إصلاحات الصين لحماية شبابها والاستفادة منها عربياً

إصلاحات الصين لحماية شبابها والاستفادة منها عربياً

د. تمارا برّو

مع استمرار تفشي فيروس كورونا المستجدّ وانشغال دول العالم بمكافحته، كانت الصين تواجه تحديات خارجية تتمثل بالحرب التجارية مع الولايات المتحدة الأميركية ولجوء الأخيرة إلى إنشاء التحالفات لمواجهة نفوذ الصين في المحيط الهادئ، واستفزاز بكين في بحر الصين الجنوبي، وتحريك ملفي تايوان ومسلمي الإيغور وغيرها من المسائل موضوع المنافسة بين العملاقين الاقتصاديين. كما تواجه الصين تحديات داخلية تتمثل باتباع استراتيجية “صفر كوفيد” ، وأولمبياد بكين الشتوية المقررة الشهر القادم، والإصلاحات التي تطال المجتمع الصيني للمحافظة على الثقافة والقيم الصينية وموقع الصين كقوة عظمى.

شنّت الصين خلال الأشهر الأخيرة حملات إصلاحية تستهدف المجتمع، وإعادة السيطرة على جيل الشباب، لمواجهة الإنحطاط الأخلاقي المتأتي من العادات الغربية. فمؤخراً حظرت الصين على لاعبي المنتخب الوطني رسم الأوشام وطلبت من أولئك الذين سبق لهم أن وشموا أجسادهم برسوم على إزالتها، وذلك بهدف “إظهار الروح الإيجابية للاعبي كرة القدم الصينيين بشكل عام وتقديم نموذج جيد للمجتمع”.

كما قامت الصين بحملات صارمة على المشاهير والفنانيين إذ حظرت المشاهير على الأراضي الصينية من التباهي بالثروة في وسائل التواصل الاجتماعي لأنها تسبب اضطراباً في المجتمع وعملت على كبح جماح الرواتب المرتفعة التي تدفع للنجوم مع تضيق الخناق على المتهربين من الضرائب.

تسعى الصين إلى جعل الشباب الصيني أكثر رجولة إذ تحثهم على ممارسة الرياضة ومنعت ظهور المحنثين على التلفزيون وطلبت من المذيعين الترويج للثقافة الثورية. كما طالت الإصلاحات قطاع التعليم والألعاب الإلكترونية على الإنترنت بحيث لم يعد يسمح للأطفال والمراهقين الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً بممارسة ألعاب الفيديو عبر الإنترنت إلا لمدة ساعة واحدة يومياً بين الساعة الثامنة والتاسعة مساء أيام الجمعة والسبت والأحد فقط والإجازات المرتبطة بمناسبات معينة بهدف حماية صحة القصر البدينة والعقلية ، وبالتالي لن تكون ألعاب الفيديو عبر الإنترنت متاحة لمن هم دون 18 عاماً باقي أيام الأسبوع، ويقع على عاتق الآباء والأمهات التأكد من أن أطفالهم يحصلون على وقت فراغ كاف للراحة وممارسة الرياضة، وألا يقضوا وقتاً طويلاً على الإنترنت. ومن جهة أخرى حظرت السلطات الصينية على الطلاب والمعلمين استخدام الهواتف المحمولة داخل المدارس، كما فرضت على شركات التعليم الخاص أن تسجل كجمعيات لا تبغى الربح، وحظرتها من التدريس في عطلات نهاية الأسبوع كما أوقفت التعليم الخاص لمن هم دون سن السادسة وألغت الامتحانات المدرسية للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين  6 و7 أعوام. هذه التدابير الجديدة تهدف إلى تخفيف العبء عن كاهل التلاميذ والضغوط المالية على أهلهم، في وقت تسعى فيه بكين إلى التشجيع على الإنجاب بحيث سمحت بإنجاب 3 أطفال بدلاً من طفلين لكل أسرة، وذلك بهدف تحسين “الهيكل الديموغرافي”، والتعامل مع شيخوخة السكان والحفاظ على “موارد بشرية وفيرة” لثاني أكبر اقتصاد في العالم.

تهدف الصين بقيادة الحزب الشيوعي الصيني من وراء الحملات التي تشنها على صناعة الترفيه وقطاعات التعليم والإنترنت إلى ضمان استمرار تقدمها نحو تحقيق هدف تجديد الشباب الوطني، وفي أن تصبح دولة اشتراكية حديثة قوية ومزدهرة، والمحافظة على الثقافة الثورية الصينية خاصة بعد أن بدأت الثقافة الغربية المدمرة تطغى على المراهقين. فقد حثّ الرئيس الصيني شي جين بينغ في كلمته التي ألقاها خلال الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني الحزب على مواصلة عمله الجاد وخوض ” نضال عظيم” لتحقيق هدف تجديد شباب الأمة الصينية. وأعلن الرئيس عن الهدف المئوي الثاني للصين المتمثل في بناء الصين لتصبح دولة اشتراكية حديثة في جميع المجالات بعد تحقيق الهدف المئوي الأول في “بناء مجتمع رغيد الحياة على نحو شامل” .

وجدت الصين أنه من الضروري حماية الشباب الآن أو أنها لم تتمكن من ذلك في المستقبل عندما تطغى العادات الغربية المدمرة على المجتمع الصيني. والصين أصبحت قوة عظمى واقتصادها ثاني أكبر اقتصاد في العالم وهي تسعى لأن تصبح دولة عظمى على جميع المستويات عام 2049. ورأت أن الاهتمام بالشباب هو الأساس لأنهم عمود الدولة وأساس نموها وتطورها وهم من سيقودون البلاد في المستقبل فقد قال الرئيس شي إن الأمة قوية إذا كان شبابها أقوياء.

يمكن للدول العربية أن تستفيد من الإصلاحات التي تجريها الصين لاسيما أن الأخيرة نجحت في مجالات عديدة كالاقتصاد والقضاء على الفقر المدقع ومحاربة فيروس كورونا المستجدّ. ولا أحد ينكر أن العادات الغربية السيئة أصبحت متغلغلة في مجتمعاتنا ويتأثر بها الصغار والكبار على حد سواء واندثرت العادات العربية لصالح العادات الغربية. مثلاً نرى على وسائل التواصل الاجتماعي مشاهير عرب يتباهون بممتلكاتهم الفاخرة كالمغني المصري محمد رمضان الذي نشر فيديو له يستعرض فيه طائرته الخاصة، وياسمين صبري زوجة رجل الأعمال المصري أحمد أبو هشيمة التي تستعرض حياة الرفاهية على يخت زوجها وغيرهم من المشاهير الذين يستعرضون حياة الترف التي يعيشونها في وقت ترتفع فيه نسبة البطالة والفقر في الدول العربية. كما   شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة تزايد إقبال القاصرين على ألعاب الفيديو لاسيما في ظل سياسات الحجر المنزلي التي اتبعتها الدول لمكافحة فيروس كورونا المستجدّ إذ وجدها الأطفال والمراهقون وسيلة للتسلية والترفيه. وتسببت الألعاب الإلكترونية بارتفاع حالات الوفيات بين القاصرين ناهيك عما تسببه هذه الألعاب من تراجع القاصرين في أداء واجباتهم المدرسية وباتوا أكثر عدوانية ومنغلقون عن العالم الخارجي وأصبحوا قللي الحركة مع ما يترتب على ذلك من ظهور أمراض جسدية، كما ارتفعت أعداد المخنثين والمتحولين جنسياً في الوطن العربي. أما قطاع التعليم فحدث ولا حرج يعاني من أزمة مزمنة على الرغم من محاولات بعص الدول تطوير التعليم فيها إلا أنها محاولات ضعيفة.

الشباب هم عصب الحياة وشريانها وعماد نهضة الأمم وأساس نمو الأوطان فإذا إنهار الشباب دمر الوطن، لذلك يجب على الدول العربية أن تحذو حذو الصين وتهتم بجيل الشباب وتحميهم من التأثيرات والعادات الغربية السيئة التي تضر بهم نفسياً وجسدياً لخلق جيل قادر على تحمل المسؤولية ومواجهة المستقبل والارتقاء بالأمة العربية إلى مصاف الأمم المتقدمة.

باحثة في الشأن الصيني

t.berro2020@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.