مسح الوجود الفلسطيني من وسم المؤسسات بالإرهاب الى اجتثاث القبور: هل الاحتلال هو المسؤول الوحيد بالتفرد بالإنسان حياً وميتاً؟

مسح الوجود الفلسطيني من وسم المؤسسات بالإرهاب الى اجتثاث القبور: هل الاحتلال هو المسؤول الوحيد بالتفرد بالإنسان حياً وميتاً؟

نادية عصام حرحش

لا اعرف من اين يمكن البدء في الحديث عن الكوارث المتلاحقة التي تلم في الساحة الفلسطينية. هل ابدأ بالأموات وجرف القبور من قبل الاحتلال بالقدس؟ ام ربما ابدأ بالمشاريع التنموية التي تعلن عنها السلطة في نفس الوقت التي تعلن فيه عن فلسها، وتقام هذه المشاريع (لا كازا هايتس) في النويعمة وأريحا قبل أيام معدودة في نفس المكان الذي تم ترحيل السكان منها وجرف المنازل بلا سابق انذار؟ ام ابدأ بقرار الحكومة الإسرائيلية ممثلة بوزير امنها ومخابراتها تصنيف ست مؤسسات حقوق انسان فلسطينية على انها إرهابية، مقابل تنديد خجول من الرئيس ورئيس الحكومة يقابله تمسك بتمويل يشدد على الضغط على إسرائيل من اجل حل الدولتين.

لم يبق من الأرض ما يمكن اعلان دولة عليه الا دولة المقاطعة واربابها الذين حولوا الوطن الى عزبة يشكل الشعب فلاحيها، وحولوا الشعارات الى إنجازات صدقوها.

لا اعرف كيف يمكن وصف قرار غانتس بالنسبة للمؤسسات بعد شهرين من لقائه مع الرئيس الفلسطيني الذي شد على عضد غانتس وترك جيش الاحتلال يقتحم مكاتب مركز ييسان وسط رام الله على بعد أمتار من مجلس الوزراء الفلسطيني، ثم يستقبل رؤساء هذه المؤسسات كاستقباله لأهالي الشهداء في أحسن أحوال دعمه.

الحقيقة أني أفكر كيف يستقبل الرئيس، من قام أجهزة امنه بضربهم وسحلهم وسجنهم قبل شهر كذلك، في مشهد يتكرر، فيدعمهم امام تعديات الاحتلال، بينما قوات امنه قمعت الشارع؟  فكأن الاحتلال لا يكفي، وتكميم الافواه لا يكفي. فيرى المرء نفسه جالسا امام الرئيس ليتكفل له بأمنه من الاحتلال، ومن ثم يلجأ الى محامي الاحتلال ليحاول صد التهم الكارثية الموجهة ضده. لقد تم وضع الانسان الفلسطيني في مفرمة. ففي كل الاتجاهات سيتم فرمه.

هذه الكوارث المحدقة بأشخاص بعينهم وبقضايا محددة بأصحابها تشكل فقط صافرة انذار أخيرة قبل سحبنا جميعا الى هاوية لا قعر لها ولا فرار منها. وكأننا خرجنا من هاوية المضغ والدق فيما كان اسمه مطرقة وسنديان وهوينا في مفرمة ومعصرة!

في العادة أكره ان أقف في مكان اردد فيه: “لقد قلت ذلك” وكمّ الروابط المصاحبة لهذا المقال هي خير دليل.  ولكن لا ينفع ما قيل إذا لم يتم اخذه على محمل الجد. ولا جدية في امر جدي لا يتم التعامل معه بقدر جديته. عندما أرى المشاهد المحزنة والمؤسفة لما يجري من جرف للقبور بعظامها ورفاتها من المقبرة اليوسفية- مقبرة الشهداء- في القدس، ومن ثم اسمع النحيب والصراخ الذي لا اصدق صدقه، حتى لو صدق البعض بالاستنجاد والاستصراخ، لا أستطيع الا ان اذكر نفسي، واذكر من استقرأ ازمة القبور التي يعاني منها اهل القدس منذ سنوات.

كنت قد كتبت مراراً عن الامر، وفي احدى المرات تعرضت لهجوم بسبب رصدي للمسألة. انظر الآن واسأل بكل جدية: هل ما يفعله الاحتلال أكثر ضررا واسوأ مما قام به من كانوا يسرقون القبور على مدار السنوات ويروعون من أصحابها الاحياء؟ اذكر صراخي امام المسؤولين بهذا الصدد، بأن الامر لا يمكن ان إسرائيل التي تنظر الى ما يجري ولا تأبه لأنها تقول فقط “فخار يطبش بعضه”. كل ما يجري في  مقبرة اليوسفية اليوم، وما سيلحقه في مقبرة باب الرحمةهو جزء من مخطط إسرائيلي ضمن مخطط شاليم ، والحوض المقدس التي تصل الى أريحا وتلول أبو العلايق. لم يأبه صاحب القرار والامر في هذه الأماكن لكارثية السكوت عن السرقات في القبور التي جعلت من الاستباحة باحة فارغة ومباحة امام الاحتلال الإسرائيلي لينفذ مخططاته فوق الأرض وتحتها.

الحكومة في استعراضها الواهم لسيادتها، ستكون القدس محط اجتماع مجلس الوزراء القادم. رئيس الوزراء الاقتصادي الذي يبدو انه تخلى عن عناقيده الاقتصادية نهائيا بعد انتهاء موسم العناقيد ووهم الانفكاك الاقتصادي الذي عقد عناقيده عليه وعنقود العاصمة، والتصدي لقانون التسوية بشعارات بعد ان صارت تسريبات العقارات في القدس من يوميات الشارع العادية، ولم يعد المواطن المقدسي التمييز بين وجوده ووجود المستوطن وسط المستعمرات المتنامية بين الاحياء.

منذ أيام وقوات الاحتلال الإسرائيلية تجرف في محيط المقبرة اليوسفية وصوت خافت وحيد لم نسمع منه كثيرا وهو الأوقاف ولجنة المقابر. في نفس الوقت الذي تم فيه الإعلان عن الشروع في تسوية الأراضي بالقدس، بدأت السلطات الإسرائيلية بذريعة القانون ذاته الذي يأخذ أنفاسه من قانون أملاك الغائبين، وبتفاهمات (لم يعلن لنا عنها) من قبل الأوقاف مع سلطات الاحتلال، ستخرج للعلن من قبل اعلام الاحتلال كما تجري العادة ويتسابق المسؤولون بإنكارها ومسحها. ولكن للمار بجانب مقبرة اليوسفية رؤية هذا منذ سنوات. وذلك منذ وضعت إشارة لبلدية الاحتلال ومكب نفايات وشرطة تمنع المرور والوقوف في تلك المنطقة. بالنسبة للإنسان العادي، انها مجرد إشارة بلدية ومكب نفايات. ولكن لمن يعيش تحت هذا الاحتلال يجب ان يعرف ان لا مصادفة ولا اخلاق حميدة تخرج مجانا. وصلنا الى مرحلة نفكر فيها ان تنظيف النفايات هو الأهم، وهو كذلك، ولكن كان السؤال الأهم، ما هو دور الأوقاف في ذلك؟ هذه أملاك اوقاف!

بكل اسف، ما يجري هو البديهي، ولكن الموجع بالأمر اننا نعيش هذا ونشهده بأم اعيننا. فلا يمكن خداعنا بما فعله السابقون. لا يمكن خداعنا بنفس الخديعة الأولى التي وقع بها السابقون منا الذين لم يكونوا على علم بعد بأساليب الاحتلال ونواياه.

ولا اعرف ان كان للإعادة استفادة او أهمية. ولا اريد التقليل من امر ما يجري بمقبرة اليوسفية- مقبرة الشهداء- لأنه واضح الملامح واقل ضررا مما ينتظرنا.

لقد قلتها وكتبتها مراراً، عين إسرائيل على المنطقة الخاصة بالمسجد الأقصى. بدأت بفكرة الحوض المقدس الذي تجسدت ملامحه الأولى في سلوان، وانتهت بمباركة أمريكية وسط الانفاق. مقبرة باب الرحمة هي المقبرة التالية لهذا الجرف. وهي المساحة المتاخمة لسور القدس التي بدأ جرفها لصالح الحديقة الوطنية التي تشكل جزءاً من مخطط شاليم والحوض المقدس. اذكر حديثي المسجل مع رئيس لجنة المقابر حينها: هذه القبور تجسد شاهدا لتاريخنا في هذه المدينة. لا يستطيع الإسرائيلي ان يجرف قبورا عمرها مئات السنين، ولكنه بالتأكيد يستطيع ان يجرف قبورا جديدة بحجة نقلها لمكان اخر او بلا حجة. عند سرقة القبور التي تمت على مدار سنوات، سكتت إسرائيل لأنها كانت تريد ان تزيل القيمة التاريخية لمكانة هذه المقبرة بأيدي فلسطينية. لأن ما هو مهم بالنسبة لإسرائيل هو الحرم. الجسر المعلق من باب المغاربة والذي يدخل منه السياح اليهود والإسرائيليون والأجانب الى ساحات الحرم، تكمل خطته إذا ما استطاع هذا الزائر الخروج من باب آخر. وباب الرحمة المتاخم للمقبرة هو الباب الأقرب لإغلاق “أسطورة” الهيكل وتقسيم الحرم بطريقة لا يضطر بها الزائر اليهودي مواجهة المصلي الفلسطيني. يدخلون من باب ويخرجون من آخر يؤدي بهم الى الحديقة الوطنية التي يزعمون انها تشكل جزءاً من “تاريخهم”.

ما الذي بقي امامنا لفعله كشعب امام عملية سحق ممنهجة ضدنا من كل اتجاه؟

إذا ما ينتهي امر المجتمع المدني الى ادراج افراده ومؤسساته كجهات إرهابية، والأراضي على مرأي العين تبلع وتقسم بين مستعمرات واراضي دولة يصبح مالكها صندوق الاستثمار ورؤوس الأموال، وكل من يرفع رأسه ليتكلم او يعبر او يفكر في الخروج الى تظاهرة يقمع نفسه بنفسه خشية سجن، او سرقة، او سحل، او ضرب، او ابتزاز، او قتل، وغياب امن وامان على الصعيد المجتمعي، فلا نسيج مجتمع يصلح لأي شيء. ننتهي من ازمة لنقع في ازمة، وكأننا على شفا حرب أهلية يفجرها أي شيء، والقانون غائب الا بما يقمع المواطن ويخدم السلطة في تسلطها وتنفيذ مخططاتها في السطو والاستنفاذ والتحكم بما بقي من قوت هذا الشعب وارضه وماله. والموتى لا راحة لهم ولا مكان في زحام السطوة وتغيير ملامح المكان لصالح زمان ليس لنا فيه مكان… أحياءاً او امواتاً.

عندما بدأت كتابة هذا المقال، خطر ببالي كم المرات التي تناولت فيها الحديث عن هذه المواضيع. ووسط شعوري باليأس الحقيقي، قررت مشاركة احباطي او تأكيدي ربما بوسم المقال بمقالات عديدة سابقة.  لأجد نفسي مع كل عبارة أتذكر فيها مقال سابق لي ولغيري عن هذه المواضيع، ليصبح المقال نفسه عبارة عن وصلات لمقالات بالعشرات. أتساءل من جديد، هل ينفع المزيد من الكلام؟ وما نفعه ان لم يكن هناك أي تأثير يذكر؟ هل دورنا فقط نثر الكلام كذر الرماد في العيون؟

كاتبة فلسطيتية

http://nadiaharhash.com