تسريبات ظريف… إيران كانت على موعد مع فتنة عظمى وكيري لم يفشِ الأسرار الإسرائيلية

تسريبات ظريف… إيران كانت على موعد مع فتنة عظمى وكيري لم يفشِ الأسرار الإسرائيلية

براء سمير إبراهيم

أيامٌ مضت على تسريب قناة “إيران إنترناشيونال” الممولة سعودياً، لمقابلة سرّية أجراها وزير الخارجية الإيراني “محمد جواد ظريف” في شهر شباط الماضي، مع “مركز الدراسات الإستراتيجية” (وهي مؤسسة فكرية تُعنى بأرشفة تاريخ الحكومات الإيرانية المتعاقبة لتكون دروساً مُستفادة للأجيال القادمة)، ولم تنتهِ تداعيات ونتائج ذلك الأمر حتى الآن.

[التسريب ينعش الخلافات الأمريكية]

إذ تجاوزات الأصداء وردود الفعل حدود إيران ووصلت إلى الولايات المتحدة، بعد أن كشف ظريف في حديثه عن إبلاغه من قبل وزير الخارجية السابق “جون كيري” بأن “إسرائيل” استهدفت مواقع إيرانية في سورية 200 مرة على الأقل، ورغم نفي كيري لصحة ما جاء في كلام ظريف بتغريدة كتبها الإثنين الماضي على تويتر وجاء فيها :

“هذا لم يحصل أبدا.. سواء عندما كنت وزيرا للخارجية أو منذ حينه”، إلا أن تبرير كيري لم يستطع على مايبدو أن يمنع الخلافات بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري من الظهور مجدداً على الساحة السياسية الأمريكية، حيث عمد عددٌ من جمهوري مجلس الشيوخ إلى التعليق على التسريبات وتوجيه انتقادات واتهامات لكيري بالعمالة لإيران وخيانة حليفة واشنطن الأولى “تل أبيب”، مطالبين بالتحقيق معه وعزله من منصبه كمبعوث الرئيس الأمريكي “جو بايدن” لشؤون المناخ.

[ تدويل كلام ظريف لمصلحة الجمهوريين]

وإذا ما عدنا إلى التقارير الإعلامية المختلفة التي تحدثت عن التسريب، نجد أن الجملة التي قالها ظريف حول إبلاغ كيري له عن الضربات الإسرائيلية على مواقع إيرانية في سورية، جاءت في سياق انتقاد ظريف لعدم إخباره من قبل الحرس الثوري الإيراني عن تطورات الأوضاع الميدانية في سورية وعدم وضعه في صورة الأحداث هناك، كما أنها تأتي بعد شكوى ظريف من تحكم قواعد ومعادلات الميدان في السياسة الدبلوماسية.

وبناءً على ذلك ومع الأخذ بنظر الإعتبار أن ظريف لم يقل حرفياً أن كيري أبلغه بموعد الهجمات قبل حدوثها، فإننا نستطيع القول أن ظريف الذي لطالما أكد في حديثه على ضرورة الفصل بين ساحة المعركة وطاولة المفاوضات لم يكن يرغب إطلاقاً بأن يكون له دور أو تأثير في القضايا العسكرية، فكيف سيكون له الفضل في تجنب المواقع الإيرانية في سورية لأي آثار سلبية من جراء الضربات الإسرائيلية؟!، كما أن وقوع أضرار بشرية ومادية في صفوف الإيرانيين بسبب الاعتداءات الإسرائيلية على مواقعهم كفيلٌ بأن يؤكد أن إيران لم تكن على علم مُسبق بهذه الضربات.

وإنما كل ما في الأمر أن كيري ربما أطلع ظريف على هذه المعلومات في أحد الأحاديث الجانبية كزلة لسان أو بطريقة غير مقصودة أو أنه تعمد إخباره بذلك بهدف إحداث نوع من الفتنة الداخلية بين فرعي السلطة الإيرانية المدني والعسكري لأن تلك المعلومات كانت صادمة نوعاً ما لظريف ولم يكن يعرفها من قبل بحسب التسجيل المسرّب.

وبالتالي فإن تسريبات ظريف لم تثبت أن كيري أبلغه بأي ضربات إسرائيلية مُسبقة، ومن الواضح أن المئتين ضربة التي تحدث عنها الوزير الإيراني كان يقصد بها على مايبدو حصيلة الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مواقع إيرانية في سورية خلال الثماني سنوات الماضية التي حكم بها الرئيس حسن روحاني.

[ فتنة كبرى كانت بإنتظار إيران تجاوزتها بفضل ظريف!]

ومع أن الهدف من تسريبات ظريف في هذا التوقيت تحديداً كان إشعال نار الفتنة بحسب ما أعلنته طهران، إلا أنه من الظاهر أن الفتنة لم تكن مقتصرة على ما جرى الحديث عنه فقط بأنها ترمي إلى تأجيج الخلافات بين المحافظين والإصلاحيين خاصةً مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في حزيران المقبل، بل لو أننا نظرنا إلى توقيت التسريب الذي يتزامن مع وجود وزير الخارجية الإيراني في العراق لوجدنا أن من سرّب تلك المقابلة كان متخيراً لهذا التوقيت بعناية ولغاية معينة ولعلنا لا نجافي الحقيقة إذا قلنا أن هذه الغاية هي تحريض ظريف والتغرير به للإنشقاق عن الحكومة الإيرانية والهروب إلى الولايات المتحدة التي تمتلك العديد من القواعد في العراق حيث يتواجد ظريف الآن، خاصةً إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار ردود الفعل الغاضبة في إيران سواء على المستوى السياسي أو الشعبي التي أعقبت تسريب التسجيل، لحفز ظريف على الإفلات من المساءلة التي يعتزم البرلمان الإيراني إجرائها معه فضلاً عن الإنتقادات الأخرى التي طالته من مسؤولين ودبلوماسيين إيرانيين، إلا أن إخلاص ظريف الذي أكد عليه في ردّه على التسريب يبدو أنه جنّب إيران الدخول في مأزق سياسي وأمني كبير ودرء عنها خطر فتنةٍ عظيمة كادت أن تحيقَ بها.

[ الإتفاق النووي هدف آخر للتسريب]

وإلى جانب مشروع الفتنة، لا بد من الإشارة إلى أن عرقلة العودة إلى الإتفاق النووي الإيراني كانت أيضاً هدفاً وراء تسريب مقابلة ظريف، والغاية إضعاف موقف إيران التفاوضي وإرباكها خلال المحادثات الجارية في ڤيينا حالياً، وفي ذات الوقت تشتيت الجانب الأمريكي عبر مطالبة الجمهوريين لإدارة بايدن بأن تسعى خلال المباحثات إلى عقد اتفاق جديد مع إيران يأخذ المخاوف والمطالب الإسرائيلية بعين الإعتبار بعد أن أثبت تسريب ظريف على حد زعم البعض بأن الإتفاق النووي الحالي كان كما أرادته إيران أن يكون، وفي ذلك يقول السيناتور الجمهوري “ميتش ماكونيل” : “هذه التصريحات تظهر لماذا لا ينبغي للولايات المتحدة رفع العقوبات عن إيران”.

بالإضافة إلى ذلك فإن حديث ظريف خلال التسريب عن جهود بذلتها روسيا في العام 2015 لمنع توقيع الإتفاق النووي وأنها كانت تسعى إلى إلزام إيران بالحصول على موافقة من مجلس الأمن كل ستة أشهر لإستكمال برنامجها النووي السلمي وامتعاض الجانب الإيراني من تلك المساعي الروسية وقتذاك، يستهدف أيضاً العملية الدبلوماسية الدائرة الآن حيال المعاهدة النووية، إذ أن روسيا عضو فاعل في هذا الإتفاق وتقوم بدور مهم حالياً في الوساطة بين الجانبين الأمريكي والإيراني لتقريب وجهات النظر المختلفة تمهيداً لإجراء محادثات مباشرة بين الطرفين.

[ تحدٍ جديد يفرض نفسه على إيران]

ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن تسريب ذلك التسجيل يعتبر ورقة اختبار جديدة لإيران، فالإختراق الخارجي اليوم لم يمس المشروع النووي كما كانت الاستهدافات الداخلية الماضية كهجوم نطنز واغتيال العالم محسن فخري زاده، بل الاعتداء الأخير كان يستهدف أمن الدولة الإيرانية بشكل خاص، إلى جانب ذلك فإن إيران باتت الآن بين خيارين أسهلهما صعب وأحلاهما مرّ، فهي من جهة تحاول فهم الدوافع التي جعلت ظريف يقول ما قاله في المقابلة السرّية المسرّبة، ومن جهة أخرى ينبغي عليها التعامل بحكمة وحنكة مع هذا الموضوع خاصةً مع ترصد أعداء البلاد للفتنة فيها وسعيهم لإغتنام أي فرصة للتدخل في الشؤون الداخلية لإيران تحت دوافع مختلفة أبرزها شعارات العدالة وحقوق الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *