تونس.. هل خشي الرئيس سعيد تكرار تجربة العراق؟

تونس.. هل خشي الرئيس سعيد تكرار تجربة العراق؟

د. حميد مسلم الطرفي 

أقدم قيس سعيد رئيس الجمهورية التونسية المنتخب يوم الاحد على اتخاذ عدة قرارات أبرزها حل البرلمان واقالة رئيس الحكومة بعد التظاهرات التي جابت معظم مدن تونس في الايام والاسابيع الماضية . ورغم أنه من المبكر معرفة النتائج والأوضاع التي ستؤول اليها الدولة التونسية بعد هذه القرارات فلابد من معرفة الدوافع وراءها وتقييمها في ضوء المتابعة لما جرى ويجري هناك . 

عاشت تونس منذ استقلالها حكماً يكاد يكون فردياً أيام الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة ( ١٩٥٧-١٩٨٧) ومن بعد الرئيس زين العابدين بن علي (١٩٨٧-٢٠١١ ) إلى أن جاءت ثورة الياسمين ( باكورة الربيع العربي ) افي كانون الثاني / يناير ٢٠١١ لتقلع تلك الحقبة وتبني دولة ديمقراطية تعددية ودستور جديد للبلاد . 

المتابع لوضع تونس كدولة يقلق على ما يمر بها طيلة السنة الماضية فمناكفات الأحزاب وجدالهم بات الشغل الشاغل لمنصات الإعلام الرسمي والأهلي ، وباتت الدعايات الانتخابية وتسويق المناهج السياسية – ولو على حساب الوطن – هدفاً رئيسياً لكل الأحزاب وبالأخص التيار العلماني الذي ولد وترعرع بالحكم والسلطة منذ الاستقلال وحتى سقوط النظام عام ٢٠١١ . حاول التيار الاسلامي ممثلاً بحركة النهضة أن يجنب البلاد أي انقسام مجتمعي حاد وتنازل عن الكثير من طروحاته وصوت على مواد دستورية وقرارات برلمانية كثيرة لا تتفق ومبادئه حمايةً للوحدة السياسية ومنعاً لتكرار نكسة الإخوان المسلمين في مصر ، لكن ذلك لم يمنع من استمرار الخلافات والتناحر . 

الشعب التونسي ملَّ من كثرة المناكفات والصراعات والبلاد تعيش ازمة اقتصادية وصحية في ظل وباء كورونا ، فصبّ جام غضبه على النواب الذين يعطون الذريعة يومياً لهذا الغضب لمناكفاتهم مع الحكومة تارة وبين بعضهم البعض تارة أخرى . 

يبدو أن الرئيس قيس سعيد أحس بهذه النقمة الشعبية وتسللها لقواعد الأحزاب من جهة ، وأحس أيضاً أن ترك البلاد على هذه الحال يهدد السلم والأمن المجتمعي في البلاد وأن تونس ليس العراق فتونس دولة فقيرة وليس لديها موارد نفطية وإن أي انهيار اقتصادي سيدفع المجتمع بسرعة الى الدخول في دوامة العنف . 

كل شعوب الأرض لاتتأقلم مع ديمقراطية تبدو وكأنها تهدد امنها وتُميت اقتصادها ، وتنخر جسدها ، وتعصف بوحدتها ، وهكذا تبدو النظم الديمقراطية التي جاءت بعد ما عرف بالربيع العربي ، وقبله الاحتلال الامريكي للعراق عام ٢٠٠٣م فيما جلبته لتلك الشعوب . 

الدستور التونسي يوفر للرئيس فرصة المناورة في بعض فصوله – وان اختلف فقهاء القانون الدستوري حوله – لكي يقوم بما قام به خاصةً وإن الرئيس التونسي استشعر الخطر من تكرار التجربة العراقية أو التجربة الليبية وحصول الاقتتال الداخلي وبتمويل أيضاً من دول خارجية تورطت في ليبيا والعراق وسوريا معروفة للقاصي والداني ، فلا غرابة أن يحذر وهو يتلو قراراته من أن إطلاق أي رصاصة يعني مواجهتها بوابل من الرصاص . 

هل سيتمكن الرئيس التونسي بضبط ايقاع الداخل التونسي بعد أن رفضت حركة النهضة وعدد من الأحزاب هذه القرارات ؟ سؤال يعتمد على تماسك الجيش والشرطة وولائهما للرئيس المنتخب . وهل تستطيع الأحزاب المعارضة من قلب الطاولة على الرئيس عبر تظاهرات سلمية حاشدة لكناصريها ومؤيديها ؟ يُشك في ذلك كثيراً بعد أن فقدت معظم الأحزاب وخاصة النهضة حماس جماهيرها في أداء سمته الخلاف والاختلاف والمناكفات . 

هل تتشابه حركة سعيد مع حركة السيسي وانقلابه على الإخوان في ٢٠١٣م ؟ لايبدو كذلك فالرجلان مختلفان في نشأتهما وطريقة تفكيرهما وقدراتهما فبيئة السيسي ونشأته عسكرية وبيئة سعيد ونشأته مدنية ، إضافة إلى تفاصيل الموقع المزاح والحيثيات الدستورية ، نعم قد تتشابة التجربتان في المقدمات ولكن علينا أن ننتظر لنرى النتائج . 

ندعو الله أن يحفظ الشعب التونسي الشقيق من كل مكروه وآن يضمد جراحه بالحكم الرشيد . 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *