هل يشهد العالم تحالفا جيوسياسيا جديدا؟ نجاح القمة يشير إلى عزلة متزايدة للغرب وليس لإيران

هل يشهد العالم تحالفا جيوسياسيا جديدا؟ نجاح القمة يشير إلى عزلة متزايدة للغرب وليس لإيران

د. حامد أبو العز

بعد القمة الثلاثية في طهران انتشرت صورة المرشد علي خامنئي مع الرئيس بوتين كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي مما مهد الأرضية لطرح العديد من الأسئلة أهمها: هل نحن أمام تحالف جيوسياسي جديد؟ من هو المنعزل حقاً هل هي إيران وروسيا أم الولايات المتحدة والغرب؟

يجب القول بأنّ اللقاءات المشتركة ونجاح القمة بشكل عام فتح الباب أمام تحولات تاريخية في العلاقات والتحالفات، كل ذلك بناء على ما نسميه في العلوم السياسية ب”الواقعية السياسية”. فتركيا التي ترددت في الدخول إلى هذا الحلف أصبحت اليوم على قناعة تامة بأنّ الولايات المتحدة لم تعد تعتبر حليفا استراتيجياً لتركيا بل على العكس أصبحت الولايات المتحدة عائقاً للتنمية في تركيا.

من جهة أخرى فإن الكشف عن خلايا نائمة للموساد الإسرائيلي في تركيا وعمل هذه الخلايا على تهديد الأمن القومي التركي أرسل برسالة واضحة للقيادة في تركيا بأن رؤية إيران للغرب وإسرائيل هي الرؤية الصحيحة وبأنّ التقارب مع إيران سوف يعزز من مكانة تركيا ويعيد لها دورها الإقليمي. وهذا بالطبع ما دفع الأتراك لحض الجمهورية الإسلامية الإيرانية على تمديد عقد الغاز لمدة 25 عاماً بين البلدين.

لقد فتحت هذه القمة الثلاثية الباب أمام توافقات استراتيجية طويلة الأمد بين كل من روسيا وإيران وتركيا. فمرة أخرى صرحت تركيا بأنها تسعى لرفع مستوى التبادل التجاري مع إيران لثلاثين مليار دولار سنوياً، كما وقعت روسيا وإيران اتفاقيات لتطوير حقول النفط والغاز بلغت قيمتها أكثر من 40 مليار دولار. وهذا بالمحصلة يعني بأنّ كل من إيران وروسيا تتجهان نحو تحالف استراتيجي مستدام لعرقلة العقوبات الأمريكية.

من الأهمية بمكان هنا أن نشير إلى أن مثل هذه المشاريع يعني إزاحة الشركات الغربية من سوق الاستثمار في أسواق الطاقة العالمية. بعبارة أخرى تبحث كل من طهران وموسكو عن الاكتفاء الذاتي في مجال تطوير حقول الغاز والنفط وهذا ما يمكن اعتباره مرحلة متقدمة من معاقبة أوربا على سياساتها التبعية للولايات المتحدة. لقد أثبت الأزمة الأوكرانية بأنّ الغرب أصبح ضعيفا وهشاً وغير قادر على تحديد مصالحه القومية أو المصالح بعيدة المدى. وها هم اليوم نادمون على الانخراط في تأجيج الأزمة في أوكرانيا، كل هذا ونحن لم ندخل بعد في موسم الشتاء القارس!!!

على صعيد موازٍ، فعند قراءة الصحف الإسرائيلية يبدو بأنّ الإسرائيليون أكثر الناس إدراكاً لنجاح هذه القمة، خصوصا بأن الصحافة الإسرائيلية ركزت بشكل أساسي على المخرجات الأمنية والدفاعية التي خرجت بها هذه القمة إذ أبدت هذه الصحف تخوفها من توصل كل من روسيا وإيران إلى توافقات أمنية لنقل عدد هائل من الطائرات المسيّرة الإيرانية إلى روسيا للاستفادة من هذه التكنولوجيا الإيرانية المتطورة في الحرب الأوكرانية.

إن تجربة الطائرات الإيرانية المسيرة الفتاكة في الحرب الأوكرانية يعني تجهيزها للدخول في المجالات الحربية الهجومية وهذا ما جعل إسرائيل تدخل في حالة هستيرية. تتحدث التقارير الإسرائيلية بهذا الخصوص عن امتلاك إيران ل40 ألف طائرة مسيّرة كما أن إسرائيل أصبحت متأكدة من أن هذه الطائرات وتكنولوجيا صناعتها قد وصلت إلى حزب الله والمقاومة الفلسطينية. والحادثة الأخيرة حين قام حزب الله بإرسال ثلاث طائرات فوق منطقة “كاريش” ما كانت إلا تجربة لما هو قادم.

لا بد أخيراً من أن نأسف لما توصلت إليه دولنا العربية من فتح المجال الجوي لإسرائيل أو السماح لصحفي إسرائيلي بالدخول إلى الأماكن الإسلامية المقدسة في مكة وجبل عرفة بينما يُصر الإيرانيون على أن قضيتهم الأولى والأخيرة هي القضية الفلسطينية. كما أن نجاح القمة الثلاثية بين روسيا وإيران وتركيا جعلت بايدن يدخل في أزمة غير مسبوقة فبعد الفشل في قمم الشرق الأوسط ها هو يدعو لعقد قمة لقادة دول أفريقية في واشنطن وذلك بعد يوم واحد فقط على نجاح قمة طهران. يبدو بأن بايدن مشتاق لفشل أخر ذريع!!!

باحث السياسة العامة والفلسفة السياسية

كاتب فلسطيني