هَل يَعيشُ تنظيمُ “الدولة الإسلاميّة” “صَحوَةً” جَديدةً ويَعودُ إلى نَظريّة “التَّمدُّد” إرهابيًّا في صَعيدِ مِصر وشَرقِ الفُرات؟..

المجهر نيوز

هَل يَعيشُ تنظيمُ “الدولة الإسلاميّة” “صَحوَةً” جَديدةً ويَعودُ إلى نَظريّة “التَّمدُّد” إرهابيًّا في صَعيدِ مِصر وشَرقِ الفُرات؟.. لماذا تَخلَّى عَن استراتيجيّة “التَّمَكُّن”؟ وهَل عادَ لتَبنِّي نهج “القاعدة”؟ ولماذا الأُردن مُستَهدفٌ في المَرحلةِ الجَديدة؟

قَبْلَ عامٍ تقريبًا، أعلنَ الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب القَضاء التَّام على تنظيمِ “الدولة الإسلاميّة”، أو “داعش” بعد سَيطَرة قُوّات سورية الديمقراطيّة، ذاتِ الغالبيّة الكُرديّة، الاستيلاءَ على مدينَة الرقّة، عاصِمَة التَّنظيم، وما حَولَها، ومُعظَم المَناطِق الأُخرَى التي كانَ يُسيطِر عليها شَرقَ الفُرات، وقُرب الحُدود العِراقيّة تَحديدًا.

تَطوُّران رئيسيّان وَقَعا في الأيّام القليلةِ الماضِية يُوحِيان بأنّ هذا الإعلان الأمريكيّ التَّفاؤليّ كانَ سابِقًا لأوانِه، بعد ظُهور مُؤشِّرات تُوحِي بحالةِ صُعودٍ جَديدةٍ للتَّنظيم تُؤكِّد العَكسَ كُلِّيًّا:

ـ الأوّل: الهُجوم الدمويّ الذي شَنَّته خليّةٌ تابِعَةٌ للتَّنظيم على قافِلةٍ للحُجَّاج الأقباط في مِنطَقة المِنيا أدَّى إلى مَقتَلِ سَبعةٍ منهم، ممّا يَشِي بتَبنِّي التَّنظيم استراتيجيّةً جديدةً تتمثَّل في تَكثيفِ العَمليّات الهُجوميّة في العُمُق المِصريّ تَعويضًا عَن خَسائِره الكَبيرة في شِبه جزيرة سيناء.

ـ الثاني: شَن التَّنظيم هُجومًا مُفاجِئًا ضِد قُوّات سورية الديمقراطيّة شَرق دير الزور وإعادَة السَّيطرة على العَديد مِن مَواقِعها، ممّا أدَّى إلى مَقتلِ 70 مُقاتِلًا كُرديًّا وعَربيًّا، وهُوَ رَقمٌ كَبيرٌ، خاصَّةً أنّ هَذهِ القُوّات تَمْلُك مُعِدِّات ثَقيلَة حديثة مُتطَوِّرة، وتَحْظَى بالدَّعم الأمريكيّ غَيرِ المَحدود.

بالنِّسبةِ للنُّقطةِ الأُولى المُتعَلِّقة بالهُجوم الدَّمويّ في المِنيا جنوب مِصر يُمكِن القَول بأنّه يُشَكِّل صَدمَةً بالنِّسبةِ للسُّلطات الرسميّة، والرئيس عبد الفتاح السيسي تَحديدًا، الذي أعطَى مُهلةً لقِيادته الأمنيّة مُدَّتها ثَلاثَة أشهُر في نوفمبر عام 2017، أي قبل عامٍ، للقَضاء على التنظيم قَضاءً مُبرَمًا في سيناء بعد الهُجوم على مَسجِد في مدينة العريش أثناء صلاة الجُمعة أدَّى إلى مَقتَلِ 300 مُصَلٍّ، وكانَ الأضخَمُ مِن نَوعِه.

الجيش المِصريّ أغلَقَ مِنطَقة شمال سيناء وقام بعمليّاتِ تَمشيطٍ أدَّت إلى مقتل 450 عُنصُرًا قيل أنّهم ينتمون إلى التنظيم مُقابِل خسارَة 30 جُندِيًّا مِصريًّا في المُقابِل، ولكن انتِقال التنظيم إلى الصَّعيد، ومِنطَقتيّ أسيوط والمِنيا اللَّتين تُعتَبران أحَد مَراكِز الحَركات السَّلفيّة الإسلاميّة، ونَجاحِه في تَجنيدِ خلايا إرهابيّة يُوحِي بأنّ مِصر تُواجِه تَحدِّيًا صَعبًا في هَذهِ المِنطَقة، ورُبّما غيرها، لأنّ العُمُق المِصريّ ظَلَّ أقل تَعَرُّضًا لهَجماتِ هذا التنظيم بالقِياس مع سيناء البَعيدة في أقصَى الشِّمال الشَّرقيّ للبِلاد.

تَظَلُّ عودة تنظيم “الدولة الإسلاميّة”، أو “داعش” إلى شَنِّ هَجماتٍ على خُصومِها شَرق الفُرات أمْرًا مُقْلِقًا للسُّلطات العراقيّة والأمريكيّة معًا في ظِل غِياب التَّنسيق بين الجانِبَين، فالجيب الذي تُسيطِر عليه “داعش” باتَ قريبًا مِن مدينة القائم العراقيّة الحُدوديّة الاستراتيجيّة، وأحَد المعابِر الرئيسيٍة مع سورية، مُضافًا إلى ذَلِك أنّ هُناك ما يَقرُب مِن الألفَيّ جُنديّ أمريكيّ في المِنطَقة تُوفِّر الحِمايَة الجَويّة والدَّعم اللُّوجِستيّ العَسكريّ الأرضيّ لقُوّات سورية الديمقراطيّة، ممّا يعني أنّ هَذهِ القُوّات الأمريكيّة رُبّما تَجِد نفسها هَدَفًا لهَجماتٍ دَمويّةٍ مِن “داعش” وغيرها.

تنظيم “الدولة الإسلاميّة” الذي خَسِرَ عاصِمته في العِراق وسورية، وبالتَّالي مرحلة التَّمَكُّن في أراضِيهما، بَدَأ يَتبنَّى استراتيجيّةً جديدةً، أي حرب العِصابات، والعَمَل تحت الأرض، والتَّمترُس في جُيوبٍ صَغيرةٍ، وزِيادَة هَجماتِه في مناطق حَضريّة في أكثر مِن مَكانٍ في العالم الإسلاميّ مِثل مِصر والأُردن وليبيا وباكِستان وتونس وأفغانستان، عَلاوةً على سورية والعراق، وهو في هَذهِ الحالة سَيكونُ أكثَرَ خُطورَةً ضِد خُصومِه.

وإذا صَحَّت الأنباء التي تتحدَّث أنّه بصَددِ استئناف نَشاطِه في الأُردن، وجَعلِه مَقَرًّا إقليميًّا جَديدًا لقِيادَتِه مُستَغِلًّا الإحباطَ الشعبيّ مِن غَلاءِ المعيشة، والفساد، فإنّ هذا قد يُنبِيء بمَرحلةٍ جَديدةٍ مِن “تَمَدُّد” التنظيم أُفُقِيًّا في أكثرِ مِن مَنطقةٍ، في عَودَةٍ لنهج التنظيم الأُم، أي “القاعِدة”، وصَرفِ النَّظَر كُلِّيًّا عَن نَظريّة “التَّمَكُّن” وإقامَة الدولة الإسلاميّة على الأرض، مِثلَما حَصَلَ في العِراق وسورية مُنذُ عام 2014.

الأُردن يقَعُ في عَينِ رادار تنظيم “الدولة”، الذي يَجِد فيه الحاضِنَة الأكثَر دِفْئًا، بسبب وُجودِ جُذورٍ للسَّلفِيّةِ الجِهاديّة في بَعضِ مَناطِقه، مِثل مُدن الزرقاء ومعان والكرك، والأُولى مسقط رأس ابو مصعب الزرقاوي، أحَد أبرز مُؤسِّسيه، وعَودَة العَديد مِن “المُجاهِدين” في سورية إليه بطُرُقٍ عِدَّةٍ، ووجود مُنَظِّرين لهذا التنظيم، وهذا ما يُفَسِّر العَمليّات الإرهابيّة الأخيرة في السلط وقَبلِها في الكرك.

في ظِل حالةِ الإحباط التي تَسودُ المِنطَقة مِن جرّاءِ فَشَلِ الحُكومات في تَحقيقِ مُستَقبلٍ أفضَل للشَّباب وتَعاظُم الفَساد وقمع الحُريّات، واستفحالِ البِطالة، إلى جانِب تَغَوُّل التَّطبيع مع الإسرائيليين وقبل إحلال السَّلام، يَظَلُّ التَّطرُّف أحَد الخِيارات الأبْرَز للشَّرائِح اليائِسَة والمُحبَطَة للشَّباب، وهذا ما يُراهِن عليه تنظيمات مِثل “الدولة الإسلاميّة” و”القاعدة” في المَرحلةِ المُقبِلة، وفي أكثَرِ مِن دَولةٍ، ونِداءُ رَبطِ الأحزِمَة وقَرْع أجراسِ الخَطَر باتَ وَشيكًا.

 

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق