فلسطين بين الابداع و الخيال: من أجيال الهزيمة الى أجيال الانتصار

المجهر نيوز

د. نهى خلف

 

 

عندما يخترق الخيال الواقع الأليم تظهر تصورات مختلفة لهذا الواقع و كثيرا مانكتشف ان الخيال ليس الا الواقع معكوسا و هو نتاجا له او تعبيرا آخر له.

كما ان الخيال ليس الا تخزين للواقع في عقول البشر و لذلك فهو مزيج من الموضوعية و الذاتية في تصورالواقع و لذلك يختلف بين شخص وآخر.

و بين الذاكرة المخزنة و التجربة الذاتية والتاريخ المكتوب و المقروء فكل فرد فلسطيني يصور الواقع بناء على تجاربه و موقعه في الزمان و المكان اي في التاريخ و الجغرافية.

و يضعنا هذا التاريخ في مواجهة و اصطدام فريد من نوعه مع اكثر من مئة عام من التاريخ و المآسي و يبقى السؤال الذي يطرحه كل فرد هو في كيفية تصور هذا التاريخ المليء بالأحداث حيث قد يركز البعض على الحروب و المجازر و البعض الآخر على التوجهات السياسية و اجمالا تكون المحصلة النهائية سلبية طالما الارض الفلسطينية مغتصبة و محتلة، و ذلك بالرغم من وجود محطات مضيئة و نضالات مشرقة في هذا التاريخ.

و بما انه قد عايشت قضية فلسطين أجيال و أجيال مختلفة من البشر، تعددت بالمقابل التصورات حيث يركز جيل على جانب معين بينما يركز جيل آخر على محطات تاريخية اخرى و يبقى السؤال الشائك كيف يمكن اختزال تاريخ اكثر من مئة عام في شعار او مقال او حتى في كتاب؟

و حسب مفاهيم علم الاجتماع فان تعريف جيل لا يعتمد على  فئة الأعمار بل على التجربة او التجارب التي تركت اكبر اثرا بجيل ما، فبالنسية لقضية فلسطين يمكننا ان نصنف الاجيال على اساس المآسي المتسلسلة: جيل ما قبل النكبة و جيل النكبة و جيل ما بعد النكبة و جيل اللجوء الاول و اللجوء الثاني و جيل النكسة الأولى و جيل الثورة و جيل النكسة الثانية و جيل بيروت و جيل اوسلو و جيل السلطة و جيل الانقسام الخ….. و معظم هؤلاء يمكن تجميعهم تحت عنوان ‘أجيال الهزيمة’

المطلوب اذن اليوم تجميع ما يمكن ان يسمى ‘أجيال الانتصار و العودة’ كما ان التقاطع بين الاجيال و الشتات الجغرافي و الظروف الذاتية للأفراد يؤدي أيضا إلى أشكال مختلفة من التصورات و الخيال .

فالفلسطينيون اينما وجدوا و بناء على اوضاعهم الاجتماعية يخلقون عوالم جديدة و تصورات و مخيلات متنوعة و يبقى أهالى المخيمات و من استمروا في الاقامة بها حاملون هويات اللجوء ربما الامثلة الحية و الاكثر تمثيلا للمأساة الفلسطينية رغم انهم يعملون على الاستمرار في الحفاظ على ذكرى بلداتهم و مدنهم السابقة اكثر من بعض الذين تشتتوا في مدن منتشرة على صعيد الكرة الارضية و يحاولون عبر ابداعاتهم و فنهم الفردي باستعادة الذاكرة الفلسطينية التاريخية ولكن تبقى هذه المحاولات محدودة في المكان.

و يتم محاربة كل الشعب الفلسطيني :أولا في الأراضي المحتلة منذ عام 1948 و الأراضي المحتلة لاحقا و ثانيا في مخيمات اللجوء و ثالثا في الشتات بشتى الأساليب القمعية و المتنوعة و من ضمنها دفعه الى الفقر المفقع الذي يشل من امكانياته بالحركة و العمل ،

و لذلك المطلوب اليوم تجميع هذا الشتات الجغرافي و الوجداني و الثقافي الفلسطيني عبر بناء مؤسسات تعمل على خلق أطر جماعية لمشاركة كل المبدعين و الفنانين المتشوقين للعودة إلى بلادهم و المهتمين في اعادة تركيب عالمهم الثقافي و الوجداني في مدن الشتات مهمة تاريخية حيوية و ثورية و نضالية، بدلا من تضييع جهودهم و تشتيتهم عبر اشغالهم بمشاكل و تناقضات سياسية عبثية ناتجة من صنع أجيال الهزيمة الذين يستمرون بتلويث أجواء الأحيال الصاعدة بمشاكلهم الناتجة عن مواقف تنظيمات سياسية فائتة متمسكة بافكارو ايديولوجيات عفى عليها الزمن.

نريد جيلا منتصرا اكان بالحجر أو عبرالابداع الثقافي الجماعي، جيلا يتمكن ان ينتفض و ينفض غبار أجيال الهزيمة.

 

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

إغلاق