د. محمد جبريني: الدولة اليهودية كانت فكرة استعمارية غربية، ووعد بلفور كان وعدا غربياً بامتياز!

المجهر نيوز

د. محمد جبريني

  يُجمع الكثير من الباحثين في تاريخ الصهيونية وإسرائيل، على أن الصهيونية كفكرة ودعوة ومشروع نشأت وانتشرت بين الأوروبيين من غير اليهود، واستغرقت عملية بلورتها ومن ثم بثها نحو الأوساط اليهودية للقبول بها والموافقة عليها واعتمادها أكثر من مائتي عام من الجهد والعمل الديني والفكري والسياسي والجغرافي المتواصل، تم بعدها تهويد الفكرة مع عقد المؤتمر الصهيوني الأول الذي ضم قادة الجماعات اليهودية المتصهينة .

   يشتق إسم “الصهيونية” من كلمة “صهيون” التوراتية ، والصهيونية وفقاً للتعريف الإسرائيلي الرسمي، هي أيديولوجية تمثل التطلع المستمر لليهود في أنحاء العالم إلى استرداد وطنهم القومي التاريخي “أرض إسرائيل” . وترجع جذور الأمل اليهودي في العودة إلى وطنهم القومي إلى الفترة التي هاجر بها أسلافهم إلى بابل قبل حوالي 2500 سنة .           وقد جمعت الصهيونية التي نشأت في القرن التاسع عشر فكرة العودة القديمة وحركة ناشطة وجعلتهما مؤهلتين معاً لتحقيق هذا الهدف . ويتمثل جوهر التفكير الصهيوني في مبدأ كون “أرض إسرائيل” المنشأ التاريخي للشعب اليهودي والإيمان بأن تواجد الشعب اليهودي في أي مكان آخر يعني العيش في المنفى .

  ويُعتبر الكاتب والناشط اليهودي الصهيوني “ناثان بيرنبام” أول من صاغ لفظ الصهيونية كإسم أو مفهوم معبراً عن الفكرة والمشروع يخفي الجذر الأوروبي غير اليهودي لها. وكان أول ظهور لمصطلح الصهيونية عام 1890 وذلك في مقالة له نشرها في مجلة “التحرر الذاتي”، ويُعرِّف “بيرنبام” الصهيونية بأنها نهضة سياسية لليهود تستهدف عودتهم الجماعية إلى فلسطين كما أكد على أن الصهيونية ترى أن القومية والعرق والشعب شيئاً واحداً .

  وقد شهد القرن السادس عشر مقدمات للدعوة الصهيونية حينما قام أحد اليهود ويُدعى “ديفيد روبيني” بدعوة يهود العالم لغزو فلسطين والاستيلاء عليها ولكن هذه الدعوة لم تجد لها أصداءً، وكانت دون جدوى، إلا أنه في آواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر اتخذت الدعوة الصهيونية صورة جدّية وبدأت تنشر أفكارها على العالم وتحاول التأكيد على مبادئها وأفكارها عن طريق العديد من الكُتَّاب اليهود الذين أخذوا يدّعون في كتاباتهم إلى العطف على اليهود ويناشدون يهود العالم على تحقيق ما أسموه بِـ “أرض الميعاد” .

  وقد ساند هذه الدعوة العديد من أثرياء اليهود مثل “إدموند دي روتشيلد” أحد زعماء الفرع الفرنسي لعائلة “روتشيلد” المالية اليهودية والذي اهتم بأعمال الاستيطان اليهودي في فلسطين . وقد مارست الصهيونية خلال تلك الفترة ضغوطاً على الحكومات للسماح لهم بإقامة وطناً قومياً لليهود في فلسطين، وقدم اللورد “شافتسيري” مذكرة إلى وزير خارجية إنجلترا يطلب فيها مساعدة حكومته للعمل على إنشاء وطناً قومياً لليهود في فلسطين ولكن محاولة “شافتسيري” لم تجد لها صدى في إنجلترا في ذلك الوقت .

  ولم يُشكل تعثر تلك المحاولات نهاية الدعوة، بل كانت دافعاً قوياً للبحث عن سبل أخرى لتحقيقها، وبالفعل أخذ الصهاينة يعقدون المؤتمرات لدراسة دعوتهم وكان منها المؤتمر الذي عُقد عام 1887، وتقرر فيه تنظيم الهجرة إلى فلسطين. وهكذا فقد أخذ الصهاينة يبحثون كيفية تحقيق آمالهم وطموحاتهم فعقدوا المؤتمر الصهيوني في “بازل” في سويسرا في 29 آب 1897، وهو المؤتمر الأشهر في تاريخ المؤتمرات الصهيونية حيث يُعد بداية العمل الفعلي للصهيونية. وفي هذا المؤتمر تم إنتخاب “ثيودور هرتزل” الذي كان له أكبر الأثر في تاريخ الصهيونية وتحقيق أحلامها وطموحاتها رئيساً للمؤتمر الصهيوني. وقد أسفر المؤتمر عن إنشاء “المنظمة الصهيونية العالمية” كإطار منظم لنشاط جميع التيارات الصهيونية، وجميع الجهود سواء كانت فردية أو جماعية بهدف إقامة الدولة الصهيونية، وبناءً عليه بدأت المنظمة الصهيونية عملها تحت اسم “الوكالة اليهودية”، حيث استهدفت تقديم الدعم والمساعدة لليهود المهاجرين إلى فلسطين .

  ويتضمن تاريخ الصهيونية الغربية كماً كبيراً من التواريخ بدءاً من القرن السادس عشر من تطور هذه الصهيونية عبر مراحلها المختلفة؛ بدءاً من الإصلاح الديني البروتستانتي وتعبيراته اليهودية مروراً بما أنتجته الثقافة الغربية من فكر وأدب، وصولاً إلى البلورة السياسية للفكرة. ففي عام 1649، أرسل اللاهوتيان الإنجليزيان “جوانا وايبنز كارترايت” نداءً من هولندا إلى الحكومة البريطانية جاء فيه: “ليكن شعب إنجلترا وسكان الأراضي المخفوضة أول من يحمل أبناء وبنات إسرائيل على سفنهم إلى الأرض التي وعد الله بها أجدادهم إبراهيم وإسحق ويعقوب لتكون إرثهم الأبدي” .

  وفي عام 1818، دعا الرئيس الأميركي “جون آدامز” إلى إعادة اليهود لفلسطين وإقامة حكومة مستقلة لهم . وفي عام 1839، أصدر اللورد “بالمرستون” الذي شغل منصبي وزارة الخارجية ورئاسة الوزراء في بريطانيا تعليمات إلى القنصل البريطاني في القدس “وليام يونغ” بمنح اليهود في فلسطين الحماية البريطانية لضمان سلامتهم وصيانة ممتلكاتهم وأموالهم .

  وأثناء عقد مؤتمر الدول الأوروبية في لندن عام 1840، قدم اللورد “شافتسيري” مشروعاً إلى “بالمرستون” سماه مشروع “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض” داعياً إلى أن تتبنى لندن إعادة اليهود إلى فلسطين وإقامة دولة خاصة بهم ومحذراً من أنه لو تقاعست بريطانيا عن تنفيذ هذا المشروع؛ فإن هناك احتمالاً كبيراً لتنفيذه على يد دولة أخرى كروسيا مثلاً. وتبنى “بالمرستون” خلال المؤتمر مشروعاً يهدف إلى “خلق كومنولث يهودي” في النصف الجنوبي من سورية، أي فوق المساحة التي شغلتها “فلسطين التوراتية” .

  وفي عام 1844، ألف البرلمان الإنجليزي لجنة “إعادة أمة اليهود إلى فلسطين”، وفي العام نفسه تألفت في لندن “الجمعية البريطانية والأجنبية للعمل في سبيل إرجاع الأمة اليهودية إلى فلسطين”. وألح رئيسها القس “كريباس” على الحكومة البريطانية كي تُبادر للحصول على فلسطين كلها من الفرات إلى النيل ومن المتوسط إلى الصحراء .

  وقد ترافقت هذه الدعوات مع جملة نشاطات ثقافية واستكشافية لفلسطين أهمها إصدار الكتب وتشكيل اللجان والجمعيات الدينية والثقافية والسياسية وحتى الجغرافية كما هي الحال بالنسبة إلى إنشاء صندوق اكتشاف فلسطين. وأبرز كتاب صدر في القرن السادس عشر هو كتاب “مارتن لوثر” بعنوان “عيسى ولد يهودياً” الذي صدر عام 1523، وأعيد طبعه سبع مرات في العام نفسه، وشرح فيه المواقف المؤيدة لليهودية ودان اضطهاد الكنيسة الكاثوليكية لليهود محتجاً بأن المسيحيين واليهود ينحدرون من أصل واحد .

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق