هل انتفاضة القدس خرجت من عمق انحدار العمل الوطني الفلسطيني.. وهل تعبر عن رفض الشعب الفلسطيني للتآمر العربي وللعملية السياسية المزمعة في فلسطين

هل انتفاضة القدس خرجت من عمق انحدار العمل الوطني الفلسطيني.. وهل تعبر عن رفض الشعب الفلسطيني للتآمر العربي وللعملية السياسية المزمعة في فلسطين

فؤاد البطاينة

 هناك انحدار نوعي عميق في العمل الوطني الفلسطيني نشهده يترسخ في رام الله ضمن سيرورة سياسية هجينة عميقة تجري في السنين الأخيرة تحت مراقبة ومتابعة اسرائبل، خطورتها بحجم شعب ووطن وكرامة انسانية، ويتمثل هذا الإنحدار في انحرافه عن طبيعة القضية الفلسطينية واستحقاقاتها النضالية باتجاه السطحية. فالقضية الفلسطينية لها عناوين كلها مرتبطة بطبيعتها والعنوان الأساسي والأم التي تخضع له هذه العناوين هو “احتلال وطن “. ولا يمكن أن ننزلق لما يصنع ويشكل إحساساً عاماً أو اعترافاً اعتباطياً بأن للقضية الفلسطينية وجه أخر غير فلسطيني ونساق للنظر اليها بالتوازي كقضية صهيونية، ونتعاون مع المحتل على هذا الأساس الواهم ً.

هذا الإنحدار في العمل الوطني المرتكز على العمل السياسي المعزول عن طبيعة القضية واستحقاقاتها وتعميمه في صفوف النخب والمؤسسات الفلسطينية والشعب الفلسطيني عامة، تكمن خطورته في إشاعة ثقافة انحدار الفكر التحريري لوطن، لمستوى القناعة بالواقع الإحتلالي الذي يفرضه العدو وينطوي على أن لليهود حق أصيل في فلسطين. وهذا هو ما ترمي إليه الصهيونية المحتلة لوطن، فهذه اللعبة السياسية التي ينخرط فيها الفلسطينيون في الأرض المحتلة اليوم ويشرف على تفاصيلها المحتل لا يمكن أن تعني لهذا العدو سيرورة لحل تكون مرجعيته دولة فلسطينية أو حكم ذاتي ولا بإدماج الفلسطينيين معه أو مشاركته في الأرض التي احتلها.

 فعلى أي محمل نأخذ التعامل السياسي والإداري الفلسطيني مع الإحتلال عندما يكون معزولاً عن الطبيعة الإحتلالية واستحقاقاتها النضالية ومعزولا عن أي هدف إيجابي. القادة السياسيون الفلسطينيون المنتهية صلاحيتهم الوطنية بمختلف فصائلهم ومشاربهم السياسية منضوون في العملية وتحت عباءة مفهوم السلطة وإرادة المحتل لبناء جسم سياسي تمثيلي للشعب الفلسطيني.

ولكن هل اتفقوا مع أنفسهم أم مع المحتل أم الشعب على أي أساس وهدف يضطلعون بعمليتهم السياسية هذه وانتخاباتها سيما وأن منطوق اتفاق أوسلوا المنشور ما عاد قائما منه وثابتاً سوى خدمة الإحتلال.

فهل هناك غير تركيبة سياسية جديدة بقيادة جديدة ومهمة جديدة تطمح اليها اسرائيل بالتعاون مع عملائها العرب في هذه العملية، أم أن هناك هدفاُ إسرائيلياً أمريكيا لمنح عباس ثقة شعبية فلسطينية شاملة وراجحة على ممثلي المقاومة لتنفيذ المهمة الجديدة بالإجهازُ على القضية وملفاتها بموجب صفقة القرن.

القضية الفلسطينية ليست استثناء عن قضايا الإحتلال الاستعمارية عبر التاريخ، ولا تَحكمها سوى شريعة التحرير أو الجهاد. نحن لم نخترعها فهي من نتاج التجربة البشرية ومباركة الروح السماوية ولم تتغير عبر التاريخ ولليوم وغدا. وليس من تحرير بغير استخدام القوة والعنف المبارك ضد المحتل مهما كان نوعه ومهما وصل سقفه. وهذا لا يغيب عن العقل الشعبي الجمعي الفلسطيني.

ليكن متأكداً كل متابع لمجريات القضية الفلسطينية المأساوية على الأرض وكل دوائر التآمر الصهيونية والعربية بأن القيادة الفلسطينية الأوسلوية وكل رؤوس الفصائل الفلسطينية التي تتعاون معها لا تمثل ضمير الشعب الفلسطيني، وبأن هذا الشعب لا أعظم منه ولا أكثر تمسكاً بوطنه ومقدساته شعب أخر على وجه الأرض، وليس من شعب يفوقه اليوم ثقافة سياسية ووعيا. ويشهد التاريخ على هذا، إنها مشيئة الله وعمق التحدي. ويكفي القول بأن قضيته لو كانت بيد أي شعب أخر في مواجهة أعتى القوى العالمية وتأمر وتعاون أشقائه العرب وصمت العالم لانتهت منذ عقود وبأسرع فترة.

من الطبيعي أن تغفو الشعوب ويطول الاحتلال أو يقصر في ظل الظروف القاهرة التي تمر عليها، واحتلال فلسطين لم يمض عليه وقت بل لم يترسخ ولم يكتمل مشروعه. والشعوب وتاجها الشعب الفلسطيني غفوته لا تحمل التسليم او الاستسلام لأنها غفوة مقترنة بمفهوم “الرفض”.

من الصعب أن لا نربط انتفاضة الشعب الفلسطيني اليوم وما تواجَهه من حجم غير مسبوق من الذهول والسعي لإخمادها بكل وسائل الاجرام الدموي والسياسي، أقول من الصعب أن لا نربط هذا بما يشاهده هذا الشعب من ازدواجية، فيها قضيته بوطنه تُذبح من القدس عنقها وقلبها، وفيها يشاهد بالمقابل اللعبة السياسية العبثية له والهادفة للإحتلال وأعوانه الى بناء جسم فلسطيني عميل للتصفية النهائية في رام الله. ومن الصعب أن لا نفسر انتفاضته هذه بغير أنها من صميم إدراكه لخطورة الموقف وعمق التآمر، وإدراكه فوق كل هذا بأنه صمام الأمان لاستدامة الصراع حتى التحرير.

الشعب العربي في كل مكان مطالب لأن يخرج للشارع دعماً للشعب الفلسطيني والمقدسي على وجه الخصوص. ومطالبٌ بالضغط على حكوماته لوقف التآمر، وشعبنا العربي المسلم في الخليج والسعودية على وجه الخصوص. إنه الظرف.

كاتب وباحث عربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *