م. سليمان حاتم: العنوان.. آخر مايكتبه الشاعر؟

المجهر نيوز

م. سليمان حاتم

استوقفتني قصةٌ قصيرة للكاتبِ الألماني الشهير ” هرمان هسه ” التي عنوانها ” كارل اويغن ايزيلاين ” وهو بطل القصّة ، الذي ولد شاعراً كما يقول ، والذي أُغْرِم للتوّ بامرأةٍ سمع عنها وعن جمالها دون أن يراها.

 كتبَ فيها قصيدةً يقول فيها : ” لمْ أركِ ، ومع هذا أعرفُك ، لاأعرفك ومع هذا أحبّك ).

 هل بمقدور المرء أن يحبّ امرأةً لم يرها ، وأن تهوى الأذن قبل العين، أم أنّها ” خاطرة شاعر ” والشعراء يتبعهم ” الغاوون ” ألم تر أنّهم في كلّ وادٍ يهيمون !!!!

 وفجأة تدري أمّه أنّ ” الصبي ايزيلاين ” يسير في طريق الشر وأنه غاب عن البيت ليلاً وشوهد في حانة ، لابل إنّ الشبهة تحوم حوله أنّ له علاقة مع ساقية الحانة .

 ربما لم تفهم الأم أنّ الشاعر ليس حكيماً ، وأنّ الفرق كبيرٌ بين الشاعر والحكيم ، أنّ الشاعر يخوض التجربة ، ويرتبط بساقية الحانة ، أما الحكيم فلا يفعل – على حين غرّة – لأنه حكيم ، تبقى له حساباته وهواجسه   المختلفة .

ربما ” الشاعر ” لايقترف نصّاً من بنات خياله ، هكذا ويمضي على رسْلِه ، لكنّه يتفيأ ظلال الروح بعيداً بعض الشيء عن الحدود الحمراء  التي نصطنعها نحن البشر ونصطلحها كما لو كانت أقداراً !!

 ولكن ثمّة شعراء كانوا حكماء أيضاً ، ربما لم يتأثر ( ايزيلاين ) بهاينه الأقرب إلى حديقة منزله ، والذي كان يُلقب بفيلسوف الشعر وشاعر الفلاسفة أو يلتفت قليلا الى الشرق مهد الرسالات الروحيّة ، والذي بدوره أنتج شعراء وحكماء بآن واحد ، مثل أبي العلاء المعري.

مأساته في البدايات أنه خيّل إليه أن ” خير الأشياء وأروعها قالها آخرون منذ زمنٍ طويل ” وبالتالي صار من الصعب أن يأتي بشيء جديد . وهذا أفسد عليه متعة البحث والإستكشاف .

 لابل وصل إلى قناعةٍ كبرى بعد محاولات يائسة أنّ ” من الأجدى أن يوفر الورق ويشتغل بشيء آخر ” لأن كتابة الشعر أصعب من أعمال كثيرة يمكن للمرء أن يمارسها ، ويمكن أن تدر المال على صاحبها ، لابل استنتج أن ” الشعر لايطعم خبزاً “.

ولهذا شارك في السبّ والشتم على الشعب الألماني لأنه يُقتّر على شعرائه “،

هل قدرُ الشعراء أن يكونوا فقراء ، وأن تدرّ الفناجين على قارئاتها أكثر مما تعود به دواوين الشعر.

 إذا ” كان المنجّمون أكثر انتشاراً وكسباً من الشعراء ” فهذا يعني أن العالم يسير إلى الهاوية ، وأنّ النصوص المقدسة تتآكل وتهترىء على مرأى منا نحن البشر.

ايزيلاين يعترف أنه توهم في البدايات أنه يعرف الحياة ، ولم يدرِ أنه كان يعيش بعيدا عنها في صحراء مجدبة وأن على الجانب الأخر من الحياة الحقيقية كل يوم تولد أعاجيب ومعجزات ستكون حيالها كل معطيات وفنون الرمزيين ومهاراتهم بسيطة وباهتة وعديمة اللون ،

 ربما باكتشافه للضفة الأخرى للحياة استنتج أن هناك الكثير من الأشياء التي لم يقلها كل هؤلاء الآخرين عبر كل الأزمنة ، وأن هناك كثيراً من الأماكن لم يطأها أحد ، وأن هناك عوالماً مجهولة ، ترتع فيها الملائكة والجنيّات ،

 لم تكن الرسوم الخليعة والفاضحة على جدران غرفته وعلاقاته بالنساء العاهرات تجعلك تفهم عالمه الخاص ، الأمر الذي أغضب والده الذي خرج عن طوره قائلا : ” هذا الآدمي ، سأرسله إلى أمريكا ؟ ” ، قالت أمه : ”  لا ، ربما نخسره كليّا فيما عندها !!” .. ؟

إنّ الشعراء تنابلة لايعملون ولا يكسبون ، وما من أحد يؤثر الحديث عن العمل إلا الشعراء والفنانون ، وأنني سأعطيه مُهلة ، لأعرف ماذا سيقدّم له مثل هذا التسكع في أسواق وحانات الشعر ؟ ” .

وانتهتِ المهلة، وعندما سألته أمه ، ماهو عنوان القصيدة التي كتبتَها ، قال  ” إن العنوان هو آخر مايكتبه الشاعر ” .

عندما قرأتُ ” الحب في زمن الكوليرا ” للكاتب الكولومبي ” غابرييل غارسيا ماركيز ” وقرأتُ مذكراته ” عِشتُ لأروي – أو لأحكي ” علمتُ أنّ العناوين التي لم يكتبها في روايته ” الحب في زمن الكوليرا ” كتبها في      ” مذكراته ” .

عندئذ فهمت العلاقة التي تربط ” كارل اويغن ايزيلاين ” بـ ” هرمان هسه ” لأنّ العناوين التي كان يكتبها ” ايزيلاين ” أخيرا من وراء ظهر أمه كانت تمتدّ في عالم ” هسه ” الذاخر بالجمال والروعة ، والتي تحفّظ عن ذكرها ” بحجّة أنّ العنوان آخر مايكتبه الشاعر ”  ؟؟ ..

– سوريّة

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق