العراق بين التفجير السريع والتهدئة السريعة.. لقاء شخصي مع نوري المالكي

العراق بين التفجير السريع والتهدئة السريعة.. لقاء شخصي مع نوري المالكي

د. عبد الحميد فجر سلوم

**

الصراعات السياسية في العراق بين أجنحة الحُكم الشيعية، بدأت منذ استلامهم للحُكم بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ، والذي جاء بهم..

إلّا أنّ الخارطة السياسية اختلفت كثيرا بين الأعوام التي تلَت الغزو، وبين اليوم.. وتشكّلت كثيرا من الأحزاب والتحالفات والتكتلات، ولكن بقيت الرموز الأساسية الكبيرة طيلة هذا الزمن، إلى أن استقرّت على ما هي عليه حاليا..

adفأضحت هناك، عموما، قوى سياسية متنوعة ومختلفة الولاءات:

ــ منها من لها توجهات عروبية واضحة (التيار الصدري) ورئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي.. وآخرين كُثُرا..

وعُروبيوا العراق، فضلا عن غالبية عُلماء شيعة العراق، لا يعترفون إلا بمرجعية النّجف، وأنها هي الأساس وفوق كل المرجعيات، وبرأيهم، فمرجعية “قُم” يجب أن تتبع لها، وليس لِطهران..

ــ ومنها من لهُ توجهات إيرانية مُطلقَة (جماعة الحشد الشعبي)، وهؤلاء هُم من يؤمنون بنظرية “ولي الفقيه” المُختلَف عليها بشدّة لدى المرجعيات الدينية الشيعية، التي يَعتقِدُ الكثيرُ منها أنهُ تم الابتعاد عن جوهرها ومعانيها وغاياتها، وتمّ تسييسها، فحادَت عن أهدافها وتسبّبت بانقسامات كبيرة داخل الطائفة الشيعية، بدءاً من إيران ذاتها، وكافة البُلدان التي يتواجد فيها شيعة..

ــ ولكن كل من يؤمنون بنظرية ولي الفقيه فإنما يأتَمِرون بالكامل بأوامر ولي الفقيه وينفِّذون تعليماته على أنها أوامرا لا يجوز نقاشُها ومهما كانت التكاليف حتى لو كانت التضحية بالنفس.. ويؤمنون بقيام أنظمة حُكم دينية إسلامية تكونُ جزءا من جمهورية إيران الإسلامية الكُبرى.. وهذه هي آيديولوجة الإسلام السياسي..

ــ وبين هذين التيارين هناك تيارا ثالثا يُحاول أن يمسك العصا تقريبا في المنتصف، فهو موالٍ لإيران ولكن لديه توجهات عروبية أيضا ويحرص على التقرُّب من محيطه العربي (بعض أطراف “الإطار التنسيقي” كما جماعة نوري المالكي وحيدر العبّادي وعمار الحكيم.. الخ..)..

**

حينما استلم نوري المالكي، رئاسة الحكومة العراقية في ربيع 2006، أول زياراتهِ كانت لبعض الدول الخليجية للتأكيد على بُعدهِ العروبي، فزار الرياض ثم أبو ظبي.. وفي أبو ظبي دعَت السفارة العراقية كافة رؤساء البعثات العربية إلى لقاء مع السيد المالكي في فندق قصر الإمارات، حيثُ كان يُقيم.. وكنتُ من بينهم..

بدأ السيد المالكي بتقديمِ عرضٍ عن الحالة في العراق، واستغرق حديثه حوالي نصف ساعة، وكان في مُعظمهِ غمزا على سورية، وأنها من تسمح بدخول (الإرهاب) من أراضيها لزعزعة الأمن والاستقرار في العراق.. وبدا أنه لا يكنُّ ودَّا لسورية.. بل في تصريحات عديدة اتّهم سورية بتمرير الجهاديين للعراق، وقدّم شكوى لمجلس الأمن الدولي بعد التفجيرات التي حصلت في بغداد في أيلول 2009 ..

بعد انتهاء كلامهِ أعطى الكلام لرؤساء البعثات الدبلوماسية العربية، وحينما جاء دوري تحدّثتُ حوالي خمس دقائق، وركّزتُ فيها على الرد على كل ما قالهُ المالكي وغمزَ فيه من قناة سورية، وأكّدتُ حرص سورية على أمنِ وسلامة ووحدة واستقرار العراق الشقيق لأن كل ما يحصل في العراق سينعكس على سورية، ليس من اليوم وإنما منذ زمن الأمويين والعبّاسيين، فالترابط بين دمشق وبغداد قويا ولم ينقطع عبر التاريخ ولا يمكن أن ينقطع بِحكم التاريخ والجغرافية والثقافة والتداخُل العشائري والأهلي.. الخ.. ومن هنا فسورية أحرص الناس على أمن واستقرار العراق..

**

بعد نهاية الاجتماع وقف المالكي إلى جانب أعضاء الوفد المُرافق لتوديعنا، فتعمّدتُ أن أكون آخر المُودِّعين لأنني نويتُ (بجُرأتي المعهودة، والتي كلّفتني كثيرا في حياتي، وهذا ليس تبجُّحا ولا مديحا) نويتُ أن أقول لهُ بعض الكلمات على انفراد.. وفِعلا حينما تقدّمتُ ووضعتُ يدي بيدهِ، قلتُ له:

يا معالي رئيس الوزراء مُعظم حديثك كان غمزا على بلادي، وأؤكِدُ مُجدّدا أننا في سورية أحرَص على العراق من كثيرين من أبناء العراق ذاته، ووقفنا ضد غزو العراق (طبعا المالكي كان مع الغزو) لأننا نُحِبُّ العراق وشعب العراق، فنحنُ تاريخٌ مُشترك، وأمّة واحدة، وجمعتنا منذ آلاف السنين الآلام والآمال المُشتركة، ولا يُمكن أن نُقدِم على أية خطوة ليست في مصلحة العراق..

فأجابني قائلا: ولكن أحِبُّوه من كلِّ قلوبكم..

فقلتُ لهُ نعم نُحِبُّهُ من كلِّ قلوبنا، محبّة نزار قباني لِبلقيس.. ونتغزّل بهِ كما تغزّل نزار قبّاني بهِ في قصيدتهِ الشهيرة (إفادةٌ في محكمة الشِعر) ولا بُدَّ أنك قرأتها..

فضحِكَ حينها، وتغيّرت ملامحهُ، وقال لي: هل تعرِف أنني أمضيتُ 12 عاما في دمشق؟.

فقلتُ له نعم لقد قرأتُ عن ذلك، وقرأتُ عنك كثيرا قبل أن أحضُر لهذا اللقاء.. وتابعتُ مازحا، وقد سمعتُ أنكَ كنتَ تبيع (المسابح) عند مقام السيدة زينب.. فضحِك، وغادرتهُ ضاحكا أيضا..

**

مُشكِلةُ العراق هي في الفساد والفاسدين، والأيادي الخارجية، وتوابعها في الداخل، والتي عطّلت تشكيل حكومة كل هذا الزمن، رغم أن كُتلة مُقتدى الصدر هي أكبر الكُتل البرلمانية، وحتى بعد إعادة فرز الأصوات يدويا، تأكّد أن عدَّ الأصوات كان صحيحا، ولكن استمرّ تعطيل تشكيل حكومة.. فكانت كل هذه التداعيات على مرِّ أشهرٍ حتى وصلت إلى هذه المرحلة التصعيدية.. ومن يدفع الثمن دوما هو شعب العراق..

**

ولكن مهما حصل من توترات وتصعيد بين القِوى السياسية، فلا أعتقد أن أحدا يمكن أن يتورّط في حربٍ أهلية.. لأنّ هناك مرجعية دينية في النّجف، الجميع يحترمها ويعمل أخيرا بتوجيهاتها، وأعتقدُ أنّ تدخُّل المرجعية هو من جعل مُقتدى الصدر ينقلب خلال 24 ساعة، ويدعو أنصارهُ للخروج من المنطقة الخضراء في غضون ساعة..

 فالمرجعية لا تتدخّل في الشؤون السياسية، إلا أنها لا يمكن أن تسمح بالانزلاق نحو حربٍ أهلية وسفكٍ للدماء.. وهي صمّام الأمان للعراقيين، جميعا، وكافة القادة السياسيين والروحيين يحترمون ويصغُون لصوت المرجعية، باستثناء رُبّما (وأقول رُبّما) تلك القِوى التي تعتبر مرجعيتها هي ولاية الفقيه..

**

وبالمُقابل، لا أعتقد أن العراق قد ينزلق نحو التقسيم، ولو كان ذلك في نيّة الولايات المتحدة لفَعَلت ذلك مباشرة بعد الغزو عام 2003، حينما كانت تحتل العراق، وكان الأمرُ سهلا فلم تكُن كل هذه الأحزاب والقوى السياسية، ولا دستورا ولا جيشا..

وتجدرُ الإشارة هنا أنه في عام 1992، وبعد زمنٍ على إخراج القوات العراقية من الكويت، وكنتُ حينها عضوا في وفدِ بلادي لدى الأمم المتحدة في جنيف، تقدّم الوفد الأمريكي بمشروعِ قرارٍ إلى لجنة حقوق الإنسان في دورتها السنوية العادية (قبل أن تتحوّل إلى مجلس حقوق الإنسان عام 2006) وأثارَت انتباهُنا فقرة في مشروع القرار تُوحي وبشكلٍ مُبطّنٍ إلى أخذِ العراق نحو التقسيم مستقبلا.. فبادر السفير السوري حينها إلى لقاء المندوب الأمريكي لدى اللجنة (وكان ذاك قادِما من العاصمة واشنطن) وكنتُ برفقةِ السفير، وشرح له مخاطر هذه الفقرة مستقبلا على وحدة أراضي العراق، ثم سألهُ: هل أنتم تنوون تقسيم العراق؟. فقال المندوب الأمريكي (وكان أسمر البشَرة) كلّا هذا ليس بنيتنا إطلاقا..

ونعرفُ كيف أن واشنطن منعت استقلال منطقة الحُكم الذاتي الكُردية، بعد إجراء الاستفتاء لهذا الغرض في أيلول 2017 وكانت النتيجة أكثر من 90 % مع الاستقلال.. ولكن الولايات المتحدة منعت ذلك..

طبعا هذا ليس مديحا للولايات المتحدة، وإنما توصيفا للأحداث..

**

بعيدا عن كل ما تقدّم، يبقى العراق، كما أي بلدٍ عربيٍ، محكومٌ بعقولٍ جاهليةٍ، ما زالت مُتوارَثةٍ في جيناتنا منذ زمن الجاهلية، وهي حبُّ السُلطة والتسلُّط ورفضِ الآخر، ولذلك لا أحدا يُغادرها بمحضِ إرادته.. هذا على الرغم من أن دستور العراق، ورغم سلبياتهِ، إلا أنهُ يبقى مُتقدِّما على كافّة الدساتير العربية، إن لِجهةِ تحديد صلاحيات السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة) وإعطاء صلاحيات هامّة للسلطة التشريعية(البرلمان) في مجال الرقابة والمُحاسَبة.. وأيضا لِجهة التأكيد على الحريات الأساسية للمواطنين، وحقوق المرأة، وضمان حقوق الأقليات القومية والدينية، والتداوُل على السُلطة..

وحضرتُ شخصيا بعضا من نقاشات الأطراف العراقية للدستور قبل إقرارهِ، حينما استضافتهُم أبو ظبي عام 2005، وتمّت حينها دعوة بعض البعثات الدبلوماسية العربية لحضور تلك النقاشات، وقد لبّيتُ الدعوة..

**

لا يوجدُ في الدستور مُحاصصات طائفية ومذهبية وعرقية، إلا أنّ الطبقة السياسية دعست على الدستور، وتوزّعت بين بعضها المناصب على أسسٍ مذهبية وعرقية.. فأصبح رئيس الجمهورية كرديا، ورئيس مجلس النواب سُنّيا، ورئيس الوزراء شيعيا..

**

المُحاصصات الطائفية والدينية والمذهبية والعِرقية، هي بحدِّ ذاتها كارثية في أي بلدٍ ..

فأنظمة المحاصصات لا تقوم على اختيار الأكفأ والأحق والأقدر.. وإنما على المصالح الأنانية والضيقة وتقاسُم المكاسب، وعلى الأكثر قوة وتأثيرا ونفوذا داخل الطوائف والعشائر، أو الأكثر دعما والتماسا لدى أجهزة الدول العميقة، وأحيانا الأكثر زعرنة وبلطجة، بِحسب الحالة في كل بلد.. (زعامات الحرب الأهلية في لبنان كانوا وما زالوا هم أنفسهم) ..

وحينما تنحدر تلك المُحاصصات إلى مستوى (الفئوية) فتُصبِحُ أكثر كارثيةً.. أي حينما تحتكرُ فئةٌ بعينها، ضمن الطائفة أو الدّين أو المذهب أو العشيرة، أو العِرق، أو الحزب، تحتكرُ دوما تمثيل المُكوّنات، من جيلٍ لآخرٍ، أو من مرحلةٍ لأخرى، هنا يكون الأخطر، إذ نكون أمام حالات لا تكتفي فقط بالمحاصصات وإنما بهيمنةِ وسيطرةِ فئات بعينها على تلك المحاصصات.. دون أدنى اعتبار لدور النُخَب الثقافية والعلمية والفكرية بالمجتمع، وتغييب دورها، وانتقاء المدعومون والمزاودون والمُتملقون من بينها..

أيْ يمكن القول أن ” الفئوية” هي أبشع أشكال الإقطاع السياسي في أي بلدٍ كان.. هي عقلية عصور وسطى.. هي عصارة داء ووباء الطائفية السياسية والطائفية الدينية والعصبيات القبَلية والعشائرية مجتمعةٌ بجهاتٍ بعينها.. وتعكسُ نظامَ حُكم شديد التخلُّف، حينما يُصبِحُ تمثيل الطوائف والأحزاب مُلكا حصريا، لأطراف أو عائلات بعينها، داخل الطوائف والأحزاب ذاتها وهذه فئوية، وكأن هناك من خُلِقوا ليكونوا فقط في المناصب..

**

الثقافة الفئوية تعني تفصيل وطن ودولة وحكومات وأنظمة على مقاسات وأهداف المصالح الضيقة والفئوية لجماعات وفئات بعينها داخل الأوطان.. ومن هنا يأتي لاحقا احتكار السُلطة، والثروة، والمناصب..

هذا يخلق حالة من الفساد والإفساد وتوزيع ثروات الوطن ومناصبه بين تلك الأقطاب الفئوية، ويَحول دون المُحاسبَة.. وهذا ما رسّخوهُ في العراق، ولبنان، وهذا ما يُناضل مُقتدى الصدر لوضع حدٍّ نهائيٍ له..

وكل هذه العوامل لها انعكاسات خطيرة مع الزمن لا بُدّ أن تدفع بالجماهير للشوارع، لأنه لا بُدّ أخيرا من أن يفيض الكيل وينفذ الصبر على الفساد والفاسدين والفئويين، لاسيما حينما ينتشر الفقر والجوع والحرمان والبطالة والغلاء بقوة، وتتشكّل في المجتمع طبقة أسياد وطبقة عبيد وكأننا في العصور الوسطى من التاريخ.. وهذا ما شهدهُ العراق عام 2019 وكذلك لبنان والسودان والجزائر.. الخ..

**

وهنا يعتقد البعض أن ما يليق بهم لا يليق بغيرهم، وكل ذلك يحضُّ على الكراهية ونبذ الآخر أو التقليل من شأنه، وعلى العصبيات أو التعصُّب للطائفة أو المذهب أو العشيرة، أو التمترس خلف ذلك.. فالتعصُّب يعني نظرة كل طرف لنفسه أنه هو الصح وغيره الخطأ.. والتعصب هو موقف عدائي من الآخر (أحيانا يصل لدرجة الحروب والاقتتال أو التكفير) . ولكن تبقى المُشكلة ليست بالطائفة، وإنما بالطائفية.. وليست بالعشيرة وإنما بالعشائرية.. وليست بالمذهب وإنما بالعصبية المذهبية، وليست في الدين وإنما بالتعصب الديني .. الخ..

ومن البديهي أنه كلما زاد التعصُّب الديني والمذهبي والعشائري والعرقي في أي مجتمع كلما زاد المجتمع تفككا وتشرذما وضعفا، وكلما ضعُف بالمقابل شعور الانتماء للوطن لِحساب الانتماء للأديان والطوائف والمذاهب والأعراق، أو سواها..

 وحينما تصبح مصالح الطوائف متناقضة، وكلٍّ يرى مصلحته في الولاء لهذه الدولة أو تلك، وتمدُّ أياديها للخارج، لأجل الدّعم والاستقواء على بعضها بعضا، فحينها تتحول الأوطان إلى براميل بارود قابلة للاشتعال بأية لحظة..

**

نتمنى للعراق الشقيق أن يتغلّب على مِحنهِ ويتجاوزها، وشخصيا أعتقد أن العراق لا يمكن أن ينزلق نحو الأسوأ، ولكن التوترات والصراعات السياسية سوف تستمر..

كاتب سوري وزير مفوض دبلوماسي سابق