لماذا وصل الامر بالبعض من الشعوب العربية لتقبل وجود الكيان الصهيوني كأمر طبيعي.. اليكم القراءة التالية

لماذا وصل الامر بالبعض من الشعوب العربية لتقبل وجود الكيان الصهيوني كأمر طبيعي.. اليكم القراءة التالية

الدكتور اوس نزار درويش

في السنوات الاخيرة وصلنا الى حالة خطيرة جدا جدا يستدعي الوقوف والتركيز عليها بانتباه شديد ودراسة وتحليل اسبابها للقضاء عليها وهي ظاهرة تقبل وجود الكيان الصهيوني كامر طبيعي وعادي عند البعض من الشعب العربي بل دعوة مواطنين عرب لزيادة العلاقات مع الكيان الصهيوني طبعا هذه الظاهرة لها اسباب كثيرة من اهمها عمالة الكثير من الانظمة العربية وتبعيتهم المطلقة لامريكا بالاضافة لقيام بعض الانظمة العربية بعقد اتفاقات ابراهام التطبيعية مع الكيان الصهيوني بالاضافة لزيادة العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الدول المطبعة مع الكيان الصهيوني ومشاركة هذه الدول المطبعة بمحاولة محو القضية الفلسطينية وتصفيتها تصفية كاملة

بالاضافة لهذه الاسباب هناك اسباب اخرى وهو الجانب الاعلامي ففي السنوات الاخيرة دابت الكثير من المحطات العربية الخليجية على استضافة المحللين السياسيين الصهاينة ومنهم محللين متطرفين بالاضافة لاستقبالهم المتكرر للناطق باسم جيش الاحتلال الصهيوني وسبب اظهار هؤلاء في القنوات العربية وكذبهم وتدليسهم في اثناء ظهورهم بالبرامج الحوارية ادت باللاشعور عند البعض من الشعب العربي الى تقبل وجود الصهيوني وتقبل العيش معه وتقبل وجهة نظره

اما السبب الاساسي للجوء البعض لتقبل وجود الكيان الصهيوني هو الجانب الفكري او المفكرين العرب بمعنى اصح فالمفكر او المثقف هو اساس اي امة من الامم او شعب من الشعوب فاذا صلح هذا المفكر صلحت الامة واذا فسد فسدت الامة والامم التي نهضت وقامت بها ثورات فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية قامت من خلال مفكرين فالثورة الفرنسية مثلا قام بها ودعا اليها مفكري عصر التنوير كايمانويل سييس وفولتير وجان جاك روسو والثورة البلشفية في روسيا قادها اثنين من كبار المفكرين تروتسكي ولينين والثورة الايرانية استفادت كثيرا من افكار المفكر الكبير الدكتور علي شريعتي وثورة الثامن من اذار في سورية قامت على اساس افكار مفكري حزب البعث كالاستاذ زكي الارسوزي والدكتور وهيب الغانم.

فمما تقدم نرى ان المفكر اذا قام بدوره الصحيح يكون الاساس في نهضة بلاده ولكنه وللاسف الشديد في تاريخنا العربي سواء في الماضي او في الحاضر كثيرا من المفكرين والمثقفين والشعراء من برروا في الماضي للاستعمار واعطوه الشرعية وفي الحاضر هناك اخرين من برروا العلاقة مع الكيان الصهيوني ودعوا اليها .وقد اعتمد الاستعمار على هؤلاء في الماضي اعتمادا كبيرا وانا هنا ساذكر حالة في الماضي كمثال فعندما قام الفرنسيون باحتلال سورية عام 1920 بعد معركة ميسلون ودخل بعدها الجنرال الفرنسي هنري غورو الى دمشق قام وقتها الشاعر السوري البدوي الجبل  بتاريخ 24-10-1920بنشر قصيدة في جريدة الف باء الدمشقية بعنوان تحية للجنرال وفيها حيا البدوي الجبل في قصيدته الجنرال غورو ومن هذه الابيات

اسد اطل على الشام فهللت   وكذا تكون تحية الاسياد

 ولبدوي الجبل ايضا قصيدته عواقب الجهل التي نشرتها مجلة العرفان اللبنانية في اب 1921 وفيها يتهجم البدوي الجبل على البطل الكبير الشيخ صالح العلي الذي قاد الثورة في الساحل السوري ضد فرنسا  ويمتدح في نفس القصيدة الضابط الفرنسي نيجر الذي كان يقود القوات الفرنسية ضد الشيخ البطل صالح العلي.ففي هذه الحالة المكانة الفكرية الكبيرة التي كان يحظى بها الشاعر البدوي الجبل قد استخدمتها فرنسا خير استخدام لتبرير وتشريع وجودها واقناع الناس بها

وهذا تماما ماتكرر وللاسف مع كثير من الشعراء والكتاب والمثقفين حول الكيان الصهيوني ومنهم على سبيل المثال الشاعر اللبناني سعيد عقل فعندما قام الكيان الصهيوني باجتياح لبنان عام 1982 وقام بارتكاب مجازر بحق اللبنانيين والفلسطينيين خرج وقتها الشاعر المعروف سعيد عقل بكلام خياني صادم جدا وصرح تصريحات كثيرة اعلن من خلالها تاييده للغزو الصهيوني للبنان ومن كلامه بانني لو كنت املك تنظيما حربيا ساقوم على الفور بالقتال مع الجيش الاسرائيلي لخروج كل فلسطيني من ارض لبنان .هكذا قال وقتها سعيد عقل وكلام سعيد عقل وافكاره كانت وراء دعم وانشاء كثير من التنظيمات اللبنانية العميلة التي تعاملت مع الكيان الصهيوني كميليشيا حراس الارز العميلة بقيادة العميل اتيان صقر الذي صرح بان سعيد عقل هو الاب الروحي للميليشيا التي يقودها.

وايضا من مواقف المفكرين العرب المخزية التي استغلها الكيان الصهيوني خير استغلال واثرت على كثير من الشعب العربي بحكم التاثر بهذا المفكر هو موقف الكاتب والشاعر والمفكر السوري الكبير ادونيس عندما قام في عام 1993 بحضور مؤتمر غرناطة باسبانيا الذي دعا اليه اللوبي الصهيوني وقتها والقى وقتها كلمة في هذا المؤتمر دعا فيها الى السلام الثقافي باي ثمن وهذا مادعا اتحاد الكتاب العرب لفصل ادونيس من عضويته عام 1995

دون ان ننسى مواقف بعض الكتاب والادباء المصريين الكبار كالاديب المصري العالمي نجيب محفوظ والاديب المسرحي المصري الكبير توفيق الحكيم والذين ايدوا معاهدة كامب ديفيد المشؤومة ودعوا الى اقامة علاقات طبيعية مع الكيان الصهيوني ومؤخرا فاجاني موقف الروائي المصري علاء الاسواني بقبوله اجراء لقاء مع احدى الاذاعات الصهيونية وانتقاده اللاذع من خلال هذه الاذاعة للحقبة الناصرية وللزعيم الكبير جمال عبد الناصر مع ان الحقبة الناصرية تعتبر من اكثر الفترات ازدهارا في تاريخ مصر الحديث

مماتقدم نصل الى نتيجة هامة جدا وهي بعض المفكرين والمثقفين العرب قد لعبوا دورا كبيرا بقصد او بغير قصد في تبرير وجود الكيان الصهيوني واعطائه الشرعية وهذا بالضبط مايريده الكيان الصهيوني وهؤلاء المفكرين لهم تاثير كبير بكلامهم وبكتاباتهم بحكم ان لهم الكثير من المريدين الذين يتاثرون بهم تاثرا كبيرا فكلمة المفكر اقوى بكثير من فوهات البنادق والمدافع فهؤلاء المفكرين يقدمون خدمات جليلة بافعالهم للكيان الصهيوني على عكس بعض المفكرين والكتاب الاخرين الذين فضحوا الكيان الصهيوني واجرامه ودافعوا عن القضية الفلسطينية وعن المقاومة بالرغم من اقامتهم في الغرب كالمفكر الفلسطيني الكبير البروفسور ادوارد سعيد رحمه الله والذي دافع عن الشعب الفلسطيني في كل حياته الفكرية وهزم مفكر الكيان الصهيوني الاول بيرنارد لويس في كثير من المناظرات التي دارت بينهما وايضا موقف الصحفي والاعلامي الكبير الاستاذ عبد الباري عطوان في دفاعه عن فلسطين وفضحه للكيان الصهيوني واجرامه ودعمه للمقاومة طوال تاريخه لم يتغير وظل ثابتا في مواقفه وهذا ماازعج الكيان الصهيوني  ودفعه للمطالبة قبل فترة عن طريق صحيفة الجويشيكرونيكل البريطانية الصهيونية بالمطالبة بادانة الاستاذ عبد الباري عطوان بتهمة الارهاب والمطالبة بمحاكمته لدعمه للمقاومة في كتاباته وفي الفيديوهات التي يقوم بنشرها على اليوتيوب

هكذا يجب ان يكون المفكرين والصحفيين والكتاب والمثقفين العرب كحالة الدكتور ادوارد سعيد والاستاذ عبد الباري عطوان .ففي الواقع هناك حقيقة يجب علينا الاعتراف بها وهي ان الكيان الصهيوني قد تفوق علينا من الناحية الفكرية فمعظم المفكرين الصهاينة قد ندروا انفسهم لخدمة الكيان الصهيوني وقضيتهم الصهيونية الضالة بينما نحن الكثير من مفكرينا كانوا معول هدم بدلا ان يكونوا عامل بناء واصلاح فالمفكر والكاتب والمثقف والشاعر يجب ان يكون الى جانب قضايا امته داعما للمقاومة في وجه العدو الاساسي للعرب وهو الكيان الصهيوني ناصحا للحكام ومرشدا وموجها لهم لاان يكون بيدقا بيد الحاكم الظالم يستخدمه لتبرير افعاله وعلاقاته مع الكيان الصهيوني

فكما قلت في بداية المقال المفكر هو اساس الامة وعمودها الفقري ان صلح صلحت الامة وازدهرت وان فسد فسدت الامة وتراجعت واندثرت .

كاتب وباحث سياسي عربي سوري واستاذ جامعي في القانون العام