتأكد من الظروف التي ستجري فيها الانتخابات وأن تعمل على ضمان نزاهتها. لكنها لا تحرك كثيرا في هذا الاتجاه رغم بواعث القلق ذات المصداقية التي تثيرها قواعد بيانات الرقم الوطني. وتأسف ذات المصدر لـ”غياب التوازن بين المقاربة السياسية للحل والمقاربة التقنية الممثلة في الانتخابات” معتبرا أن “هنالك ميل لإرضاء الأوربيين عموما، وتحديدا فرنسا، التي تنتابها هواجس النزوح والهجرة غير الشرعية عبر البوابة الليبية بينما يتم تناسي مطالب الشعب الليبي الذي يعاني أولا وأخيرا من استمرار الأزمة”. وكان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون نجح في جمع رئيس الحكومة المعترف بها دوليا فايز السراج بجنرال الشرق القوي خليفة حفتر، وتعهدا له بالعمل على تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية بحلول ديسمبر المقبل.

تعليقات الفيس بوك




مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: