حماد صبح: إمكانات تنحية بن سلمان

المجهر نيوز

حماد صبح

لم يعرف التاريخ المعاصر اغتيالا أحدث من التفاعل العالمي الواسع ما أحدثه اغتيال خاشقجي سوى اغتيال ولي عهد النمسا الأرشيدوق فرانز فرديناند  في سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك في 28 يونيو 1914 الذي كانت وراءه مجموعة من القوميين الصرب ، وهو الاغتيال الذي فجر الحرب العالمية الأولى في نفس العام . اغتيال الرئيس الأميركي جون كيندي في نوفمبر 1963 ، واغتيال الرئيس المصري أنور السادات في أكتوبر 1981 لم يحدثا من التفاعل قدر ما أحدثه اغتيال خاشقجي الذي تتوالى توابعه ، وتتلاحق التسريبات والانكشافات والتحليلات في توقع ما قد يلي من تلك التوابع في ما يتصل بمستقبل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان  ، ومستقبل العائلة السعودية المالكة ، ومستقبل بلاد الحرمين ذاتها . اتساع التفاعل الذي أحدثه اغتيال خاشقجي  وقوته وتواصله جعل الصحفي البريطاني ديفيد هيرست يتساءل : ” ما الذي جعل جريمة قتل إنسان واحد تفضي إلى مثل هذا التفاعل ؟! ” ، ويجيب : ” ثمة حاجة إلى طبيب نفسي ، لا لصحفي ، ليشرح هذا ” . وبعد حادث الاغتيال فورا ، وفي تعالٍ قوي متوالٍ أوجدته الأدلة التي تلاحق تكشفها ، وقع إجماع لا وهن فيه أن ابن سلمان هو من أمر بما حدث لخاشقجي أيا كانت تفاصيل خلفيات وتطورات أمره ، فاشتد الغضب والاستياء منه على مستوى العالم ، وتوالت الدعوات للتخلص منه ، وانسحب الغضب والاستياء على العائلة السعودية المالكة ، وعلى بلاد الحرمين كلها ، وكتبت سوزانا رايس مستشارة الأمن القومي الأميركي السابقة منذ أسبوع مقالا في ” نيويورك تايمز ” تصف فيه ابن سلمان بالشريك الذي لا يمكن الاعتماد عليه ، وبأنه أبان منذ وقت بعيد عن أفعاله الشريرة والمتهورة . وفي إسرائيل التي تتطلع بحرارة إلى قرب مجاهرة النظام السعودي بحقيقة علاقته بها ، ووصف قادتها ابن سلمان بكنز عظيم لها ؛ أخذ كبار إعلامييها وباحثيها يجاهرون بالاشمئزار والنفور من النظام السعودي الذي لا ريب في أن قادتها السياسيين والعسكريين والأمنيين يقاسمونهم فيه ، وإن كانوا لا يرون من مصلحة إسرائيل المجاهرة به مثل الإعلاميين . وصف تسفي بارئيل محلل شئون الشرق الأوسط في ” هآرتس ” في آخر مقالاته السعودية بالدولة البربرية والمتخلفة ومعدومة الثقافة .

اغتيال خاشقجي المأساوى عرى ابن سلمان كليا بضربة واحدة ، وحشد الأضواء على مساوىء العائلة المالكة ، ومساوىء النظام السعودي جملة . اكتشف العالم أن ” إصلاح ” ابن سلمان قِشري لن يتعدى السماح للمرأة بقيادة السيارة ، ومشاهدة مباريات كرة القدم في الملاعب ، وإقامة فعاليات مصارعة عالمية في أوقات متباعدة ! وكلها أشياء عادية في أي بقعة في الدنيا ، واهتمام العالم بحدوثها في بلاد الحرمين كان من زاوية المعيار السعودي لا أقل ولا أكثر . أما الإصلاح الحقيقي ، الإصلاح الذي يخص حرية التفكير والتعبير ، ويشرك الشعب في السياسة والحكم ، فلا وجود له في بال ابن سلمان . وهو لم يتردد في الثناء على الملكية المطلقة في خطابه المباشر للأميركيين ، فقال إن الملكية الفرنسية المطلقة ساعدت الأميركيين في ثورتهم على البريطانيين دون تنبه منه إلى أن المساعدة الفرنسية كانت بغضا في بريطانيا منافستها على المستعمرات والنفوذ في أوروبا ، وليس حبا في الثورات على المستعمرين . الآن ابن سلمان في قلب العاصفة الهوجاء العاتية ، في قلب تسونامي خاشقجى العنيد عصفا وتدفقا . العالم نافر منه ، كاره له ، والعائلة المالكة في جملتها ناقمة عليه ، متخوفة القلب من تحطيمه لمستقبلها ، ويصنفه بعض أمرائها ” ساما ” . وإذا كان جلب على بلاده في ثلاث سنوات كل هذه البلاءات وهو ولي عهد ثانٍ ، ثم ولي عهد وحيد ، فماذا سيجلب إذا صار ملكا ، أمدا مديدا ؟! فهل ينحى من الحكم وليا للعهد ، ويُقطَع  من الصيرورة ملكا ؟! كل الشواهد والتسريبات والتحليلات توضح أن هذا ما تريده العائلة المالكة حفظا لمستقبلها الخاص ، وفيها من يصلح لهذه المهمة . هناك 15 ألف أمير ، فهل ليس بينهم من هو أصلح منه ؟! قطعا بينهم كثيرون أصلح منه ، وتقديمه عليهم أصلا أمر مريب ، حقيق بالفحص والمساءلة . إنه بما أظهره من مزايا شخصية ضحلة أوقعت البلاد في كوارث أبعد ما يكون عن تولي أي منصب كبير . والإجماع الآن مستقر في العائلة المالكة على أهلية الأمير أحمد بن العزيز لإنقاذها ولإنقاذ البلاد لسنه الصغيرة نسبيا بمقاييس السياسة والحكم ولكفاءته الشخصية المتبدية في رصانته وهدوئه وحكمته التي لمسناها في القليل الذي عرفناه عنه . وفي عودته الأسبوع الماضي من لندن إشارة قوية إلى احتمال تنحية ابن سلمان كليا عن الحكم ، ويظل الموقف الأميركي هو الفيصل هنا ، فأميركا ، وتخصيصا ترامب هما اللذان جاءا به ، وكانا وراء تسليمه كل هذه السلطات الواسعة في السياسة والدفاع والاقتصاد . موقف أميركا هو بيضة القبان ، فإذا تيقنت من إضراره بمصالحها فستنحيه دون تردد . وربما يمكننا أن نلمح ميلها إلى تنحيته في تأمينها مع بريطانيا وفرنسا لعودة الأمير أحمد بن عبد العزيز إلى البلاد ، وهو  أحد ثلاثة في هيئة البيعة عارضوا تعيين ابن سلمان وليا وحيدا للعهد . وفور عودة الأمير أحمد اجتمع مع أخويه الأمير طلال والأمير مقرن . كل السهام الآن مسددة إلى صدر ابن سلمان ، وكلها توحي باحتمال تنحيته التي سيقاومها بكل قوة ، وبزيادة ارتمائه في حضن أميركا وإسرائيل . وجاء أمس في تغريدة ل ” مجتهد ” على حسابه بموقع تويتر أن ممثلين من العائلة عرضوا عليه ترك ولاية العهد  مع ضمان مناصبه الأخرى ، وعدم ملاحقته ، وإلا فإنهم سيخلعونه بالقوة ، فرفض ، وبين لهم أنهم لن يستطيعوا خلعه .  ويقول إبراهيم كاراغول رئيس تحرير صحيفة ” يني شفق ” التركية إن الأدلة التي في يد تركيا في قضية اغتيال خاشقجي :” قادرة على إنهاء محمد بن سلمان ” ، وإنها تنوي تفعيل تلك الأدلة . ومن ثم نتساءل : هل من الممكن تنحية ابن سلمان ؟! نجيب : هذا ممكن  شرط أن تتخلى عنه أميركا ، وإذا لم تتخل عنه فلا مفر من التقدير أنها جاءت به ليكون بلاء رهيبا على آل سعود ، وعلى بلاد الحرمين ، وعلى العرب والمسلمين ، وأن البلاء الذي جلبه حتى الآن على كل أولئك سيكون لهوا إزاء ما سيجلبه تاليا عليهم ، وسيصطدم أولا بآل سعود الحانقين عليه ، الشاعرين بأنه إذا استمر في الحكم فقد يكون آخر من يليه منهم جميعا .

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق