هل تُغسل الخيانة بخيانة؟ وما علاقة إبراهيم بالصهيونية

هل تُغسل الخيانة بخيانة؟ وما علاقة إبراهيم بالصهيونية

فؤاد البطاينة

في الوقت الذي فيه تختفي الخيانة عند الدول والشعوب ويندر استخدام مُصطلحها، إلا أنها في بلادنا تعززت وتعمقت تحت إسم وعنوان تسويقي هو “التطبيع”، وعندما فشل العدو وعملاؤه في تقبل شعبنا العربي للتطبيع جاؤا بسلام ابراهيم ليغسلوا الخيانة بالخيانة، ونحن لا نتكلم عن خيانة أشخاص لأشخاص بل عن خيانة أوطان وأمة وعقيدة والتي تجعل من كل صنوف وأنواع الخيانات الأخرى أمراً حتمياً وثانوياً بنفس الوقت، هذه الخيانة خرجت علينا وللعالم بأجلى صورها من الصحراء العربية والجزيرة تحديداً، وهي نفسها التي خرج منها للعالم النوران، الروحي القيمي بالإسلام، والمادي بأولى الحضارات التي سادت من البحرين عبر الرافدين للبحر المتوسط.

التطبيع مع الكيان الصهيوني مصطلح ديناميكي بآليات متطورة لسيرورة متتابعة لا أفق لها ولا سقف. فهو يبدأ بالإعتراف بالكيان الصهيوني وباحتلاله لفلسطين كمنصة انطلاق للمنطقة بسند خرافي. فالإعتراف بحق المتهودين الصهاينة بفلسطين يعني الإعتراف بالرواية التوراتية الصهيونية الخرافية ومُستحقاتها في الوطن العربي كله ابتداءا. ولن نتطرق لعالميتها. فهي رواية لا تعترف بالأخر ولا بمعتقد الأخر ولا بحقوق انسانية له. ونحن بهذا نتكلم عن نصوص بين أيدينا هي مفرخة للإرهاب والتمييز العنصري واستحلال دم الأخر ولا يجرؤ متشدق على طلب مراجعة هذه النصوص.

فكرة الديانة الإبراهيمية جاءت خدعة وكذبة مفضوحة لا أصول دينية أو تاريخية لها.. فنحن اليوم نتكلم عن ثلاثة معتقدات سماوية. وهذا مناف للعقل وللحقيقة. المعتقد الأول لا يعترف بالثاني والثالث، ويعتبر حربَه عليهما عبادة، والثاني لا يعترف بالثالث، والثالث – أي الإسلام – يعترف بالأول والثاني ولكن في إطار رسالتي موسى وعيسى عليهما السلام كما وردتا بالقرآن الكريم، وجاء للناس أجمعين وليس لقبيلة، وبه اكتمل الدين السماوي. فالدين السماوي لا يمكن أن يكون إلّا واحداً. وابراهيم عليه السلام كان يدعو لعبادة الله وحده ولم يكن صاحب ديانة لقوم.. فموسى قد وُلد من بعده بستة قرون، بينما بدأت كتابة العهد القديم بما فيه توراتهم بعد موسى بسبعة قرون. ولا علاقة لإبراهيم ولزمنه بما اعترى الكتب ولا بمن كتبها. إنه برئ من الصهيونية ومما يخططون. فعن أية ديانة إيراهيمية يتحدثون وما المقصود والهدف من هذا المشروع.

باختصار جاء هذا المشروع لتطبيع الشعوب العربية للرواية التوراتية كما كتبوها واختراق مفاهيمنا العقدية وتطويعها للمفاهيم التوراتية وبالتالي جرنا لتقبل المشروع الصهيوني. وهذه الفكرة جاءت بعد فشل الحكام في تمرير تطبيعهم على شعوبنا، وبعد أن فشلت القوة العسكرية وأداتهم الداعشية من النيل من إيماننا بعقيدتنا. ويكفي أن نعرف بأن المشروع الإبراهيمي هذا يتضمن مصطلحات رهيبة المعاني وعلينا الإنتباه لها، وكلها تصب في خانة إلغاء المفاهيم والمقدسات الاسلامية لصالح فرض المفاهيم التوراتية وغسل المشروع الصهيوني نفسه. ومن هذه المصطلحات، (الشعوب الأصلية، الأراضي الإبراهيمية، المدينة الإيراهيمية ومسار ابراهيم.) بينما التاريح الموثق بل نص التوراة يقضي بغربتهم عن الأرض، فكيف إذا كان أصحاب الفكرة ومن يحتلون فلسطين اليوم هم خزريون آريون تهودوا في القرن الثامن الميلادي ولا علاقة نسب لهم باليهود وبإبراهيم وإسرائيل الذي هو مسماهم ليعقوب

يجب أن تفهم شعوبنا وتقتنع بأن فكرة الديانة الإيراهيمية تقوم على حصر الدين السماوي بالرواية التوراتية وإخضاع عقيدتنا والسيطرة على مقدساتها في فلسطين وهدم الأخرى في الحجاز وإلغاء المُلكية التاريخية للأرض كأساس لحق السيادة وكمبدأ سياسي في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، واستبداله بالخرافات في عملية غسل ناعمة لتطبيع الحكام وصولاً لتطبيع الشعوب. وبهذا، آن الأوان لأحزاب الإخوان أن ترحمنا وتترجل وتحل نفسها وتخرج من اللعبة وتترك العمل السياسي تحت أي إسم. فعلى ظهر سياساتها وتلونها وجهلها وإقصائيتها وتغريرها بالعامة والبسطاء نال العدو منا ودخلنا في الظلامية والجاهلية ونفاقها، وعلى ظهر طموحاتها و أطماعها في الحكم ومهادنتها ومغازلتها للحكام الخونة ولأمريكا ومقايضاتها تمكن المستعمرون منا ودُمرت أقطارنا واستبيحت أوطاننا.

 إن ما يجب أن تقتنع به شعوبنا العربية هو ,, لا جزرة أبداً في معادلة التطبيع بل عصا متغالظة للشعوب وابتزاز متصاعد بنزع شرعيتهم عن الحكام ,,. وأن الثمن الأكبر الذي تدفعه فلسطين وشعبها من تطبيع خونة الحكام العرب الذين أصبحوا جزءا من المشروع الصهيوني وتنفيذه، ستدفع مثله شعوبنا وسينال من وجودها وأوطانها ما دامت لا ترقى لمواجهة خطورته. والأمثلة واضحة في تدمير وتراجع الدول السباقة للتطبيع وإنهاك شعوبها..

 جروحنا كشعوب أقطار عربية هي في داخل حمانا. إنها مستعمرات بالوكالة المأجورة، وعليها أن تفهم بأن جيوشها مقادة بعسكريين يُدارون ويساسون من الصهيو أمريكي، وأنها بحكم الجيوش المرتزقة على رأس كل منها خائن بيده السلطة ضمن إطار من شكلية الدساتير والقوانين وغرابة التحالفات. وقَدر هذه الشعوب أن تكون في مواجهة هذه الجيوش ضمن هذه المعادلة المختلة التي غيّرت أولويات الشعوب. فهي قد تخرج للشارع تطالب بالخبز وليس منها من يطالب بتخوين حكام التطبيع مع العدو الصهيوني كتناقض أساسي لوجودها. والسودان أخر مثال، حيث خرج الشعب يطالب بحكم المدنيين دون الإشارة لخيانة العسكر بالتطبيع مع العدو.

المشروع الصهيوني فرقنا وفلسطين تجمعنا. صفقة القرن برمتها هي الملف الموضوع على طاولة سلام ابراهيم التي صُنع خشبها في عهد أوباما وهيلاري كلنتون، وتلقى دعماً أوروبياً واسعاً. العدو يعلم بحقيقة أن العقيدة الإسلامية وحملتها هو الأساس الأقوى والمتبقي للعرب ولثقافة الدفاع والرفض والتحرير للحفاظ على وجودههم ووطنهم. إن إفشال مخطط العدو مرهون أولاً بوعي الشعوب العربية وهي قادرة على ذلك كما قدرت على إفشال ملعوب داعش لتشويه قيمنا الدينية، ومرهون ثانياً بانتماء الشعوب العربية للقضية الفلسطينية ولمشروع الرفض والمقاومة. ومن العار والنفاق وذبح الذات أن لا تتصدى شعوبنا لحكامها المطبعين وتُجرمهم بالخيانة الأعظم..

نعود للجزيرة نبع الخيانة. فقد كانت السعودية مركزها وقامت بدورها الوظيفي سرا وجهراً، بينما كان مشايخ أعراب الخليج في بداية القرن المنصرم يعيشون على نفاقهم في الدين ومعونة العرب وخاصة من عرب فلسطين، حيث نشأوا في عزلة الصحراء تعوزهم الثقافة وفهم التاريخ والسياسة، والذكاء الفطري عندهم لم يُصقل، حيث لدى خروج النفط توجهوا نحو هوى النفس والشر فعبدوا المال وسلموا مصائرهم لمستخرجيه المستعمرين المتصهينين. بينما استُخدم الفلسطينيون لجانب الأردنيين عندما توجهوا إلى حر الصحراء وضنك العيش لبناء إماراتهم بمؤسساتها وإداراتها وجيوشها.

وعندما ازدادت ثروات مشايخ الإمارات جاهروا بكفرهم وخضعوا للإبتزاز الصهيوني أمريكي حتى نافسوا السعوديين وخلعوا أخر قطعة لتوازي رؤوسهم وظهورهم الأرض، وتحولوا فعلاً الى دواب لليهودي الصهيوني الذي وصفهم بدواب موسى، وكان صمتهم على هذا الوصف علامة الرضا، وغطوا كلف التطبيع بكل وسائله مسخرين مردود نفط الصحراء العربية لذبح فلسطين وكل ما هو عربي وإسلامي.. إن كانوا عربأً فالعروبة تتبرأ منهم، وإن كانوا مسلمين فالإسلام يتبرأ منهم، هم ليسوا كأي خون، فالخيانة صرخت بوجههم، ما هكذا أنا. كيف تكون فلسطين والفلسطينيين والأردنيين وجهة هجمتكم الخيانية.

كاتب وباحث عربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *