نورالدين برحيلة: نهاية “أمل” اليمنية

المجهر نيوز

نورالدين برحيلة

بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي*  فجودا فقد أودى نظيركما عندي

   رحلت الطفلة اليمنية البريئة أمل في ربيعها السابع.. بعدما حول “الناتو العربي”  حياتها إلى ألــَــم.. وأحلامها الطفولية إلى جحيم.. وصوتها  الملائكي إلى أنين.. أما جسدها النحيل العليل فيحكي الكثير.. يحكي مأساة وطن اسمه “اليمن”.

مفارقة صارخة بين ادعاء احتضان بعض دول الخليج لمواهب الطفولة العربية، من خلال مسابقات ثقافية سخية، وبين إعدام الأطفال اليمنيين قصفا، تجويعا وترويعا، بطريقة وحشية.. هل يستطيع حاكم يرعى الإبداع صِدقا ويُحِبُّ الطفولة حقا، أن يرى صورة الشهيدة “أمل” دون أن يُحدث تسونامي الشعور بالذنب والعار في  ضميره انشقاقا.. دون أن تذرف عيناه دمعا ملتهبا رقرارقا ..؟؟

هل يريد الحاكم العربي الغارق في مسرح جريمته باليمن من خلال الدعاية الإعلامية التضليلية، تلميع صورته الدموية؟؟؟

أبدا لن يستطيع.. لن يستطيع أكبر مهرجان لمسرح الأطفال، ولا أكبر مسابقة لتحدي القراءة.. أن تخفي غابة الدناءة.. ولن يَسمَح حاكم يعانق اليوم طفلة برئية، موهوبة، مبدعة وذكية..  لن يسمح لها غدا أن تعبر عن رأيها بحرية.. وما يحدث في الكثير من الدول العربية، سيما السعودية، الإمارات، البحرين ومصر، من اعتقال لنشطاء الرأي وحقوق الإنسان دليل قاطع  على خوف الحكام العرب من ممارسة الشعوب للتفكير النقدي والوعي التنويري.. وهو خوف في عمقه من الديمقراطية، حيث يصبح الحكام خداما للشعوب لا أسيادا على عبيد.

لقد تحولت اليمن إلى كارثة إنسانية، وارتفعت أصوات تحذيرات المجتمع الدولي ومختلف المنظمات الإنسانية، تدق نواقيس الخطر.. والقنوات الفضائية العالمية تنقل تِباعا مأساة الأطفال اليمنيين، وقد حولهم الجوع والمرض إلى هياكل عظمية، ووجوههم الحزينة تحكي الكثير عن موت الضمير الإنساني.

 أرقام مراكز دراسات دولية محايدة، تصِفُ إحصائيا هول المأساة في اليمن، أكثر من عشرين مليون شخص في اليمن يحتاجون مساعدات ضرورية عاجلة، في حين أن تدمير قوى التحالف للبنى التحتية والمؤسسات الاستشفائية، وقبلهما قتل المدنيين فيما يعرف بالقذائف والصواريخ الطائشة، يُضاعف من تراجيديا القتلى والمعطوبين مع انتشار الأوبئة الفتاكة، وأخطرها الكوليرا التي تحصد مناجلها  الفتاكة آلاف اليمنيين..

من السماء قوات التحالف تمطر اليمن بالصواريخ.. وعلى الأرض سجون ذات شجون.. تعذيب وقتل.. وتعميق للجراح.. ومرتزقة الفواجع من المجرمين  وقطاع الطرق ينهبون المواطنين تحت التهديد بالقتل.. وميليشيات التحالف سيما التي يشرف عليها الناتو العربي، وفي مقدمتها فصائل تسمي نفسها بالسلفيين الذين جاؤوا بوهم الجهاد.. والحوثيون الذين تمدهم إيران بالمال  والعدة والعتاد، وهم يفاقمون تعميق المأساة اليمنية، وبدل الاحتكام إلى  قوة القانون والحوار وتغليب المصلحة الوطنية، يحتكمون إلى السلاح وقانون القوة.. ليتحول إخوة الوطن إلى أشرس الأعداء.. أما المواطنون البسطاء الذين يتعطشون إلى إنهاء الصراع الدموي فلا حول ولا قوة لهم سوى الدعاء..

المجتمع الدولي اليوم يمارس ضغطا على حكوماته.. احتجاجات نشطاء حقوقيين في أمريكا، إنجلترا، فرنسا، كندا.. وغيرها ضد التراجيديا اليمنية.. لم يعد الأمر كما في السابق.. ليس بإمكان الناتو العربي شراء صمت حلفائه الأمريكيين والغربيين بالمال، لأن الرأي العام الغربي أصبح بواسطة تكنولوجيا مواقع التواصل الاجتماعي يُدرك “الحقيقة”..

 وحقيقة ما يحدث في اليمن هي جريمة متكاملة الأركان ضد الإنسانية، وهذا ما دفع الكثير من رجال المال الغربيين الكبار إلى الانسحاب من مشاريع اقتصادية كبرى في السعودية، لأن هذا يسيء إلى وضعهم الاعتباري مع أسرهم ومواطنيهم، وهم يساندون دولة متورطة في تدمير دولة فقيرة والتسبب في موت أطفال أبرياء تحت أنين الجوع وألم المرض.

اليوم الناتو العربي، يحاول الخروج  من عنق الزجاجة اليمنية، بعدما اشتد عليه الخناق الغربي، والدرس الكبير  من التراجيديا اليمنية، هو عدم التدخل عسكريا مستقبلا لحلحلة الصراعات الجيوسياسية، لأن أي تدخل عسكري سيفتح المجال أمام عسْكرة الخلافات الإيديولوجية، بخلفياتها المصلحية.

 “الحكمة” تكمن في كسب التحالفات الإيديولوجية، بالتعاون والاستثمارات الاقتصادية، ولو استثمرت الناتو العربي ملايير الدولارات التي أنفقها في هذه الحرب لترويض خصومه الوهميين، لو خصص نصفها فقط لمشاريع كبرى في اليمن، لأصبحت المعارضة اليمنية من أكبر حلفاء الناتو العربي في المنطقة.. لأن منطق التحالفات ينبني على المصالح المشتركة لا الانبطاح لأمريكا والاستعلاء على الأشقاء.

ختاما التحالف الذي تنتظره الشعوب، هو فتح الحدود بين الدول الشقيقة التي تجمعها الكثير من الروابط الدينية والتاريخية والثقافية، وإنشاء جيش موحد، وعملة موحدة وتنمية شاملة، تضمن الرخاء لكل الشعوب من المحيط إلى الخليج، لا الانزلاق في صناعة الأعداء.. وهذا مجرد”أمل” بعيد المدى.. لكن ما أضيق الحياة لولا فسحة الآمال والأحلام.

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق