القيادة الادارية الجافة

القيادة الادارية الجافة


ا.د.حمزة محمود شمخي -وانا اقرأ في سورة آل عمران المباركة توقفت كثيرا عند قراءة الاية الكريمة ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)وهذه الاية الكريمة فيها من المشهد الروحي والانساني للعلاقة بين الناس وعلاقة القائد المدير بالمرؤوسين،والترفق والاحسان الكثير من المشاهد والتفسيرات الانسانية.
وقبل ان ادخل في تحليل مضمون الاية الكريمة وربطها اداريا مع سلوكية العمل القيادي في منظمات الاعمال ،لابد من التاكيد ان الله سبحانه وتعالى قد جعل في الإنسان(طبيعتين متخالفتين: طبيعة القيادة،وطبيعة التبعية،فبعض الناس يولدون بطبيعة القيادة كما أن بعضهم يولدون بطبيعة التبعية،ولذا نرى في الأطفال منذ الصغر أن بعضهم يقوم بإدارة دفة القيادة حتى في اللعب وبعضهم ينتظر من يقوده) وطبيعة التبعية سوف تنتج أسوء القادة عندما يتحمل المسؤولية القيادية من هو تابع لها اذا لم يكيف نفسه بالتعمق بدراسة الفكر الاداري ويصقل ذاته بنظريات القيادة بشكل خاص.
وعند الربط بين مضمون الاية الكريمة وغاياتها واهدافها الانسانية وفقا لكلام الله عزوجل والحدث الذي نزلت به الاية الكريمة كما يشير المفسرون، ونوع الاسلوب القيادي الذي يمارسه القائد الاداري في منظمته،وجدت ان تلك الاية الكريمة تفسير وتصوير لمن يعتمد اسلوب( القيادة الجافة) في ادارة منظمته ،وهو اسلوب قيادي اداري له خواصه وغرضه،رغم كونه محدد كاحد انواع القيادة الادارية التي يعرضها الفكر الاداري ويمارسها بعض القادة المدراء وهو احد الانواع التي تحددها بعض المراجع وهي(القيادة الشخصية، وغير الشخصية، والمتسلطة، والإستشارية، والأبوية، والجافة، والرسمية، وغير الرسمية)وكل اسلوب من هذه الانواع له اهدافه.
والقيادة الجافة (dry leadership) هي تلك الممارسة الادارية التي لا (نصيب لها من العطف)والمحبة والاحترام عندما تمارس من القائد المدير لمهامه الادارية على المرؤوسين في منظمة الاعمال فهي جافة او خشنة او غير انسانية ،ومثل هذا الاسلوب يتسم بعدوانية القائد وخشونته ضد مرؤوسيه، ويقود الى الفشل لفقدانه العقل والعاطفة في التعامل،لإن المرؤوسين وهم قاعدة الهرم التنظيمي في اي منظمة، أملهم ان يتعامل معهم قائدهم بالعقل والعاطفة (لأنهم خلقوا من عقل وعاطفة، فالقائد إذا لم يعامل أتباعه بكلا الأمرين العقل والعاطفة كان قائدا فاشلا، وان وضع العقل مكان العاطفة أو وضع العاطفة مكان العقل كان قائدا فاشلا أيضا) وهذا يقتضي التكامل بين العقل والعاطفة لتكون الاساس في سلوك القائد الاداري عند الممارسة الادارية.
والاية الكريمة تحديد دقيق لشكل السلوك الذي يتعامل به من يتمحل المسؤولية القيادية عندما يعامل مرؤوسيه بقسوة القرار والمشاعر،فظا وغليظ القلب (وغلظة القلب عبارة عن الأعماق والفظاظة عبارة عن المظهر،ومن الواضح أن الإنسان إذا كان متصفا بإحداهما دون الأخرى) لا يجيد التعامل الانساني وبالتالي فان قيادته للاخرين سوف تنتهي بالفشل.كما(إن التصنع بظاهر العطف مع غلظة القلب)لا يمر وقتا إلا ويظهر على حقيقته وكذلك العكس.
والفظاظة هي( خشونة المظهر،والعشرة السيئة، وسوء القول، وتجهم الوجه) اما غليظ القلب تعني قسوته وخشونته (وقد نفى الله سبحانه وتعالى الغلظة في المظهر والباطن، فالغلظة في المظهر هي الفظاظة،والغلظة في الباطن قسوة القلب)وكلا الممارستين من شأنها أن تخلق نفور المرؤوسين من منظمتهم.
وفي هذا التحليل تأكيد على انسانية العمل الاداري وممارسته وعلاقة من يقود مع من هو مقاد ،اي بين القائد والمرؤوسين،ويتحقق ذلك من الرحمة والاحسان والترفع في العلاقة (أي برحمة الله عليك، النت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، فكان الترفق والإحسان، فرحمتهم فاجتمعوا عليك وأحبوك وامتثلوا أمرك). ولو كان القائد الاداري (سيئ الخلق قاسي القلب)لنفر منه العاملين معه وانفضوا منه ،ومثل هؤلاء القادة(يتسمون بالقسوة والشراسة في علاقاتهم مع مرؤوسيهم ولا تكون هناك فائدة مما تعلموه لعدم تقبل الطرف الآخر لمدير لا يحترمه في داخله).
ويمارس هذا النوع من القيادة مدراء ليس لهم تاريخ اداري ساطع،الصدفة اساس تبؤهم المنصب،يحملون في سلوكيتهم مركب نقص يعوضوه باذية المرؤوسين والتعدي على حقوقهم حيث يحاولون التخلص من ذلك النقص بهذه العداونية من خلال الخشونة والقسوة،فالمرؤوس دائما(ينظر لقائده بعين التطلع لانعكاسات معاملته، فالقائد الحكيم يجب أن يعامل مرؤوسه كمساو له وليس بالتعالي وإشعار المرؤسين بالدونية، ويجبرهم على التصنع والنفاق، وفرض سلطته للحد من حرية وخيارات مرءوسيه).
لنتعلم من حكم القرآن الكريم انسانية العلاقة مع الاخرين عندما تمنحنا الفرص في ان نكون قادة اداريين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *