الجزائر: للصبر حدود

الجزائر: للصبر حدود

دكتور محيي الدين عميمور

منذ سنوات وأنا أتحكم في لجام قلمي حتى لا يخوض في قضايا المشاكل المغربية الجزائرية على أمل أن تسود الحكمة وينتزع المثقفون الوطنيون مبادرة الحوار من أشباه الديبلوماسيين وغلمان الشارع السياسي، ليرتفع المستوى إلى حيث يجب أن يكون بين العقلاء، حتى مع كل ما يحتويه من عناصر الخلاف، ليكون حوار مثمرا يعتمد الموضوعية والنزاهة ، ولا يتحول إلى ملاسنات تخصصت فيها نسوة الأزقة، حاشا السامعين والقراء.

وللأمانة، فقد كان هناك أشقاء مغاربة كانوا رموزا مشرفة للمغرب العريق وكثير هم  الجزائريون الذين كانوا أوفياء لأعظم ثورات القرن العشرين الشعبية، ولعلي أزعم أن من أهم ما أنجزه كل من الرئيس هواري بو مدين والملك الحسن الثاني هما أنهما احتفظا بالاختلاف في نطاق الحدود التي تحترم التاريخ المشترك للشعبين، بحيث لا تنزلق بعيدا عبر خطوط حمراء تغلق طريق المستقل للأبد.

ولن أذكر بموقف الرئيس بو مدين الداعم للعاهل المغربي خلال انقلاب الصخيرات، وكنت رويت كتابيا ما قاله لي من أن  استقرار العرش المغربي ضمان لاستقرار المغرب واستقرار المغرب ضمان لاستقرار الجزائر.

ثم فجر المغرب قضية الصحراء الغربية بأسلوب فرض الأمر الواقع، وحدثت وقائع كثيرة ناتجة عن العناصر الخلافية، لكن ما حدث مؤخرا كان فضيحة لم يعرفها التاريخ.

فقد رأت السلطات المغربية، وبعد سلسلة من الاستفزازات تصاعدت مؤخرا للتغطية على قضية التطبيع مع إسرائيل، والذي قال الأستاذ هيكل رحمه الله أنه بدأ في مطلع السبعينيات، عندما سُمح لعناصر الموساد بزرع ميكروفونات وآلات تسجيل في قاعات القمة العربية.

ولم يكن دعم الجزائر لمبدأ تقرير المصير في الصحراء الغربية اختراعا جزائريا، لكن عملية المقايضة بدت جزءا من الأسلوب المغربي في التعامل مع المعطيات السياسية، وكما أن اعتراف رئيس أمريكي عُرِف بحماقته بتبعية الصحراء للمغرب مقايضة بتطبيع النظام المغربي مع إسرائيل، بدا للنظام هناك مقايضة تخلي الجزائر عن مبدأ تقرير المصير بالترويج لفكر تقرير المصير لسكان منطقة القبائل الجزائرية، وفات من تخيل هذه المقايضة الغبية أن منطقة القبائل تم استفتاؤها مع بقية مناطق الجزائر في 1962، وكانت النتيجة المعروفة والتي أعلنت بها الجمهورية الجزائرية في 1962 والأصوات الناعقة التي تتحدث عن استفتاء جديد تنطلق من العاصمة الأوربية المعروفة التي زرعت بذور “فرق تسُدْ” في أرجاء المغرب العربي.

وقمة عدم التعقل هي أن من أطلقوا تلك الفكرة يعرفون أن تحقيقها هو رابع المستحيلات أو خامسها إن كان عناك رابع، ولظروف اقتصادية واجتماعية وعائلية وطبوغرافية لا يجهلها إلا جهول.

وأعود إلى السبعينيات لتتضح الأمور بالنسبة للقارئ الذي قصرنا نحن في إمداده بالمعلومات اللازمة، وكانت خلفيتنا ألا نزيد من تسميم الأجواء، وكنت كتبت يومها رسالة مفتوحة للملك المغربي قرأها الرئيس بو مدين منشورة في الصحف، وهو ما حرصت عليه حتى أتحمل مسؤولية النص وحدي.

وأجد نفسي مضطرا لنشر أهم فقرات هذه الرسالة، اعتذارا عن تقصيرنا خلال السنوات الماضية في شرح حقائق لخلاف مع القطر الشقيق.

رسالة مفتوحة إلى صاحب الجلالة

صاحب الجلالة :

مواطن من هذا البلد لم يألف طقوس الحديث مع الملوك والأمراء، يريد أن يحدث معك، فهل تأذن له يا صاحب الجلالة ؟

(..)ما الذي تفعله بهذه المنطقة، تحولها إلى أتون من القلق والتوتر، وتعيد تاريخا نريد أن ننساه، لأنه كاد يوما يكون حجر عثرة في طريق لقاء شعبين، بل حاجزا من الحقد يفصلهما إلى الأبد.

لقد صبر شعبنا طويلا يا صاحب الجلالة، وأنت أول من يعرف ذلك، وتحملت الجزائر كل المناورات والدسائس، ولم تستجب لأي محاولة يقوم بها البعض لكي تقف بين شعب شقيق، وبين قيادته التي ارتضاها، وكان هذا دليل وفائها للشعب المغربي الكريم الذي وقف بجانبها في محنتها، وأدرك بوعيه التلقائي بأن نجاح الثورة الجزائرية، هو انتصار له وحماية من أطماع الآخرين.

وصحيح يا صاحب الجلالة أن الجزائر، التي كان هناك من ينكر عليها مجرد حقها في الوجود، أصبحت خلال عقد من الزمان حقيقة دولية تثبت وجودها بالقول والفكر والعمل، وتقف في طليعة الملتزمين بقضية العالم الثالث، العاملين من أجل تدعيمه كقوة سياسية واقتصادية وثقافية، وتقوم بدورها الفعال في خلق علاقات متوازنة بين شمال العالم وجنوبه.

هذا كله صحيح يا صاحب الجلالة ولكن ماذا نفعل ونحن أبناء شرعيون لتاريخنا، لا نملك أن نتنكر له، أو ننحرف عنه، أو نفر منه، رغم نعيق الغربان، وفحيح الأفاعي ؟.

ما الذي حدث إذن يا صاحب الجلالة لكي تفتح أبواب المغرب العربي للغوغائيات، وكل مظاهر الإسفاف والابتذال، ويصل الأمر إلى حد التحريض السافر على أمن الجار والشقيق ؟.

لقد سوينا مشاكلنا معا يا صاحب الجلالة، وكانت الاتفاقية، التي وقعتها مع أخيك الرئيس هواري بومدين في الرباط، الاتفاقية الأولى في التاريخ التي شهد توقيعها أكثر من 40 رئيس دولة وحكومة، وهي الاتفاقية التي صادقت عليها الجزائر ولم يصادق عليها المغرب الشقيق، لأسباب هُمِسَ بها ولم تعلن قطّ من طرفكم، ولكن الجزائر، رغم عدم اقتناعها بما سُرّب إليها من مبررات، لم تنتهز الفرصة لتندد بما في ذلك التصرف من احتقار لقارة بأكملها، بجانب ما يثيره من شكوك في النوايا الحقيقية للذين يتحدثون باسم الجار والشقيق.

والتقيت يا صاحب الجلالة مع أخويك الرئيسين بومدين وولد داده في نواديبو، ثم في أغادير، واتفقتم جميعا على إتباع سياسة التشاور والتعاون، ليمكن رسم طريق تسلكه شعوبنا نحو وحدتها وتكاملها، ولنتمكن جميعا من القيام بواجبنا نحو بلادنا ونحو أمتنا التي مازالت تعاني من جرحها الدامي في فلسطين، ولكي لا نشغل أنفسنا بقضايا جانبية تؤثر على جهود يجب أن نبذلها إيمانا بعروبتنا وإسلامنا وبدورنا الحضاري.

وكنا نأمل ونحن ننزع الأشواك من طريقنا معا، أن نجعل منه طريقا ينبثق من الملاحم التي سجلتها شعوبنا عبر تاريخها العريق، تضيئه المحبة والإخاء، ويحمي مسيرته احترام الجار وقبول اختياراته الوطنية، وتختفي من سمائه غيوم القلق والتوتر، ولا يتعرض السائر فيه لوحوش الشك والريبة والغدر والخديعة.

ولقد اتفقتم يا صاحب الجلالة على اللقاء وعلى الحوار وعلى تبادل وجهات النظر في كل القضايا المشتركة، فأين نحن من هذا كله .. يا صاحب الجلالة.

لقد فجّرتَ قضية الصحراء، يا صاحب الجلالة، رغم أنك تعرف جيدا، وأنت القانوني الضليع، إنه لا حق للملكة المغربية مطلقا في فرض سيادتها على تلك الأرض.

ولن أذكرك بالنص الصحيح للاتفاقيات التي وقعها سلطان المغرب مع ملك إسبانيا، والتي يعترف فيها السلطان بأن حدود سيادته الوطنية لا تتجاوز جنوبا “واد نون” الموجود حاليا في الأرض المغربية شمالَ شمالَ الصحراء الغربية (وتكرار الكلمة مقصود) وهي على التحديد :

– ( اتفاقية 28 ماي 1776 التي وقعها سلطان المغرب سيدي محمد بن عبد الله بن إسماعيل مع الأمير دون كارلوس الثالث ملك إسبانيا والهنود المادة 18 ).

– ( اتفاقية باريس التي جددت وأكدت باتفاقية مكناس في 1 مارس 1797 – مادة 22).

( اتفاقية 20 نوفمبر 1861 المادة 38 الفقرة 3 ). هذا كله بجانب اتفاقية 9 سبتمبر 1856 المادة 12 بين المغرب والمملكة المتحدة ).

وربما كان خطؤنا الحقيقي أننا لم نعلن هذا الرأي قبل اليوم، ربما لأننا كنا نقدر مشاكلك الداخلية التي تفرض عليك خلق قضية تضمن الوحدة الوطنية حول العرش، وهذا من حقك يا صاحب الجلالة إذا لم يصطدم برغبات شعب شقيق يرتبط معنا ومعكم ومع آخرين في منطقتنا بأكثر من روابط الجوار.

لكننا لم نكن نتصور،  يا صاحب الجلالة، وأنت الذي يعرف قواعد القانون الدولي مثلما أعرف أنا حروف الهجاء، أن تتناسى أن حق تقرير المصير هو مكسب من مكاسب العالم الثالث، حصل عليه بثمن رهيب من الدماء والضحايا والدماء، وإذا بك تعلن الحرب المقدسة ضد شعب ضعيف كل ذنبه أنه قارن بين الاستعمار الإسباني وبين سيطرتك عليه فرفض الاثنين، وأيدته المجموعة الدولية ومنظمة الوحدة الإفريقية.

لكن للتاريخ يا صاحب الجلالة أقول، بأنه لم يكن في هذا البلد مواطن يصدق بأنك ستقوم بحرب حقيقية ضد إسبانيا لانتزاع ما لا تملك ولسبب بسيط، لأننا اتبعنا في الحكم على الأمور مقاييس المنطق السليم.

وقررت رفع قضية الصحراء إلى محكمة العدل الدولية، وكنا نحن من بين الذين صفقوا لك لأننا كنا نزهاء معك ومع أنفسنا، فلم نقل كلمة واحدة، اللهم إلا ذلك التأييد الذي تحدثت أنت عنه بنفسك يوم قلت بأن الرئيس بومدين قد وعدك بأن يكون الجيش الجزائري إلى جانبك إذا دخلت في حرب مع إسبانيا.

وشعرنا جميعا وقتها بأن الحكمة انتصرت في النهاية لأن القانون الدولي الذي احتكمت إليه سيصدر حكما لن يملك أي طرف حق مجادلته، وبهذا تنقشع عن سماء مغربنا سحابات التوتر والقلق.

في نفس الوقت طلعت علينا الأخبار بقصة اتفاقية “فاس” التي اتفقت فيها مع فخامة الرئيس ولد داده على اقتسام الصحراء.

وصدر رأي المحكمة رغم كل مناوراتك وضغوطك ومبعوثيك لينص بوضوح على عدم ثبوت سيادتك الإقليمية على الصحراء.

لكنك يا صاحب الجلالة أدرت ظهرك لحكم لاهاي، وكان عليك وأنت القانوني الضليع أن تعترف بأنك كنت مخطئا وتقبل حكم المجتمع الدولي، لكنك يا صاحب الجلالة، ومعذرة لهذا التعبير، سفسطت الحكم كما أردت، وتبجّحت بانتصار لم يتم، ثم لجأت إلى قانون الغاب، وطلعت علينا بحكاية المسيرة ( أو فلنقل بصراحة الغزو الصريح المباشر ).

فلنراجع قرار محكمة لاهاي معا.

قالت محكمة العدل الدولية بصريح العبارة بأن الأرض الصحراوية لم تكن أرضا مواتا، أو أرضا سائبة (والتعبير من إحدى الصحف المغربية ) أي أنها لم تكن، عند احتلالها من طرف اسبانيا، في القرن الماضي، أرضا ” يسرح فيها الذيب “، بل كان فيها سكان لهم نظامهم العشائري أو القبلي، ويتحركون عبر الجزء الغربي من المغرب العربي سعيا وراء الماء أو الكلأ.

قالت المحكمة أيضا بصريح العبارة بأنه لم يثبت لها – طبقا للوثائق المتوفرة لديها – وجود أية علاقة سيادة بين المملكة المغربية والصحراء الغربية.

وضربت بهذا كله عرض الحائط، متناسيا وأنت القانوني الضليع، بأن الحكم القضائي كل لا يتجزأ، فأخذت فقرة من القرار فسرتها كما تريد، لتجعل منها المقود القانوني لمسيرة الغزو التي نظمتها.

وأنا على استعداد لدراسة تلك الفقرة معك، إذا سمحت يا صاحب الجلالة .

تقول الفقرة وبالنص الحرفي ” كانت هناك روابط ولاء قانونية ( قانونية بمنطق القرن الماضي طبعا ) بين سلطان المغرب، والبعض من القبائل التي كانت تعيش على الأرض الصحراوية “.

وبكل تواضع ألفت نظرك يا صاحب الجلالة إلى النقاط التالية :

– الروابط كانت روابط شخصية لا دولية، فهي بين شخص ومجموعة أشخاص، وهذا، قانونا، لا علاقة له بالتراب لأن الشخص يتحرك وينتقل ويموت.

– القرار لم يقل عن تلك العلاقات بأنها كانت بين الملك وبين سكان الصحراء، بل قال إنها كانت بينه وبين ” البعض من القبائل ” ( لم يقل كل القبائل، بل قال ” البعض من القبائل ” ) التي كانت تعيش على الأرض الصحراوية ( كانت تعيش على الأرض، ولم يقل القرار حتى ” بعض القبائل الصحراوية ” لأن الواقع يقول بأن تلك القبائل كانت من البدو الرحل، الذين كانوا يتنقلون عبر تلك المساحات الشاسعة التي يمثلها غرب المغرب العربي.

بل إن القرار لم يقل إن الروابط كانت مع بعض قبائل الصحراء التي قد يفهم منها أنه لم يكن في الصحراء إلا ” بعض قبائل ” هي التي بايعتك ( كما تقول ) بل إن القرار ينص على أن تلك الروابط كانت مع ” البعض من القبائل ” أي أنه كانت هناك قبائل أخرى تعيش على أرض الصحراء، لا تعترف بك ولا تقبل بيعتك.

– القرار يتحدث عن ” روابط ولاء قانونية ” أسميتها أنت ” بيعة “، أعلنت بها البعض من القبائل ولائها لسلطان المغرب آنذاك، ولن أجادلك يا صاحب الجلالة في هذه النقطة، إذا اتفقت معي في أن البيعة كانت بيعة شخصية لا بيعة عينية، حتى لا ندخل في متاهات الفرق بين الولاء وبين البيعة.

لكن نقطة جوهرية فاتتك يا صاحب الجلالة وأنت تتخذ من تلك البيعة دليلك الرئيسي على سيادة إقليمية لم توجد قط إلا في أحلامك، هذه النقطة هي أن البيعة كانت لملك مات منذ زمن، والبيعة ليست وراثية، بل لابد من تجديدها كلما جاء ملك أو سلطان جديد.

وكل ما قلناه هو ” فليبايع هؤلاء الناس من يريدون “، أي فليقرروا مصيرهم بأنفسهم، بدون ضغط أو إرهاب أو غزو أو احتلال.

قلنا هذا وقاله معنا كل المجتمع الدولي، ولكن حتى هذا رفضته يا صاحب الجلالة، رفضت أن تطبق القاعدة التي ناديت أنت بنفسك بتطبيقها، رغم أننا قلنا، أيضا على رؤوس الإشهاد، أننا لا نطالب بشيء، وليست لنا أي مطامع ترابية.

أليس من حقنا والحال هذه أن نقول بأن قضية الصحراء لم تكن سوى ” سبة وملاقيتها حدور “، وبأنها واجهة تخفي هدفا آخر أشد خطورة من مجرد محاولة التوسع الإقليمي نحو جزء من الصحراء الغربية، بل هي على وجه التحديد تطبيق سياسة المجال الحيوي ” الهتلرية “.ا.هـ.

وما زال للحديث بقية

مفكر ووزير اعلام جزائري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *