دعوة سفير المغرب لفصل منطقة القبايل عن الجزائر  خطيرة للغاية.. إنها بمثابة قنبلة موقوتة يجب تفكيكها وإفراغها من محتواها التفجيري

دعوة سفير المغرب لفصل منطقة القبايل عن الجزائر خطيرة للغاية.. إنها بمثابة قنبلة موقوتة يجب تفكيكها وإفراغها من محتواها التفجيري

عبدالسلام بنعيسي

تفاقمت الأزمة القائمة في العلاقات بين الدولتين المغربية ونظيرتها الجزائرية، ومع مرور الأيام، تزداد حدَّةُ الأزمة ضراوة وخطورة. يتصاعد إيقاع الصراع يوميا بين الدولتين في شكل قراراتٍ وقراراتٍ مضادة تتخذها كل دولة ضِدَّ الأخرى.

 الدعوة التي وجهها عمر هلال سفير المغرب الدائم لدى الأمم المتحدة خلال اجتماع دول عدم الانحياز والتي طالب فيها باسم المغرب بحق تقرير المصير لشعب القبايل في الدولة الجزائرية مثَّلت العنوان الأبرز لتفاقم الأزمة وارتفاع لهيب نيرانها..

تكشِفُ هذه الدعوة التي أقبل عليها المغرب عُمْقَ الهوة التي باتت تفصل بين المغرب والجزائر، وتُبيِّنُ المأزق الذي تتخبط فيه النخبة الحاكمة في البلدين، والانفصام الحاصل في خطابها، فإذا كانت النخبة المغربية تتمسك بالوحدة الترابية للمغرب، وتدافع عنها كمبدأ مقدس، وترفض، مقابلها، الانفصال والتجزئة، فإن ذات النخبة المغربية لا تجد أي حرجٍ في دعوتها اليوم إلى فصل جزء من الجزائر عن دولته، من خلال التحريض على ما تسميه حقَّ تقرير مصير شعب القبايل.

ونفس الأمر ينطبق على النخبة الجزائرية الحاكمة، فهي ترفض تجزئة وحدتها الترابية، وثارت ثائرتها، عن صوابٍ، حين طالب السفير المغربي بما وصفه حقَّ تقرير مصير شعب القبايل وحصوله على استقلاله، ولكن ذات النخبة الجزائرية تقوم، منذ ما يقارب الخمسين سنة، بالترويج لما تسميه حق تقرير مصير الشعب الصحراوي، لإنشاء دولته المستقلة، عما تعتبره استعمارا مغربيا للأقاليم الصحراوية، وبات هذا المسعى هو شغلها الشاغل على طول هذه المدة الزمنية المديدة.

تتصرف النخبة الجزائرية الحاكمة، وكأن الصحراء موجودة في المغرب لوحده دون الجزائر، ودون ليبيا، ودون موريتانيا، متجاهلة أن تقرير مصير الشعب الصحراوي وحصوله على استقلاله في الصحراء المغربية، كما تخطِّطُ لذلك الجزائر، سيجُرُّ معه تلقائيا العمل من أجل تقرير نفس المصير لذات الشعب الصحراوي في كلٍّ من  الصحراء الجزائرية، والليبية، والموريتانية، وربما حتى في الأرض التونسية..

وتقرير مصير شعب القبايل بالجزائر، وحصوله على الانفصال، كما دعا إلى ذلك المغرب، سيُذكي عدوى تقرير المصير والانفصالِ في نفوس العديد من زعماء وقادة بعض القبائل والعرقيات والاثنيات التي تتشكل منها المجتمعات المغاربية، وقد تصبح لكل قبيلة أو عرقية أو اثنية  تطلعات لإنشاء دولتها الخاصة بها، ويتحول المغرب العربي، بدوله كافة، إلى برميل بارود مهدد بالانفجار العرقي، والاثني، في كل لحظة تريدها له القوى المتربصة بالمنطقة.

لا تعدم القوى العظمى الوسائل التي تثير بها النعرات، وتذكي بواسطتها التوترات الاجتماعية، وتنفخ فيها إعلاميا، وتُضخِّمُها في ذهن الرأي العام الغربي، وتجعل منها قضايا الساعة، وتسعى في ضوئها لفرض قراراتها التقسيمية والتفتيتية، تحت ذريعة الحفاظ على حقوق الأقليات، وضرورة احترام حقوق الإنسان وعدم انتهاكها..

تؤكدُ  لنا الوقائع التي عشناها أن ليس من الصعب استنساخ ما يسمى بقرارات الشرعية الدولية وهيئة الأمم المتحدة واستصدارها متلاحقة مسترسلة، بل يجوز القول إن المشاريع التقسيمية جاهزة لكي تُعدَّ، بين عشية وضحاها، في مطابخ العواصم الغربية الكبرى بغرض التحول، في مجلس الأمن، إلى قرارات مُلزمةٍ، وتُفرَضُ بقوة السلاح، أو الحصارات الخانقة، على  الدول المغاربية الواحدة بعد الأخرى، من أجل تفتيتها.

تتوهم النخبة الجزائرية إن كانت تعتقد أن فصل الصحراء عن المغرب وإنشاء كيان قزمي صحراوي فيها سيتوقف عند هذا الإجراء. إذا وقع بتْرُ الأقاليم الصحراوية عن المغرب، فإن الغرب لن يسمح للجزائر بأن تظل في حجم قارة في محيطها، سيبادر الغرب، لا محالة، إلى تقزيمها، وجعلها في حجم متناسب مع الدول المجاورة لها، فالمغرب المقسم، وليبيا المقسمة، ستتبعهما الجزائر في مسلسل التقسيم، والباقي سيكون في الطريق إلى نفس المصير.

لا ينبغي الاستهانة بالدعوة التي وجهها سفير المغرب الدائم في هيئة الأمم المتحدة حول استقلال القبايل وتقرير مصير ما أسماه شعبها، والتقليل من شأنها، فهذه دعوة قد تبدو، في الوقت الراهن، أن لا صدى ولا أفق لها، ولا تجاوب معها، ولكنها قد تكون دعوة موحى بها من جهة ما، وفي كل الأحوال فإنها أضحت في الواقع بمثابة  رصاصة انطلقت من فوهة بندقية، وستتحول الرصاصة إلى قنبلة معدة للانفجار ومخبأة في ركنٍ مظلم، وقد تستخرج من طرف الدول الاستعمارية، وتُرمى للانفجار في وجوه أبناء المغرب العربي في اللحظة التي تبدو لمستعمليها مناسبة..

تفكيك هذه القنبلة وإفراغها من محتواها التفجيري مرهونٌ باحتواء مشكلة الأقاليم الصحراوية المغربية وحلِّها، والأمر هنا موكول للنخبة الحاكمة في الرباط وفي الجزائر العاصمة. إذا جلس الطرفان على طاولة التفاوض، وتحاورا بينهما، وتمكنا من حلِّ  خلافاتهما الثنائية، بما يرضيهما معا، فإنهما قد يفلحان في سدِّ الطريق في وجه جميع الجهات التي تتحيَّنُ الفرص للإيقاع بهما، وستتمكن كل دولة منهما من تحصين وحدتها الترابية والحفاظ عليها، ويشكل ذلك منطلقا لبناء المغرب العربي، وتشييد وحدته المنتظرة..

لكن، إذا استمرت سياسة المعاندة والمكابرة والرغبة في فرض طرفٍ ما إملاءاته على الآخر، وظلت كل جهة متقوقعة ومتحجرة في مواقفها، وتستهويها رغبة التفرد والزعامة، مصحوبة بلغة الوعيد والتهديد، فإن هذا الخيار سيكون خيارا انتحاريا للدولتين معا، لأن وحدة كل واحدة منهما ستصير، بموجبه، مهددة تهديديا حقيقيا.

فواهمةٌ أي دولة من الدولتين، إن كانت تتصور أنها ستخرج قوية، وموحدة، ومتماسكة، ومتعافية، من تقسيم وإضعاف الدولة المجاورة لها. الوقائع التي تُستجدُّ في الأرض، تشير إلى أنه إذا انطلق قطار التقسيم، فإنه سيصل بمحتويات عرباته التجزيئية إلى كل دول المنطقة، ليُفْرِغَها في كاملِ جغرافيتها..

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *