الاردن: الرفاعي.. والدخان الأبيض

الاردن: الرفاعي.. والدخان الأبيض

المحامي الدكتور محمد فخري صويلح

في قراءة متأنية للمنتج النهائي للجنة الملكية لتحديث منظومة التشريعات السياسية بعد تسليمها للمقام السامي، وبداية رحلة ربيع أردني قد يطول لعشرية قادمة،، وبعيداً عن أي ضجيج يهدف للتقليل من حجم ما بُذل من جهد،، وبعيداً عن التقييمات المسبقة أو التوجسات لدى الشارع السياسي،، فإن مراجعة أولى للوثيقة ولعمل اللجنة الملكية تجعلنا أمام جملة من الوقفات ومنها،،

أولاً: جاءت الوثيقة في إطار سياسي ومقترح تشريعي يجيب على أسئلة التكليف الملكي، وتقدم مقاربات تجيب أسئلة الحاضر والمستقبل وتحاول التحرر من كل المعطيات السلبية التي استحوذت على المزاج الأردني خلال عقود ماضية.

وقد لا يكون منتج اللجنة النهائي حائزاً على الرضا الشعبي المنشود،، ولكنه بالضرورة يشكل خطوة في طريق إحداث تغيير حقيقي في الدولة والمجتمع، وفي المقابل فقد نجد الكثيرين في دائرة التعاطي السلبي معها ،، مما يفرض على النظام السياسي عبء تسويق الوثيقة بموضوعية وشفافية،، بل ويفرض على المطبخ الأمني- السياسي خلق مناخات تكفل للكل الوطني القدرة على تقبل واستيعاب مخرجات اللجنة ونتائج عملها، وهو ما يتطلب خطوات ملموسة وحقيقية في الساحة المحلية.

ثانياً: بدا واضحاً للمتابعين تماسك الرئيس وثقته بما سينجز، واطمئنانه الواضح إلى ما ستخلقه نتائج عمل اللجنة في واقع الوطن من تغييرات حقيقية مجتمعية وسياسية

وقد تمكن من إدارة أعمال اللجنة بالتوافق والتأطير القائم على المصالح العليا للدولة الأردنية ما جعل الأداء متوازناً مؤتياً لثماره، فيما لم تشتت المشاغبات البينية – مقصودة كانت أو غير مقصودة – مسار عمل اللجنة ولم تمنع اللجنة من إكمال عملها.

وقد لاحظ المراقبون تفاوتاً في أداء أعضاء اللجنة وتباين تفاعلهم بين مستويات عدة،، فبين مهني محترف ،، أو صامت لم يشكل وجوده أي إضافة،، أو أعضاء ارتضى بعضهم لعب أدوار لا تليق بالمهمة والتكليف، فيما اكتفى بقية بتسجيل أسماءهم في قوائم الغائبين.

ثالثاً: سجل المراقبون السياسيون وجود حالة بعثرة للصف الوطني في التعاطي مع أعمال اللجنة بسبب تآكل الثقة بما هو رسمي وغياب الثقافة المشتركة والتي تقبل التشاركية والتدرج في الاصلاح والتحديث السياسي، ولم تستطع الأطياف الحزبية والفكرية المشاركة في اللجنة تقديم مشروع ورؤية سياسية ناضجة متكاملة يمكن حمل اللجنة على قبولها كلاً أو بأغلبية ما فيها، معللين ذلك بغياب التجربة والممارسة الناضجة عند هذه الأطياف، فيما سجل الرسميون الممثلون في اللجنة والتكنوقراط حضوراً من خلال تقديم تجاربهم وما لديهم من خبرات في موضع القبول، ولعل ما سبق يجعل عقل الدولة في حالة تحد إيجابي لمحاولة ترميم الثقة بين الرسمي والشعبي وخلق شراكات حقيقية مع مكونات المجتمع لإزالة أي بواعث على الارتياب لديها،، سواء كان مع العشائر أو النقابات أو المكونات السياسية وفي طليعتها الحركة الإسلامية من خلال إشاعة مناخ حقيقي من الحريات والشفافية وتعظيم كل أدوات المساءلة للأداء الرسمي، وخلق مناخات قبول ومشاركة في العمل الحزبي والمشاركة الشعبية في كل انتخابات قادمة من خلال رفع منسوب الثقة بها.

رابعاً: ولعل التحدي الأكبر يكمن في تحويل الوثيقة وتوصياتها إلى تشريعات حقيقية يتبناها مجلس الأمة بغرفتيه، ويحولها فيما بعد إلى ثقافة مجتمعية ومنظومة عمل للمؤسسة الرسمية.

خامساً: قدمت اللجنة رؤيتها لتعزيز مشاركة قطاعين مغيبين تقليدياً عن العمل الحزبي والسياسي، وهما المرأة والشباب، مما يفسح المجال لشركاء غير تقليديين في المرحلة المقبلة، ويعجل في تصعيد وجوه جديدة وتغييب الوجوه التقليدية عن المشهد.

سادساً: فيما ركزت أعمال اللجنة على التحديث السياسي وحسب التكليف السامي لها، فإننا أمام استحقاق أساسه تكامل وتلازم المسارين الاقتصادي والسياسي،، وبما يضع المقام السامي أمام مطالبة باستكمال مسيرة التحديث من خلال لجنة ملكية لتحديث منظومة التشريعات الاقتصادية وعلى الرأس منها القانون التجاري وقانون البنوك والتأمين وتشجيع الاستثمار والشركات وضريبة الدخل والمبيعات وغيرها من القوانين.

نجح الرفاعي وفريقه في تجاوز مرحلة، وتقديم منتج سياسي وتشريعي يضيف للوطن تجربة جديدة، فيما يبقى العبء على المؤسسة الرسمية والأمنية لتقديم المنتج كحقيقة واقعة على الأرض محاطاً بضمانات تكفل نجاحه وبقاءه، وتجعله ينطلق في بيئة المئوية الثانية المثقلة بكل تحديات الديمومة والاستقرار والنمو.

كاتب ومحلل سياسي أردني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *