كابيتول هيل.. رعاع ودستور ومؤسسات راسخة… العبرة بمن يتعظ

كابيتول هيل.. رعاع ودستور ومؤسسات راسخة… العبرة بمن يتعظ

المجهر – د. ابراهيم سليمان العجلوني – لِنعد لأول زيارة خارجية للرئيس أوباما بعد إنتخابه سُئل صحفياً هل تَعتبر التجربة الأمريكية فريدة … فكان رده: كُل دولة تَعتبر تجربتها فريدة … هذا الجواب أغضب النُخب الامريكية في وقتها مع هُجوم إعلامي على جواب أوباما لأن الفكر الأمريكي مقتنع بأنه فريد في كل شيء … ديمقراطياً بالدستور والمؤسسات … إقتصاديا كأعظم إقتصاد وشركات عظمى ريادية … عسكرياً أفضل وأقوى منظومة عسكرية سباقة وخلاقة وتحافظ على تفوقها … الخ من النواحي التي تُميز أمريكا عن غيرها من الدول او حتى التحالفات العالمية … رقم واحد هو المفضل في الثقافة والفكر الامريكي … حتى أصبح هوس عالمي.

الدستور الأمريكي مُقدس وهو الذي حافظ على العقد الإجتماعي للمجتمع الأمريكي لمدة تزيد عن ٢٤٠ عاماً، وأصبح مُلهماً لكثير من الدول والشعوب التي تَصبوا للديمقراطية، حتى عند مناقشة أي شخص بأي مستوى او مشكلة فبمجرد أن تُذكره بفقرة او تعديل من الدستور يتوقف صامتاً، إن الدستور مُقدس ولا نِقاش بِه أو فِيه، وهو واضح ولا يحتاج للخيال او الإفتاء بل حدد الدستور الأمريكي الأمور التي يتم اللجوء فيها للقضاء.

الأحداث الأخيرة التي شهدها أقدس الأقداس الأمريكية (مبنى الكونغرس) أحداث الاربعاء في الكابيتول هيل، وتسارع الكُثر للتحليل فكان المُنتقد للديمقراطية الأمريكية والطرف الآخر المُتشفي بها او فيها، والامران سيان لِقصور الفهم الصحيح للفكر والثقافة الأمريكية، بالعكس أثبت الأمريكان بدستورهم ومؤسساتهم أنهم أمة ثابتة وتطبق وتلتزم بدستورها ومؤسساتها ولا أحد فوق القانون، فلو إعتبرنا أن ما حصل في الكابيتول هيل حدث في دولة أخرى مع متظاهرين يحملون السلاح بدعم من الدستور (يعطي القانون الامريكي الحق لأي شخص بِحمل السلاح يَختلف من ولاية لأخرى حسب نوع السلاح، في الوقت الذي يمنع إشهاره او إستخدامه إلا في حالة الدفاع عن النفس) وقوات امنية ( بِغض النظر عن صِنفها وتجهيزاتها) … النتيجة المتوقعة مئات القتلى والجرحى وتعامل خشن من قبل الاجهزة الامنية ( بعض دول العالم تُكمم الافواه وتَسجن بسبب لايك على التواصل الاجتماعي ربما وضع بالخطأ).

الأخطاء قد تحدث هنا او هناك، ولكن في أمريكا الوضع مختلف، بِلحظة الجميع حول الوطن (مع إختلاف توجهاتهم الفكرية والحزبية والعرقية) والإلتزام بالدستور وحتى الرئيس ( الذي قد يكون سببا رئيسياً فيما حدث حسب رأي الكثرين) إلتزم وخطابه تَحول لمصلحة المواطنين والدولة، والحزب الذي يمثله الرئيس كان له موقف مختلف، إنها دولة الدستور والسلطات والمؤسسات والبيروقراطية الناضجة.

الخوف أن ما حصل في الكابيتول هيل أن يُشكل فِكراً جديداً داخل المجتمع الامريكي وهو إنتقال المعارضة من المعارضة المؤسسية بين اقطاب حزبية الى معارضة يَحكمها الشارع وزيادة الرعاع الذين يُصدرون أصواتا عالية، وهنا تكمل مشكلة داخلية أمريكية.

المشكلة والخوف الآخر: هو إنتقال هذا الفكر او الحدث لدول أخرى وخاصة دول العالم التي ليس بها ديمقراطية او مازالت الديمقراطية غير ناضجة (فالثقافة الأمريكية مُغرية وكُثر حول العالم مَهوسين بها) والدليل سؤال الصحفيين للرئيس اوباما حسب مقدمة المقال، إن تَصور شعوب العالم أن بامكانهم أن يتصرفوا كما تَصرف بِمن وصفوا أمريكياً رِعاع هي مشكلة بحد ذاتها ، ولنأخذ التجربة الاوروبية / الفرنسية مع السترات الصفراء (مع أن الاحتجاجات كانت فقط في الشوارع) ولكن كان العنف هو سيد الموقف وتعاملت الاجهزة الامنية بعنف مع متظاهرين حَفظ لهم الدستور حق التظاهر والتعبير عن الرأي (التجربة الديمقراطية الفرنسية أقدم من الامريكية) فلاحظ الفارق، ولِنعد للدول في العالم الثالث وما يحصل بها من عنف في التعامل مع المعارضة ( مع أنني لا أسميها معارضة بقدر ما أسميها ناصحة نحو الاصلاح).

ما اُنبه له أن حادثة الكابيتول هيل سوف لن تكون حادثة عارضة بل ستكون مفترق طرق في مفهوم التعامل مع شارع ورعاع ونُخب ومؤسسات، وعلى الدول أن تختار إما أن تكون محصنة من خلال دستور قوي وسلطات واضحة ومؤسسات ديمقراطية وحكومية راسخة مبنية على فكر وطني بعيداً عن تمجيد أي فرعون او منصب وإعطاء الأولوية للوطن والشعب كمصدر للسلطات او نحن أمام كوارث عالمية وخاصة في الدول  التي تسمى عالم ثالث؛ أما الدول المُتقدمة فالوضع الطبيعي أنها ستقوم بالمراقبة وتحديث نفسها وتحصين الدولة والشعب.

ستبقى التجربة الامريكية فريدة، وعلى الجميع في دول العالم أن تفهم أن الدستور والسلطات والمؤسسات ثوابت هدفها العدالة وتحقيق الحياة الافضل للشعوب وليس التحكم بها وصنع تابوهات لخدمة فرعون مهما كان نوعه او حجمه والدليل تَصريحات الجميع بمن فيهم مسؤولي الامن القومي أننا نخدم أمة وليس شخص ولدينا رئيس وليس ملك (الإنتقاد لمفهوم الملك وليس للملوك)، إذن فالأصل أن تَستبق الدول في العالم شعوبها قبل أن يُسيطر الشارع والرعاع على الامور، ويَخسر الجميع، فأهم مكون للدول هو الشُعوب وليس قُدسية الأشخاص والأماكن، نعم لابد أن تَقوم الدول الغير ديمقراطية او ذات الديمقراطية الناقصة؛ وبسرعة لإعداد دستور قوي يَخدم الشُعوب ويقوي السلطات والمؤسسات لإرساء مباديء العدالة لتكافىء الفرص الوطنية للجميع، متوازياً مع الحريات الكاملة غير المشروطة او المحددة، بِصحافة ذات سقف عالي وعدم تكميم الافواه، لأن ما يقال بالعلن لا يُخيف بل يُنبه وما يُقال بالخَفاء هو الأخطر خاصة عندما تكون النُخب والقيادات تتصرف بشيء ورأيها الداخلي غير المعلن بإتجاه آخر … إنها فرصة لعل الجميع يتعظ ويعمل نحو بِناء دول حقيقية محورها الأساسي الأنسان بوعي وفكر متطور وبعدها يتم إطلاق المبادرات والشعارات الوطنية ، مثل الوطن اولاً والوطن هو الاُم يَجب أن يكون على أرض الواقع وبشعور فعلي من المواطن العادي قبل أن يُطلب منه الولاء (الولاء أولاً للوطن ودستوره ومؤسساته) وأن تكون جميع المؤسسات وعلى رأسها المؤسسات الأمنية خادمة ومنظمة للمواطن بعيداً عن أية محرمات يتم طرحها لتطوير العمل المؤسسي والبيروقراطي بهذا المفهوم، تكون السلطات جميعها تشريعية وتنفيذية وخاصة القضائية الراعي لهذا المكون الوطني، وبخلاف ذلك سيبقى الوطن غير مستقر في حالة وطنية مُرتجفة تعتمد على الإقصاء او التاجيل لحدث يكون الندم في وقته ليس ذو فائدة، إن مشروع الدولة الوطني يجب أن يكون القائمين عليه هم أصلا شرفاء وطنيين لا غُبار ولا شائبة عليهم، فضمان الدولة القوية هو قوة لقيادتها، وأن تقود كريما عزيزاً واعياً مثقفاً هو الأجل والأصل، على أن تقود رعاع خائفون لا تعرف متى ذَهبت العصى فيعصوا ويَدمروا كل شيء …. وكل قائد من صِنف رعيته، فهل من متعظ؟!.

استشاري وباحث ادارة مشاريع / كاتب اردني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *