تصحيح المسار الثوري في تونس.. كيف إختار قيس سعيد الإلتحام بالجماهير؟

تصحيح المسار الثوري في تونس.. كيف إختار قيس سعيد الإلتحام بالجماهير؟

سفيان بن مصطفى بنحسين

بقرارت إنتظرها الشارع وطالب بها السواد الأعظم من التونسيين قام الرئيس قيس سعيد بتجميد عمل مجلس النواب وسحب الحصانة عن أعضائه الذين حولوا رحابه إلى حلبة للملاكمة وإعفاء رئيس الحكومة المتحصن بحزام سياسي قوامه النهضة وبعض الأحزاب الصغرى التابعة لها وحزب قلب تونس المملوك للملياردير نبيل القروي، إختار الرئيس تاريخا له رمزية كبرى لدى عموم التونسيين، ففي مثل هذا اليوم منذ سنوات ثماني تم إغتيال النائب القومي محمد البراهمي رميا بالرصاص أمام منزله، وفي مثل هذا اليوم من سنة 1957 تم إعلان قيام الجمهورية وإلغاء الملكية. إختيار هذا التاريخ لإعلان ما أجرؤ على تسميته ببداية حركة تصحيحية هو دق المسمار الأخير في نعش النظام الهجين الذي نشأ في تونس بعد الثورة وسحب البساط من تحت أقدام المتغولين الجدد الذين توهموا أنهم قد ملكوا البلاد من بابها إلى مزرابها وأنهم بقوانينهم الموضوعة على المقاس سيحكمون البلاد إلى أن يرث الله الأرض وما عليها وأن البلاد ما هي إلا كعكة يمكن إقتسامها بسياسة التوافق والإنقلاب على وعودهم الإنتخابية.

لا غرو أن يتوجس البعض من تمكين رجل واحد من صلاحيات لا حصر لها، لكن الغريق لا يخشى البلل، نحن الآن نقف على أنقاض وطن ومن يملك خيمة من صوف في أقصى الصحراء لا يكترث لحدة الزلزال القادم، تونس باتت دولة على حافة الإفلاس بحسب تصريحات لرجال الإقتصاد، وإنهارت منظومتها الصحية بحسب تصريح للناطقة بإسم وزارة الصحة بسبب تداعيات إنتشار فايروس كورونا، وفي الوقت الذي إنتظر فيه التونسي خطوات تمنع تغول المصحات الخاصة  وتمنح العلاج المجاني لعموم التونسيين حوّل النواب باحات مجلسهم إلى ساحة للملاكمة وتبادل السباب حتى تحولت مؤسسة البرمان إلى خصم للمواطن ولسان حاله يقول ما قاله أحد العباسيين يوما “يا قصر جمع فيك الشؤم واللؤم ** متى يعشش في أركـانك البوم”، والبوم رمز عند العرب للخراب وفيه تمنى الشاعر خراب قصر المأمون بعد ان يئس من جدواه في تغيير واقعه.

الرئيس التونسي إختار الانضمام إلى صفوف الجماهير التي خرجت مطالبة بحل المجلس وإقالة رئيس الحكومة الذي يحملونه مسؤولية تدهور الوضع الوبائي والإقتصادي في البلاد، ونحن نجافي المنطق حين نتحدث عن إنقلاب في تونس فالإنقلاب يأتي من من هو خارج السلطة لا من هرمها، ما يحدث هو تلبية لنداء تكرر في كل ولايات البلاد من بنزرت شمالا إلى تطاوين جنوبا، والرئيس الذي إنتخبه الشعب بأغلبية ساحقة له الشرعية الثورية والدستورية والشعبية لفرض إرادة الشعب على الجميع وإعادة المبادرة إلى الشارع. الإنقلاب الحقيقي الذي تذوقنا مرارته لعقد من الزمن هو الإنقلاب على الوعود الإنتخابية، وفي تونس كل الأحزاب ثورية زمن الإنتخابات وكلها على خطى جيفارا تجوب البلاد على دراجة نارية، ومع نهاية الفرز تحدث القطيعة مع الشارع ويتم تقاسم الغنائم بأسلوب اللصوص. الإنقلاب حدث بالفعل لكن المنقلبين هم النواب والإئتلاف الحاكم ورئيس الحكومة الذي قلب ظهر المجن لرئيس الجمهوية وليس قيس سعيد الذي يحمل روحه على راحتيه ويتحدى من خبرنا رغبتهم في اللجوء إلى العنف كلما حشروا في الزاوية.

الدولة ليست المجلس ولا رئيسه ولا رئيس الحكومة، إنتهى زمن لويس الرابع عشر منذ قرون ولا وجود للملك الشمس أو النائب الشمس إلا في أذهان من إمتهنوا السطو على قرارات الجماهير، الدولة هي الشعب الملقى في أروقة المستشفيات، هي أولئك الذين منعوا من دفن أقربائهم بعد أن عجزوا عن دفع مستحقات المستشفيات الخاصة، الدولة هي الذين يموتون بصمت في القرى النائية دون أن تحصيهم وزارة الصحة هم الذين عاشوا وماتوا على هامش الوطن، لستم الدولة وغيابكم عنها يساوي إرتداد حنون عن الإسلام أو هو دون ذلك، نحن اليوم على أبواب “كومونة تونس” أو الجمهوية التي تحكمها الجماهير وتسيرها شعارات الشارع على خطى كومونة باريس التي قامت سنة 1871 ووأدتها أوروبا خشية تمددها. بقي لنا أن ننتظر، خطوة قيس سعيد لا تحتمل العودة إلى الوراء والخطر الحقيقي في الإرتداد إلى ما قبل هذه القرارات الثورية، السلطة ستعود للشعب لكن نظام الإنتخاب يجب نسفه ولنا في تجربة الراحل العظيم عمر توريخوس في بنما أسوة حسنة، حين منح المواطن البنمي حق سحب توكيله لنائئب الشعب فتكون النيابة مشروطة برضى الناخب وليست صكا على بياض يتيح للفائز بموجبه التنكر لكل تعهداته السابقة.

عاشت تونس وعاشت الأمة

Benhassen.sofiene@yahoo.fr

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *