هل لإيقاف تجارب لقاح كورونافاك الصينيّ في البرازيل أبعاداً سياسية؟

هل لإيقاف تجارب لقاح كورونافاك الصينيّ في البرازيل أبعاداً سياسية؟

د. تمارا برّو

في الوقت الذي يحتدم فيه التنافس بين الدول على إنتاج لقاح ضد فيروس كورونا المستجدّ، قررت هيئة الرقابة الصحية البرازيلية (Anvisa) يوم 9 تشرين الثاني/ نوفمبر وقف الاختبارات السريرية على لقاح كورونافاك الذي تنتجه شركة Sinovac الصينيّة، وذلك على خلفية “حادث خطير” تمثل بوفاة متطوع تلقى اللقاح، قبل أن تعدل عن قرارها وتسمح باستئناف التجارب السريرية بعد يومين من تعليقها.

شكّل خبر وقف التجارب على لقاح كورونافاك صدمة لدى البرازيليين وداخل حكومة ولاية ساوباولو بقيادة جواو دوريا، أحد الأعداء السياسيين الرئيسيين للرئيس البرازيلى جايير بولسونارو، التي أكدت أنها لم تتلق أي إشعار من الوكالة الوطنية للمراقبة الصحية (Anvisa) ووضعت “قيد الشك” العلاقة بين هذه الهيئة والحكومة الفيدرالية ، في فصل جديد من “حرب اللقاحات” ضد فيروس كورونا المستجدّ. بدوره أكد رئيس معهد  “بوتانتان” أن المعهد تلقى الخبر عبر وسائل الإعلام، وأن المعهد أُبلغ بالفعل عن وفاة أحد المتطوعين لكن لأسباب لا تتعلق بتاتاً باللقاح وتجاربه، مشدداً على ضرورة إبعاد قضية اللقاحات عن السجال السياسي.

وفي تعليق الصين على وقف التجارب قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية “وانغ وين بين” أن الحادث الخطير الذي تعرض له أحد المتطوعين في البرازيل في التجارب السريرية للقاح كورونا “لا علاقة له باللقاح”.

ونقلت صحيفة غلوبال تايمز، التي تصدرها صحيفة الشعب اليومية الرسمية الناطقة بلسان الحزب الشيوعي الحاكم في الصين، عن أحد الخبراء قوله إن إعلان وقف التجارب على اللقاح تزامن مع إعلان شركة صناعة الأدوية الأميركية Pfizer أن لقاحها فعّال بنسبة 90% ، مضيفاً بأنه إذا كان الأمر كذلك فمن المحتمل أن هذه الخطوة تهدف إلى تلطيخ اللقاح الصيني ودفع السلطات البرازيلية إلى وقف التعاون مع الصين والتحول إلى اللقاح الأميركي الصنع . وقال خبير آخر للصحيفة أن قرار وقف التجارب يستند إلى مخاوف سياسية.

داخلياً تشهد البرازيل منافسة سياسية بين الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو وجواو دوريا ، حاكم ساوباولو ، وذلك قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في العام 2022. كما أن كليهما اتخذ مواقفاً معاكسة فيما يتعلق بإجراءات الحد من انتشار فيروس كورونا، فبينما استجاب حاكم ولاية ساوباولو جواو دوريا لنصائح الخبراء بالبقاء في المنازل والحجر الصحي وفرض قيود على النشاطات انتقد بولسونارو، الذي أصيب بالفيروس بعد عودته من الولايات المتحدة الأميركية حيث التقى الرئيس دونالد ترامب، هذه الاجراءات بحجة أن التداعيات الاقتصادية يمكن أن تقتل أكثر من المرض.

ومن ناحية أخرى اشتعل الصراع بين الجانبين حول لقاح كورونافاك الذي دعمه جواو دوريا علانية وانتقده بولسونارو بسبب صلاته بالصين. وقد أدى إعلان وقف تجارب هذا اللقاح إلى إعراب الرئيس البرازيلي عن شماتته بذلك عبر منشور على صفحته على فايسبوك جاء فيه” هذا هو اللقاح الذي أراد دوريا أن يأخذه الجميع في ساوباولو… انتصار آخر لبولسونارو”. كما أن الأخير أكد أن حكومته لن تشتري لقاح كورونافاك وجاء تصريحة هذا بعد يوم واحد من إعلان وزير الصحة البرازيلي إدواردو بازويلو عن صفقة لشراء 46 مليون جرعة من اللقاح الصيني. وقال بولسونارو “إن الشعب البرازيلي لن يكون حقل تجارب لأحد، لا يوجد مبرر لدفع المليارات نظير عقار لم يمر حتى بمرحلة الاختبار. قراري هو عدم شراء اللقاح”. وأعلن أمس ديماس كوفاس، مدير المعهد البرازيلي للطب الحيوي ، أن معهد بوتانتان سيتلقى الجرعات الأولى من لقاح سينوفاك هذا الأسبوع، مشيراً أن اللقاح يتمتع بملف أمان ممتاز. وكان معهد بوتانتان في ساوباولو قد أبرم مع شركة Sinovac الصينية عقداً لانتاج لقاح ضد فيروس كورونا المستجدّ، وتم  الاتفاق على أنه في حال تمت الموافقة على اللقاح فإن الشركة الصينية ستنقل التكنولوجيا اللازمة للمعهد البرازيلي لبدء انتاجه تجارياً في البرازيل بحلول حزيران/ يونيو 2021، كما توجه وفد من الخبراء من المعهد وهيئة الرقابة الصحية البرازيلية إلى الصين لزيارة معامل اللقاحات هناك.

سجّلت البرازيل أول حالة إصابة بفيروس كورونا المستجدّ في أواخر كانون الثاني / يناير ، لكن الأرقام لم تبدأ في الارتفاع حتى أواخر شباط/ فبراير. وتُعدّ البرازيل اليوم ثالث أكثر الدول إصابة بفيروس كورونا المستجدّ بعد الولايات المتحدة الأميركية والهند ، فقد سجلت حتى 18 تشرين الثاني/نوفمبر 5,91  مليون حالة ، كما شهدت أيضاً167 ألف حالة وفاة ما يجعلها في المركز الثاني بعد الولايات المتحدة الأميركية بعدد الوفيات وذلك حسب مؤشر جونز هوبكينز.

واللقاح الصيني ليس الوحيد الذي تم ايقافة لفترة ففي شهر أيلول/ سبتمبر أوقفت هيئة الرقابة الصحية البرازيلية لقاح أكسفورد بعد وفاة أحد المتطوعين، وكانت الحكومة البرازيلية قد أعلنت في حزيران/ يونيو عن صفقة مع جامعة أكسفورد وشركة الأدوية  Astrazeneca لشراء 100 مليون جرعة من لقاح كورونا المحتمل. وتدعم حكومة بولسونارو لقاح أكسفورد، بالمقابل يدعم حاكم ساوباولو جواو دوريا لقاح كورونافاك الصيني.

وعلى الصعيد الخارجي يُعرف الرئيس البرازيلي بولسونارو بتأييده الأعمى للرئيس ترامب حتى أنه لقّب بـ” ترامب الاستوائي”، وعمل على حشد التأييد لاعادة انتخابه. وسارت حكومة بولسونارو على خطى ترامب في اتهام الصين بمصدر فيروس كورونا حيث قال وزير التعليم البرازيلي أبراهام وينتروب، في تغريدة على تويتر، إن “تفشّي كورونا جزء من خطة صينيّة للسيطرة على العالم” وكان إدواردو جايير بولسونارو، نجل الرئيس البرازيلي،  نشر عدة تغريدات على تويتر انتقد فيها “الديكتاتورية” الصينيّة بسبب تعاملها مع تفشّي المرض، كما غرّد عن “الفيروس الصيني” ما أثار غضب بكين وأدى الى توتير العلاقات بين البلدين. ومن الطبيعي في ظل العلاقات الوطيدة بين الرئيس ترامب والرئيس البرازيلي أن يشنّ الأخير حملة على اللقاح الصيني محاولاً استبعاده لصالح لقاحات أخرى. وبالتزامن مع الاعلان عن ايقاف تجارب اللقاح الصيني، أفادت وسائل إعلامية بأن الحكومة الفيدرالية بالبرازيل أجرت محادثات مع شركة فايزر الأمريكية للأدوية لشراء لقاح كورونا لإدراجه فى برنامج التطعيم الوطني. وأعلن مؤخراً أن شركة Pfizer  والمختبر الألماني BioNTech  اقترحا خطة للحكومة البرازيلية بشأن التطعيم ضد فيروس كورونا المستجدّ في النصف الأول من العام 2021.

وعلى صعيد آخر تضغط الولايات المتحدة الأميركية على البرازيل لمنع شركة هواوي الصينية من تطوير شبكات الجيل الخامس على أراضيها، وهي لأجل ذلك وقّعت مؤخراً مذكرة تفاهم مع البرازيل بهدف توثيق روابط التجارة، وقد تضمن تمويلاً يصل إلى مليار دولار من بنك التصدير والاستيراد الأميركي لصادرات ومشاريع في البلد. وتزامن توقيع الاتفاق مع زيارة مستشار الأمن القومي الأميركي روبرت أوبراين إلى البرازيل، صعدت خلالها إدارة ترامب، هجومها لابعاد شركة هواوي الصينية عن سوق اتصالات الجيل الخامس في البرازيل الذي كان من المتوقع أن يفتتح هذه السنة لكنه أرجئ إلى العام القادم بسبب فيروس كورونا.

والآن بعد رحيل الرئيس ترامب هل يتقرب جايير بولسونارو من الصين في ظل توتر علاقته بالرئيس بايدن ومعاناة الاقتصاد البرازيلي بسبب فيروس كورونا المستجدّ؟

باحثة لبنانية في الشان الصينيّ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *