هل جاء الدور على العرب وتكرار السيناريو السيريلانكي في بلدانهم.. وهل تحققت نبوءة مهاتير محمد؟

هل جاء الدور على العرب وتكرار السيناريو السيريلانكي في بلدانهم.. وهل تحققت نبوءة مهاتير محمد؟

د. طارق ليساوي

على إثر اندلاع موجة الحرائق ببلدي الغالي المغرب و على نطاق مناطق متفرقة من شمال المملكة، و توصلي برسائل من قبل متضررين تطلب مني  إثارة الموضوع في برنامج “إقتصاد ×سياسة” فقد حاولت إثارة الموضوع في مقال منفصل بعنوان “حكومة أخنوش بين مطرقة الأزمات الداخلية و سندان المتغيرات الدولية” ، و قد نجحت و لله الحمد السلطات المغربية في محاصرة و السيطرة على الحرائق ، دون تسجيل حالات للوفاة اللهم حالة واحدة تم الإعلان عنها في وقت سابق، لكن هناك أضرار مست ممتلكات الساكنة و مواشيهم و محصولهم الزراعي، و نأمل أن يتم تعويضهم وتقديم يد العون لهم في محنتهم، و الدعوة موجهة لكل مكونات المجتمع المدني المغربي بضرورة التدخل العاجل بتنظيم قوافل مساعدة لإخواننا بهذه المناطق المتضررة، و لنا عودة مستقبلا لهذا الموضوع في وقت لاحق،  و بعد أن تجاوزنا هذه الأزمة الطارئة،  لنا أن نعود للنقاش الذي سبق و طرحناه على خلفية زيارة الرئيس الأمريكي “بايدن” لبلاد الحرمين و سؤال لماذا لا يتعلم العرب من أخطائهم؟

لكن و قبل الجواب على هذا السؤال و تحليل مخرجات هذه الزيارة ، ينبغي توضيح فكرة أرى من الواجب شرحها بتفصيل أكبر، فلست بوارد المفاضلة إطلاقا بين الصين و أمريكا و روسيا و غيرها، أنا ضد الارتماء في حضن أي قوة دولية و رهن مصير الأوطان و الشعوب بها، لكن يمكن الاستفادة من المتغيرات الدولية و من الموقع الجيواستراتيجي لتحقيق مكاسب وطنية و إقليمية، أومن برباط المصلحة الوطنية و القومية ، أومن بأن علاقاتنا مع الصين أو أمريكا أو روسيا و غيرها من القوى المؤثرة ينبغي أن تحترم سيادة الإقليم و عدم التدخل في شؤونه و ان تكون معاملة الند للند لا معاملة أسياد و أتباع..

و لا يعتقد أحد أن الصين كقوة صاعدة ستفرق الورود و سوف تنتشل هذه الشعوب من الفقر و ستصنع لها الازدهار” فما حك لك إلا ظفرك”، و على العكس من ذلك أخشى ما أخشاه أن الصين بدورها لها استراتيجية تصديرية و تجارية تقوم على منافسة الصناعات المحلية و إغراق الأسواق بسلع ذات جودة متوسطة و بأسعار جد منخفضة، و بمجرد طرد المنافسين المحليين يتم تغيير الاستراتيجة …

و قد سبق لي أن رفضت في أكثر من مناسبة التحدث عن الصين و التجربة الصينية عبر قنوات تلفزيونية، لأني أرى أن دراسة الصين  تقتضي منا مزيدا من البحث و عدم التسرع في إصدار الأحكام، و من ذلك العبارة الشائعة التي أصبحت متداولة على لسان بعض الساسة العرب، و معهم وسائل الإعلام العربية من قبيل “التوجه شرقا”، و يقصدون بذلك مواجهة “المشروطية” و الهيمنة الأمريكية و الغربية عامة باللجوء إلى الصين..و في ذلك جهل بالصين و بالتحدي الذي تفرضه الصين، فلسنا في حاجة كعرب و مسلمين إلى الخضوع لهيمنة و حماية أخرى و إن كانت صينية…

صحيح أن الصين بعد 1989 ابتعدت عن منطق القوة الصلبة في فض المنازعات و اعتمدت سياسة سلمية تقوم على التعاون و التنمية، إلا أنها بذات الوقت تبنت منهجا سياسيا يقوم على تعزيز قوتها الناعمة، ومن ذلك تنصيب نفسها كقائدة للحضارة و الثقافة الكونفوشيوسية، و تعزيز نفوذها عبر توظيف “صيني ماوراء البحار”، خاصة وأن هؤلاء لهم نفوذ اقتصادي و تجاري بالغ الأهمية في العديد من بلدان آسيا…كما عملت على استغلال عضلاتها الاقتصادية و فوائضها المالية الضخمة لفرض رؤيتها و تحقيق مصالحها…

هذا التوجه القائم على توظيف العضلات الاقتصادية و استغلال المشاريع الكبرى و القروض و الاستثمارات و غيرها من التسهيلات الإئتمانية  ، أصبح موضع جدل، وولد جملة من المخاوف الجدية السواء ، و من ضمن الأمثلة على جدية هذه المخاوف، الموقف الذي عبر عنه سابقا ” محمد مهاتير” بعد عودته للسلطة سنة 2018 ، إذ قام بإلغاء ثلاث مشروعات إقتصادية عملاقة كانت ستمولها الصين، في إطار مبادرة “طريق الحرير و منطقة الحزام” ، وتم تبرير القرار بالتكلفة العالية التي قد ترهق البلاد فيما بعد في سلسلة من الديون التي لا يمكن تحملها، وتتمثل المشروعات الملغاة في مشروع خط سكك حديدية بقيمة 20 مليار دولار أمريكي إضافة إلى مشروعي طاقة بقيمة 2.3 مليار دولار. وقد أوضح ” محمد مهاتير” أن بلاده لا تحتاج لهذه المشروعات في الوقت الراهن، واعتبر أن الحكومة السابقة وافقت على دفع مبالغ أكثر مما تستحق تلك المشاريع، و هو ما فسر على أنه انتقاد للصين و سياساتها التجارية عندما حذر  مما سماه ” نسخة جديدة من الاستعمار”

المخاوف التي عبر عنها “محمد مهاتير”  تأكدت في واقعة ميناء “هامبانتوتا”  ب”سريلانكا” ، ” إذ اضطرت الحكومة السريلانكية إلى تسليم ميناء “هامبانتوتا” الجنوبي لنظيرتها الصينية بموجب عقد إيجار مدته 99 عامًا، بعد فشلها في سداد أقساط الديون التي حصلت عليها لتمويل بناء المشروع الذي فشل في تحقيق العوائد المالية المتوقعة …عملية التسليم هذه أثارت مخاوف دولية من خطر الديون الصينية، كما تسببت في قلق لدى القوى العسكرية الكبرى مثل الولايات المتحدة واليابان والهند من احتمال استخدام مثل هذه البنى التحتية كقواعد عسكرية لتقويض نفوذ الخصوم الإقليميين، و أرى أن الثورة الشعبية التي تمت مؤخرا في سريلانكا لها صلة مباشرة بصراع النفوذ بين الصين و أمريكا، و محاولة محاصرة الصين و التضييق على مشروعها العولمي ” الحزام و الطريق” ..

شخصيا، ضد الهيمنة الأمريكية على أغلب البلاد العربية والهيمنة  الفرنسية  على بلداننا المغاربية و تدخلها في شؤون هذه البلدان و تحكمها في وضع و اختيار النخب الحاكمة، بل أرى أن المتغيرات الدولية فرصة للخروج من الهيمنة الأجنبية و تحقيق استرجاع السيادة الوطنية، و الخروج من  تيار العولمة الجارف الذي لم يحمل للشعوب العربية إلا كل شر ، لا هي استفادت من حرية حقيقة و لا تنمية فعلية كل ما حدث إفساد في إفساد ..و كأكاديمي أدعو شعوب الإقليم من طنجة إلى جاكرتا إلى الاستعداد لخطر داهم و زحف لا يمكن الوقوف في و جهه ما لم نعد له العدة و نحاول توظيف المتغيرات الدولية لخدمة مصالحنا نحن لا مصالح الحكام و القوى المسيطرة…

اليوم نحن كعرب و مسلمين مطالبين بفهم عميق للمتغيرات الدولية خاصة بعد جائحة كورونا، فقد رأينا أن بلداننا فاقدة لكل شيء ، عندما تم إغلاق الموانيء و حركة نقل البضائع و السلع ، شعرنا جميعا أن مصيرنا لسنا نحن من نتحكم فيه، و عندما اندلعت الأزمة الروسية الأوكرانية شاهدنا الانفجار غير المسبوق في أسعار أغلب السلع الأساسية ، بل إننا أمام مجاعة قادمة لا محالة مالم يتم إتخاد تدابير عاجلة…ما تعيشه المنطقة حرب مدمرة بكل تأكيد ، و حكامنا الحاليين جزء أصيل في هذه الحرب على الشعوب ، و لا أعني فقط السادة الرؤساء و الملوك، و لكن أغلب المسؤوليين العموميين بما في ذلك الخبراء و الباحثين..

هل تعلمونا أيها السادة أن شعوبنا اليوم عارية من كل حماية، عاجزة حتى عن إنتاج غذاءها ليس لأنها لاتتوفر على الأرض الصالحة للزراعة أو نذرة المياه، و لكن لأنها فقدت حتى البذور الأصيلة التي طورتها لألاف السنين، وإنساقت  وراء أجندات عابرة للحدود من خلال إحلال البذور المعدلة وراثيا و التخلي عن السلالات المحلية من المواشي و غيرها و إحلال سلالات أجنبية ..و مفهوم السيادة الغذائية لا يقتصر على كمية المنتج وإنما أيضاً على نوعيته، ويتبنى بالتالي قضية الحفاظ على البيئة وعلى التنوع البيولوجى، عن طريق الحفاظ على أنواع البذور المحلية وحمايتها من الانقراض نتيجة الانتشار السريع للبذور المهجنة والمعدلة وراثياً، التي تروج لها شركات البذور العالمية وهي بذلك لا تجنى من ورائها أرباحاً طائلة فحسب، وإنما تتحكم بشكل فعلي في منظومة الغذاء العالمية، من خلال احتكارها لإنتاج وتسويق البذور…

من حسنات جائحة كورونا أنها نقلت النقاش العام باتجاه مواضيع تم إهمالها وتجاهلها  في سياق تيار العولمة الجارف، ومن ذلك عودة الاهتمام بالسيادة الغدائية و السيادة الدوائية، و الإنتاج المحلي بشكل عام ..  و “السيادة الغذائية” في قلب هذه الأولويات الراهنة، لأنها عنصر أساسي في حماية الشعوب من التقلبات الخارجية و في ضمان السيادة الوطنية..

وللأسف أغلب البلدان العربية ضيعت سيادتها الغدائية، بفعل انخراطها المحموم وغير المدروس في اتفاقيات التجارة الحرة الموقعة في القطاع الزراعي، والمرتبطة بالقواعد التي أنشئت في إطار منظمة التجارة العالمية، من تطبيق منطق سوق الأوراق المالية في قلب الزراعة.. وهي تعيد التأكيد على توجيه الإنتاج الزراعي إلى التصدير. كما تشجع الحكومات على تيسير تنمية الزراعة التجارية من خلال السماح للمستثمرين بالاستيلاء على الأراضي الخاصة وأراضي الدولة والجماعات، وعلى المياه، وذلك على حساب الزراعة الأسرية والسلع المشتركة.. لذلك أرى أن حالة التنافس الدولي يمكن توظيفها بفعالية في الخروج من دورة التخلف و التبعية، ووضع قاعدة لبناء مستقبل هذه الشعوب ، العرب ينبغي أن يكون موقفهم محايد في مواجهة مختلف القوى المتنافسة لست معك و لا ضدك…للأسف لا زلت لم أجيبكم عن السؤال و لكن لنا موعد مع مقال موالي إن شاء الله تعالى، فطاقم رأي اليوم وضع بعض الضوابط التقنية من قبيل عدم تجاوز المقال 800 كلمة و أحاول قدر الإمكان ضبط حجم المقال ، لكن ليسمحوا لي على عدم الالتزام فعندما أكتب تهرب مني الأفكار و أحاول تقييدها في المقال لعل و عسى تجد أذانا تسمع و قلوبا تعي… و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون…

إعلامي وأكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني والشرق أسيوي، أستاذ العلوم السياسية والسياسات العامة…