عليان عليان: مقاربة وعد بلفور مع الوضع السياسي الإقليمي والدولي الراهن

المجهر نيوز

عليان عليان

لقد جرت العادة في ذكرى وعد بلفور ، وذكرى  قرار التقسيم والنكبة وغيرها من محطات النكبة الفلسطينية  أن يقوم بعض المحاضرين والقوى السياسية في الساحتين الفلسطينية والعربية باستذكار نصوص الوعد المشؤوم والمؤامرة الصهيو- بريطانية  – التي أدت إلى إقامة دولة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين – في السياق المناسبي  المحض  على طريقة ” عاشوراء ” ، دون استعراض الأخطار الراهنة التي تهدد القضية الفلسطينية  ، ودون عقد مقارنات ومقاربات مع المرحلة الراهنة ، من أجل استخلاص الدروس وتلافي الثغرات التي وقع الجميع فيها قبل عام.

في ذكرى وعد بلفور  لا بد من دق جرس الإنذار ، بعد أن غدت القضية الفلسطينية على مذبح التصفية في ضوء  ما يلي :

أولاً :عدم تخلي منظمة التحرير حتى اللحظة عن اتفاقات أوسلو رغم قرارات المجلس المركزي الفلسطيني بهذا الشأن ، فهذه الاتفاقات وما تمخض عنها من اتفاقات لاحقة ” اتفاق الخليل ، واي ريفر ، خارطة الطريق ، أنا بوليس ألخ ، رحلت قضايا الصراع الرئيسية( القدس ، اللاجئين ، المستوطنات ) إلى مفاوضات الحل النهائي دون إسنادها بقرارات مجلس الأمن ، وتركت مصيرها للمفاوضات بمرجعية ميزان القوى ، ناهيك أنها في التفاصيل حولت القضية الفلسطينية إلى قضية أمنية إسرائيلية ، وغدا التنسيق الأمني مع الاحتلال قضية مركزية للسلطة الفلسطينية.

 ثانياً :  مشروع صفقة القرن : جاء المشروع الصهيو أميركي السعودي ” صفقة القرن ” ليستثمر اتفاقات أوسلو ، باتجاه مراكمة خطوات متلاحقة لتصفية القضية بدأت بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، واعتبارها عاصمة موحدة للكيان الصهيوني، وتلاها وقف الدعم الأمريكي عن وكالة غوث اللاجئين في خطوة تستهدف تصفية حق العودة ، ومن ثم لجوء الكيان الصهيوني إلى إصدار  قانون القومية اليهودي،  ليكمل مشروع صفقة القرن  في مجال إخراج عرب الوطن المحتل (1948) من معادلة المواطنة والحقوق ، تمهيداً لمشروع ترانسفير مستقبلي.

ثالثاً : قطار التطبيع مع العدو  الصهيوني الذي بات ينطلق بسرعة هائلة مع دول الخليج ، في تخل واضح عن “مبادرة السلام العربية المزعومة” التي تنص على السلام الكامل مع ( إسرائيل) مقابل انسحاب قوات الاحتلال الإسرائلية من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة.

فدول مجلس التعاون الخليجي بمجاهرتها بالتطبيع مع الكيان الصهيوني  تنقل العلاقة مع الكيان الصهيوني من خانة التطبيع إلى خانة التحالف الإستراتيجي ، وهذا التطبيع التحالفي العميق ،  لا يستهدف التخلي بشكل معلن عن القضية الفلسطينية  فحسب، بل يستهدف ضرب المقاومة وتوفير  السبل اللازمة لإنجاز صفقة القرن التصفوية، كما أنه يكشف حقيقة موقفها ،بأنها لم تكن يوما  طرفاً  حقيقياً في معادلة الصراع العربي الصهيوني .

كما أن هذا التطبيع التحالفي بين دول مجلس التعاون الخليجي وبين الكيان الصهيوني  كشف حقيقة أن مبادرة السلام العربية المزعومة لم تكن مطروحة للتطبيق من قبل عراب هذه المبادرة” الملك عبدالله بن عبد العزيز″ وأدواته في المجلس ، بل كان الهدف من طرحها تمييع الصراع ، ودفع منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية للاستمرار في التعلق بسراب السلام المزعوم ، ودفع ثمن هذا السراب بالتنسيق الأمني  المستمر مع الاحتلال ، والتخلي عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين.

ما يجب الإشارة إليه هنا في ضوء ما تقدم ، وخاصة الاندلاق التطبيعي الخليجي مع الكيان الصهيوني ، أن هذا الاندلاق الذي يجري ترسيمه في إطار تحالف رجعي عربي مع الكيان الصهيوني يستهدف ما يلي:

أولاً : منع استثمار انتصار محور المقاومة في سورية باتجاه التفرغ لنصرة المقاومة الفلسطينية وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية مركزية رئيسية للأمة العربية .

ثانيا:   التخلي نهائياً عن مقولة التناقض مع الكيان الصهيوني ونقل مسألة التناقض باتجاه إيران ومحور المقاومة ، والتعبئة بذلك التخلي على الصعيد الشعبي.

ثالثاً : بحث كافة السبل التي تعترض صفقة القرن التصفوية باتجاه تذليلها ، بما في ذلك وضع الخطط لمحاصرة المقاومة الفلسطينية.

مقاربات وعد بلفور مع الوضع الراهن

 في ذكرى وعد بلفور  تقتضي الضرورة  الوقوف أمام أبرز المقارنات مع الوضع الراهن التي تؤكد أن التاريخ يكرر نفسه في فلسطين بطريقة مشابهة ومأساوية ،  والتي تكمن فيما يلي :

 1-أن الامبرياليتين اللتين ساهمتا بشكل أساسي في صنع الكيان الصهيوني في فلسطين وهما أمريكا وبريطانيا ، لا تزالان تقدمان الدعم اللا محدود للكيان الصهيوني من أجل هيمنته على المنطقة ، بعد أن تم ترفيعه من مرتبة الوكيل الى مرتبة الشريك.

2-ان الامبريالية الأمريكية مدعومة من ذيلها بريطانيا لا تزال  تقدم الوعود تلو الوعود لضمان إبقاء ما تبقى من الوطن الفلسطيني  تحت الهيمنة الإسرائيلية  فكان وعد بوش ( رسالة الضمانات ) التي قدمها بوش لشارون في نيسان 2004 التي تؤبد المستوطنات في الضفة الغربية ، والتي تضمن عدم العودة إلى حدود 1949 في أية تسوية قادمة ، وتشطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين.

 وكان وعد اوباما عام  2010 الذي يضمن الاعتراف بشرعية الكتل الاستيطانية الرئيسية القائمة في الضفة الفلسطينية  ، ويضمن الالتزام بيهودية دولة ( إسرائيل ) ويرفض تجميد الاستيطان كشرط لاستئناف عملية السلام المزعومة، ناهيك عن خطابه الأخير هذا العام في الجامعة العبرية، التي اعتبر فيها الحركة الصهيونية حركة تحرر  وطني كافحت على مدى عصور وعقود من أجل العودة إلى أرض الآباء والأجداد ، كل ذلك مقابل تجميد الاستيطان 60 يوماً.

وأخيراً جاء وعد صفقة القرن الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والذي يستهدف تصفية القضية الفلسطينية ، من خلال شطب قضايا الصراع الأساسية وهي ” القدس واللاجئين والمستوطنات ” من أية عملية سياسية .

3-وثالث هذه المقارنات وأهمها : انه مثلما وضعت الأنظمة العربية قبل عام 1948 كل البيض في السلة البريطانية ، مراهنة على الحليفة بريطانيا ، ومفشلة في هذا السياق الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 ، ها هي  في المرحلة الراهنة تنقل البندقية من كتف الى آخر ، عبر وضع كل البيض في سلة امبريالية أخرى والمراهنة عليها ألا وهي الامبريالية الأمريكية بعد أن أفشلت  بالتوالي   انتفاضتين ” انتفاضة الحجارة وانتفاضة الأقصى ”  ودخلت في سياق تآمري على المقاومة الفلسطينية.

4-ورابع هذه المقارنات أننا استبدلنا المندوب السامي البريطاني في فلسطين في مطلع عشرينات القرن الماضي هربرت صموئيل بالمندوب الأمريكي السامي كيت دايتون في عهد بوش، والمندوب الأميركي في عهد ترامب جيسون جرينبلات وغيرهما في العقدين الأول والثاني من الألفية الثالثة … ويرحم الله الشهداء ولنقف دقيقة صمت ونقرأ الفاتحة على أرواحهم الطاهرة .

الدروس المستخلصة بعد مرور 100 عام على وعد بلفور

إن  التعامل مع ذكرى وعد بلفور منذ عام 1917 وحتى نكبة 1948 ، ومع استعراض مسيرة التسوية والمفاوضات العبثية منذ عام 1991 وحتى اللحظة ،  يشكل مناسبة لاستخلاص الدروس والمهام ، ووضعها موضع التطبيق وأبرز هذه الدروس :

1-أن البعد الطبقي في قيادة الثورة بعد أساسي، إذ ان البعد الطبقي العائلي والإقطاعي في قيادة الثورة في مرحلة ما قبل عام 1948 ، هو الذي وضعها في دائرة التذبذب والرهان على النظام العربي آنذاك ما أدى إلى فشلها ، وهذا البعد الطبقي البرجوازي هو الذي وضع ولا يزال يضع الحركة الوطنية الفلسطينية منذ سبعينات القرن الماضي في إطار التبعية للنظام الرسمي العربي  والارتهان لمشاريع التسوية التفريطية .

2-وضوح الرؤيا  عند رسم الإستراتيجية ، بأبعادها السياسية والثقافية والنضالية ما يستلزم أن يحدد البرنامج السياسي لقوى الثورة لوحة الأصدقاء والأعداء , وفي ضوء ذلك يجري رسم الإستراتيجية والتكتيك ، فبريطانيا وأمريكيا هما رأس الأفعى وهما من سهرتا على إقامة الكيان الصهيوني ، وتوفير كافة سبل الدعم له  وضمنتا له تفوقاً عسكرياً – ضمن حسابات التسلح – على مجموع دول الطوق العربية  وهما العرابان الرئيسيان لاتفاقات أوسلو وخارطة الطريق وغيرهما من الاتفاقات والمعاهدات الموقعة مع الكيان الصهيوني .

وبالتالي فإن الرهان عليهما لإحقاق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، هو عبث في التكتيك وتدمير لإستراتيجية الكفاح الوطني الفلسطيني والعربي ، التي يجب أن تستند بديهياً إلى تحديد واضح للوحة معسكر الأصدقاء ولوحة الأعداء.

3-أن القوى المحلية والإقليمية المرتبطة والتابعة لقوى الاستعمار لعبت دوراً رئيسياً في خلق النكبة، وهذه القوى لا تزال تشكل الاحتياطي الرئيسي للاستعمار والصهيونية في تفعيل مفاعيل النكبة ، ولا تزال هذه القوى تلعب دوراً أساسيا في تمرير مشاريع التسوية الأمريكية .

4-أن الطريق الوحيد لتحرير فلسطين هو طريق الوحدة الوطنية ،  المستندة إلى العمق العربي وإلى المقاومة بكافة أشكالها ، بعد أن ثبت وبالموس بؤس الرهان على خيار المفاوضات والتسوية عبر أوسلو” وواي ريفر وخارطة الطريق  وأنابوليس وكامب ديفيد وغيرها من المعاهدات.

5-أن فلسطين قضية قومية عربية  بامتياز، وليست قضية الشعب الفلسطيني وحده وهي  جوهر الصراع العربي – الصهيوني، وأن مسؤولية تحرير فلسطين تقع على عاتق الأمة العربية جمعاء.

6-التأكيد على ثوابت الصراع مع العدو الصهيوني  بأنه صراع وجود وليس صراع حدود وان سمة الصراع معه ، ومع المشروع الصهيوني في فلسطين والوطن العربي سمة تناحرية.

7-انه لا يجوز بأي حال من الأحوال حرف بوصلة التناقض وتغيير سلم الأولويات ، او الخلط ما بين التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي كما يجري الآن ، فالتناقض الرئيسي للأمة العربية هو مع الكيان الصهيوني الذي بتأسيسه على أرض فلسطين تم فصل الجناح الشرقي للوطن العربي عن جناحه الغربي ، وضرب إمكانات توحده ، والتناقض الرئيسي أيضاً مع الامبرياليتين الأمريكية والبريطانية ، وليس مع إيران رغم التناقض معها في قضية العراق وعروبته وقضية الجزر الإماراتية الثلاث ، بحيث تجري إدارة التناقض معها  بأسلوب مختلف عن إدارة التناقض مع دول معسكر الأعداء .

8-أنه في القضية الفلسطينية  ، وفي ضوء ما تقدم لا يجوز التعامل مع الكيان الصهيوني ( كآخر ) بحكم أنه كيان غاصب وغير شرعي ، في حين أن ما عداه من دول معادية لقضيتنا يمكن التعامل معها  ( كآخر ) عدو ، في سياق ادارة الصراع معها والتصدي بكافة الوسائل لمخططاتها .

 9-انه لا يجوز الخلط ما بين الإستراتيجية والتكتيك ، فالتكتيك في خدمة الإستراتيجية وليس بديلاً عنها ، كما حصل في الحالة الفلسطينية ، حيث أصبح المرحلي وما هو أقل بكثير من المرحلي هو نهاية المطاف .

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق