على خلفية مقتل السياسي المغربي “عبد الوهاب بلفقيه”.. هل المغرب يتجه نحو إعادة تكرار سيناريو سنوات الرصاص؟

على خلفية مقتل السياسي المغربي “عبد الوهاب بلفقيه”.. هل المغرب يتجه نحو إعادة تكرار سيناريو سنوات الرصاص؟

د. طارق ليساوي

منذ إنطلاق الحملة الانتخابية لانتخابات 2021 بالمغرب، كتبت أكثر من مقال رأي و بشكل يومي، أشرت فيها إلى السيناريوهات التي تنتظر البلاد بعد 8 شتنبر، و قلت  بالحرف ستشهد الفترة القادمة توجها بإتجاه تنزيل بعض الإصلاحات الاقتصادية و الإجتماعية، لأن الماسكين بالأمور يدركون أن المغرب على وشك الإنفجار فمن يحلل وضع المغرب منذ 2016 يلاحظ توالي دورة الإحتجاجات الشعبية و توسعها أفقيا و عموديا بدءا بحراك الريف مرورا بحراك جرادة و حراك الفنيدق و تطوان، فالمغرب برميل أزمات يحتاج لشرارة لينفجر…السلطة و القصر يدرك ذلك و لعل تركيز العاهل المغربي على  ما أصبح يسمى بالميثاق الوطني من أجل التنمية  أو النموذج التنموي الجديد، يدخل ضمن هذا الإدراك بأن الإستقرار و السلم الإجتماعي أصبح هش…

لكن أعتقد من خلال تتبع المشهد السياسي و الهجوم الممنهج على حزب العدالة و التنمية و أمينه العام سعد الدين العثماني، و محاولة تلميع حزب الأحرار و أمينه العام السيد عزيز أخنوش، توحي بأن إرادة الماسكين بالسلطة، تفضل أن تكون  حزمة الإصلاحات التي تندرج في إطار الميثاق الوطني من أجل التنمية، تتم بأيادي مقربة من القصر و لتنسب الإنجازات للمؤسسة الملكية ، و ليس بأيادي ينظر إليها على أن لها أجندتها الخاصة و مشروعها السياسي الخاص ..

 إعادة تدوير حزب الأحرار الذي تم خلقه بإيعاز و دعم من السلطة و لأجل السلطة منذ 1978 ، و أمينه العام السيد أخنوش الذي قاطع نحو 50 في المائة من المغاربة علامات تجارية يملكها الرجل و عائلته، مؤشر على أن شعبية الرجل مصطنعة و افتراضية، بل إن يده ضالعة في أزمات المغرب منذ حراك الريف و طحن “محسن فكري” فهو يتحمل المسؤولية السياسية عن الحادث باعتبار الرجل وزير للصيد البحري،  بل إن الرجل يتكرر إسمه و إسم شركاته في  قضايا فساد و إثراء غير مشروع  والنموذج  التلاعب في أسعار المحروقات و المشروع السياحي  تغازوت باي بأكادير،   و ذلك بحسب تقارير وطنية أصدرها المجلس الأعلى للحسابات و لجنة تقصي الحقائق البرلمانية …

 فتعيين الرجل لقيادة سفينة الحكومة و الإصلاحات المزمع تنفيدها هو  عنوان لفشل السياسة و موت الزعامات السياسية في المغرب، لأن المراهنة في سنة 2021 على حزب الإدارة وصديق الملك كما يروج، هو تمهيد لإعادة تكرار سنوات الرصاص و برنامج إعادة التقويم الهيكلي السيء الذكر ..فبموضوعية شديدة لا  أرى مبررا للتفاؤل بسيناريو ترأس  السيد أخنوش و حزبه للحكومة القادمة،  لأن التاريخ سيعيد سنوات العشرية السوداء 1983-1993، و التي أفضت إلى ما سماه الراحل الحسن الثاني بالسكتة القلبية …و لعل هذه المخاوف التي عبرت عنها أصبحت جزءا من الواقع الهش الذي يعيشه المغرب ، ويكفي تسليط الضوء على حدث مقتل شخصية سياسية لها وزنها بالجنوب المغربي ، و إصابتها بطلق ناري بعد أيام من كتابته رسالة خطية بيده يعلن فيها إستقالته و يعد الرأي العام بأن للقصة بقية، بل إن التهديد بالتصفية الجسدية أصبح شعار المرحة فقد نقلت مواقع إلكترونية مغربية  قصاصة إخبارية مفادها تعرض  مستشارين بالرباط لتهديد بالتصفية الجسدية، بمناسبة جلسة التصويت على رئيس مجلس مدينة الرباط و نائبه و كاتبه و أعضائه صبيحة يوم أمس الاثنين 20شتنبر 2021..

و يوم أمس أيضا تداولت وسائل الاعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، مقتل المرحوم عبد الوهاب بلفقيه  اليوم 21 شتبنبر 2021، بعد تعرضه لإطلاق النار نقل على إثره للمستشفى العسكري، و بعد وفاته  لا يسعنا إلا أن نتقدم بأصدق عبارات التعازي و المواساة لجميع أفراد أسرته الكريمة داعين المولى عز و جل أن يتغمد الفقيد  بواسع رحمته و يسكنه فسيح جناته..و تأتي وفاته بهذا الشكل الدرامي، بعد أيام من و تم صياغتها بدقة متناهية يخبر فيها عموم المغاربة أن للقصة بقية ، و أن إستقالته كانت لأسباب شرح بعضها في رسالته…

و بمجرد توصلي بخبر إصابته بطلق ناري صباح اليوم،  قمت بعمل بحث صغير في “غوغل” و” اليوتيوب” عن مقاطع فيديو للرجل ، و الواقع أني أدركت حجم ملفات الفساد التي أشار إليها قيد حياته،  و الثروات التي يتم نهبها من الصفقات العمومية و الريع السياسي ..

فالتنافس ليس من أجل خدمة الوطن والمواطنين  و إنما التنافس من أجل المكاسب و المناصب التي تعود على أصحابها بثروات قارونية، لذلك و حماية لهذه المصالح و المكاسب، لا ضير أن يتم اللجوء لقتل النفس و طمس الحقيقة و تكميم الأفواه للأبد…

نأمل أن يتم فتح تحقيق نزيه في ظروف و حيثيات مقتل الرجل، و أن تقوم النيابة العامة و أجهزة الأمن بعملها لتوضيح الحقائق للرأي العام بشفافية و حيادية، لأن تراكم الأحداث بعد 8 شتنبر يوحي بأن البلاد تتجه نحو منحدر خطير لا نعلم مساراته…

فالخوف  أن يكون برنامج البعض هو السعي بإتجاه إعادة تكرار  سيناريو سنوات الرصاص ، التي  عرفها المغرب منذ عقود، فحينذاك كانت  التصفية الجسدية هي  اللغة السائدة لإسكات  المعارضين و الخصوم ،و بعض هذه التصفيات  كان المسؤول عنها سياسيون و شركاء في الكفاح و النضال، لكن إختلاف وجهات النظر ، دفع البعض إلى إختيار التصفية الجسدية و إسكات الصوت المعارض للأبد، بغرض وضع خرائط و  أجندات سياسية يؤمن بها البعض و لكن يعارضها  البعض الاخر  …

و بالعودة مثلا إلى الفترة ما بين ما بين (1956-1960)، سوف نجد أن  مسلسل التصفيات والاغتيالات والاعتقالات والتنكيل ،  استهدف بشكل أساسي  رموز وقادة فصائل جيش التحرير وخلايا المنظمات الفدائية التي عبرت عن رفضها  لخيار المساومة والتفاوض مع المستعمر، و رفضت الاستقلال المنقوص.

فبعد نجاح  جيش التحرير في تكبيد المستعمر خسائر في الارواح و العتاد ، مما رفع من كلفة الإحتفال الاقتصادية و البشرية للمغرب ، وهو ما دفع  المستعمر الفرنسي إلى  التفكير والبحث عن صيغة أقل كلفة، و تبعا لذلك  قررت فرنسا تبني  خيار المباحثات والمفاوضات مع نخبة خيار “الخيار السياسي” على حساب نضالات وكفاح المغاربة، الأمر الذي لقي معارضة من طرف خيار الكفاح المسلح كوسيلة حتمية لتحقيق الاستقلال.

ومن أنصار هذا الخيار الأمير الخطابي الذي ظل مصرا على استكمال معركة التحرير إلى غاية تحقيق الاستقلال التام وكذا جيش التحرير الذي رفض خيار إلقاء السلاح وعارض مفاوضات “إيكس- ليبان”.

في هذا السياق بدأت وتيرة تنفيذ خطة ومؤامرة تفكيك جيش التحرير والتخلص منه كأهم طرف وخصم معارض خلق تحالف موضوعيا بين بقية الأطراف الأخرى في شأن القضاء عليه، لاسيما بعد اشتراط فرنسا على من فاوضها باسم المغاربة تصفية من كانت تسميهم “العناصر المتشددة” ..ومن أبرز الجرائم التي اقترنت بهذا السياق، جريمة التصفية الجسدية التي تعرض لها الكثير من أحرار المغرب، نذكر من أهمها جريمة اغتيال الشهيد “عباس المساعدي”، أحد قادة جيش التحرير المغاربي، وذلك يوم 26 يونيو 1956…!

و في هذا الصدد يقول الكاتب الأمريكي جون واتربوري: “لقد أراد بن بركة أن يجعل من حزب الاستقلال التنظيم السياسي الوحيد بالمغرب، ولتحقيق هذا الهدف، لم يتردد في دفع الحزب إلى صراع دموي، ضد المقاومة و جيش التحرير. في هذا السياق يندرج اغتيال عباس المسعدي مسؤول جيش التحرير في الريف”.

علاوة على التصفيات الجسدية التي تعرض لها كل من كان يعارض خيار المساومة ويناهض الحزب “المستبد” آنذاك، كان هناك طرق أخرى مثلت جزءا من الجرائم السياسية خلال مرحلة ( المغرب لنا لا لغيرنا) مثل الاختطافات والاعتقالات والتعذيب وإنشاء مراكز ومعتقلات أهمها “دار بريشة”، في وقت كان فيه المغرب حديث العهد بالاستقلال وكانت فيه تطلعات المغاربة توازي تضحياتهم، قبل أن يخيب ضنهم ويتذوقوا مرارة الواقع الذي أصبح أمرا مفروضا…

إستمر مسلسل التصفيات الجسدية و تكميم الأفواه و إسكات الرأي المعارض، ليحصد في طريقه شخصيات سياسية أخرى من ضمنها المهدي بن بركة ، عمر بن جلون ، بل بعض الزعماء و القادة تم الإعلان عن وفاتهم بحوادث سير مشكوك في صحتها …و كان أخرهم وفاة “أحمد الزايدي” في حادث غرق  و “عبد الله باها” دهس بالقطار  ،  لا نعلم هل موتهم كان قضاء وقدر ؟ أم أنه  تصفية حسابات من قبل خصوم سياسيين؟

نفس الأمر يسري على مقتل “عبد الوهاب بلفقيه “الذي قيل بأنه أطلق النار على بطنه  ، ما نعلمه أن من يريد الانتحار يطلق على رأسه أو قلبه ، لكن الأرجح هو الرأس .. و قد خرجت النيابة العامة ببيان تؤكد فيه أن الرجل أصيب ببندقية صيد في منزله و يرجح البيان أن ماحدث هو انتحار، أسرة الفقيد بدورها أكدت أن الرجل إنتحر، و بالنهاية لا يسعنا  إلا الدعاء له و لجميع موتى المسلمين بالرحمة و المغفرة ، وعند الله تجتمع الخصوم…قال تعالى عن ذلك اليوم في محكم كتابه: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:47]…  والله غالب على امره ولكن اكثر الناس لا يعلمون..

إعلامي و أكاديمي متخصص في الإقتصاد الصيني و الشرق آسيوي ، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *