التقارب الممكن بين المغرب والجزائر

المجهر نيوز

عبدالصمد بن شريف

مفاجأة سارة من العيار الثقيل وذات حمولة استراتيجية،   كشف عنها جلالة الملك محمد السادس، في الخطاب الذي وجهه إلى الشعب المغربي، بمناسبة الذكرى الثالثة والأربعين للمسيرة الخضراء  عندما قال “أؤكد اليوم أن المغرب مستعد للحوار المباشر والصريح مع الجزائر الشقيقة، من أجل تجاوز الخلافات الظرفية والموضوعية التي تعيق تطور العلاقات بين البلدين”.

ولم تقتصر المفاجأة  فقط على الإعلان عن نية تصفية الأجواء  وتنقيتها ،بل عمد جلالة الملك إلى تقديم إقتراح عملي قائلا  “لهذه الغاية، أقترح على أشقائنا في الجزائر إحداث آلية سياسية مشتركة للحوار والتشاور، يتم الاتفاق على تحديد مستوى التمثيلية بها، وشكلها وطبيعتها”، مؤكدا انفتاح المغرب على الاقتراحات والمبادرات التي قد تتقدم بها الجزائر، بهدف تجاوز حالة الجمود التي تعرفها العلاقات بين البلدين الجارين الشقيقين.

وتتمثل مهمة هذه الآلية، وفق ما جاء في الخطاب الملكي ، “في الانكباب على دراسة جميع القضايا المطروحة، بكل صراحة وموضوعية، وصدق وحسن نية، وبأجندة مفتوحة، ودون شروط أو استثناءات “

 من المؤكّد أن بناء الصرح المغاربي، جابهته تحديات واكراهات كثيرة ،كانت سببا في شل كل مؤسساته،كما أنه من المسلمات والبديهيات ،أن مسلسل البناء الديمقراطي في الجزائر ما زال يتلمس الطريق، ويصطدم بعدد من الإكراهات والمقاومات. والمسلم به أن فئاتٍ عريضةً من الشعب الجزائري ليست راضيةً على الاختيارات والسياسيات العمومية المتبعة من السلطات الحاكمة، لأن المطالب الاجتماعية والاقتصادية حقيقة ملموسة، وتطرحها الحركات الاحتجاجية، ما يجعلها مسألة لا تقبل النفي والمزايدات السياسوية. كما أن وجود هذه الحركات أمر طبيعي ومؤشر على دينامية المجتمع الجزائري ونشاطه، مثل ما هو عليه الحال في المغرب، فقد أصبحت الحركات الاحتجاجية ممارسة عادية ومألوفة، ولا ينقص الاعتراف بوجودها من هيبة الدولة، ولا يقزّم مجهودها لتحسين شروط العيش الكريم وشروطه، خصوصا بالنسبة للشرائح الاجتماعية الهشة. ولا أحد في مقدوره أن ينفي أن الحكم في الجزائر يواجه تحدياتٍ حقيقية وجدية، في مقدمتها  عدم الإستقرار وتضارب مصالح عدد من الأجنحة المتنفذة وتوفير فرص الشغل، وتمكين أجيال جديدة، وقاعدتها الواسعة من الشباب، من شروط الاستقرار الاجتماعي الاقتصادي. ولم توضع هده الشريحة، كما في دول مغاربية أخرى، في صلب السياسيات العمومية، وبات مرشحا للارتماء في أحضان سلوكاتٍ لا أحد يتكهن بمآلاتها، بما في ذلك اللجوء إلى التطرّف والعنف والعدمية، لاسيما مع عجز التنظيمات الحزبية والمدنية عن تأطير هذه الشريحة التي لا تتبنى بالضرورة أطروحات الجيل الذي فجر ثورة التحرير والاستقلال.

ما يتحكم في الاتهامات التي يوجهها بين الفينة والأخرى مسؤولون كبار في هرم السلطة الجزائرية   إلى المغرب ليس وجود وقائع واضحة يمكن الاعتداد بها، والتسليم بمصداقيتها، لصياغة صك الاتهام، وإنما هي الرغبة الجامحة المسبقة التي تسكنهم، لتشويه صورة المغرب، وتلطيخ سمعته على المستوى الدولي، وتحريض المستثمرين، لتغيير وجهتهم نحو الجزائر، علما أن هناك شعورا بعدم رضا الدائرة الضيقة لصناعة القرار السياسي والاقتصادي في الجزائر، باختيار شركات فرنسية المغرب منصة لتصنيع منتوجاتها وتصديرها. في السياسة والعلاقات الدولية.

 غالبا ما تقرأ الإشارات والرموز قراءة مركبة، وتؤول تأويلا خاصا. وفي هذا السياق، ربما يمكن التعاطي بالمنطق نفسه مع مصافحة رئيس الوزراء الجزائري، أحمد أويحيى،جلالة  الملك محمد السادس، في افتتاح القمة الخامسة الأفريقية -الأوروبية في أبيدجان خلال شهر دجنبر من السنة الماضية  ،  واعتبرها متابعون للعلاقات المغربية الجزائرية إشارة إيجابية بكل المقاييس، خصوصا عندما أفصح أويحيى أنه أبلغ الملك تحيات الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة. ولوحظ أن جلالة الملك  قابل مبادرة أويحى بابتسامة ترحيب، وتجاوب معه. ولكن، و تساءل المراقبون وقتها. عما إذا كانت  تلك  المصافحة الجزائرية، والتي اعتبرها أويحيى “أمرا طبيعيا بين الجيران”، خطوةً نحو تليين المواقف وتنقية الأجواء، وتعبيرا عن الرغبة في الدفع بالعلاقات نحو الانفراج لتجاوز حال الجمود، ووضع حد للقطيعة التي طالت، واحتواء تداعيات المواقف الاستفزازية التي تسجل خاصة  تجاه المغرب خاصة في لحظات الاحتقان الشديد للعلاقات الثنائية . وقد أولت الصحافة المغربية اهتماما كبيرا لواقعة المصافحة، وقرأتها من زوايا مختلفة، خصوصا أنها وقعت  في ظرفٍ حقق فيه المغرب اختراقا جيو- استراتجيا واقتصاديا في دول أفريقية، كان معظمها يناصر الأطروحة الجزائرية المناهضة لحق المغرب في سيادته على الصحراء.

وعلى الرغم من كل التحامل والانزلاقات التي تطبع سلوك المسؤولين في الجزائر، فإن المغاربة يعتبرون الشعب الأقرب إليهم في كل المجالات، ويتقاسم معهم التاريخ والجغرافيا واللغة والدين والهوية والمطبخ والفن واللباس والمزاج هو الشعب الجزائري، غير أنهم يرون في انفعال الحكم في الجزائر، وخروجه عن طوعه، كلما توسط المغرب للإسهام في حل أزمة إقليمية، كما كان الشأن في الأزمتين المالية والليبية، والدخول على الخط في مجموعة ملفاتٍ، يباشرها الجار الغربي، خصوصا ملف قضيته الوطنية الأولى، أي الصحراء، موقفاً عدائيّاً غير مفهوم يعكس سلوكاً لم يتخلص من سلطة المناطق المظلمة في تاريخ البلدين الجارين، وهذا ما يستدعي من كل المسؤولين والفاعلين السياسيين والنخب الثقافية والمؤسسات الإعلامية في الجزائر بذل مجهود استثنائي وتاريخي، واتخاذ مواقف جريئة تنتصر للمستقبل، بالكف عن خيار تأجيج  الخلافات والاحتقانات وتوسيع مساحتها

ومن شأن  الآلية التي اقترحها  جلالة الملك محمد السادس وكما جاء على لسانه يمكن ”  أن تشكل إطارا عمليا للتعاون، بخصوص مختلف القضايا الثنائية، وخاصة في ما يتعلق باستثمار الفرص والإمكانات التنموية التي تزخر بها المنطقة المغاربية. كما ستساهم في تعزيز التنسيق والتشاور الثنائي لرفع التحديات الإقليمية والدولية، لاسيما في ما يخص محاربة الإرهاب وإشكالية الهجرة”.

 وعندما  أكدجلالة الملك على العمل يدا في يد، مع إخواننا في الجزائر، في إطار الاحترام الكامل لمؤسساتها الوطنية”.

و عندما قال  “اعتبارا لما نكنه للجزائر، قيادة وشعبا، من مشاعر المودة والتقدير، فإننا في المغرب لن ندخر أي جهد من أجل إرساء علاقاتنا الثنائية على أسس متينة من الثقة والتضامن وحسن الجوار، عملا بقول جدنا صلى الله عليه وسلم: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه”.فمعنى ذلك أن الكرة  الآن توجد في الميدان الجزائري، ما يعني أن أعمدة الحكم في البلد الجار يتعين عليها  أن تتفاعل بشكل إيجابي مع مبادرة جلالة الملك، وأن تقدم على خطوة مماثلة قبل فوات الآوان، وأن تتم هذه الخطوة بنفس الصدق والصفاء والوضوح والإلتزام ،بعيدا عن حسابات الذاكرة و مخلفات الماضي، وبعيدا عن الرؤية النرجسية للعلاقات الثنائيةوالمصالح المشتركة والنظرة الضيقة لمفهوم المصالح الاستراتجية  .إن التوجه نحو المستقبل عبر تحرير الذاكرة من سطوة التاريخ واستيهامات الجغرافية يجعل التقارب بين المغرب والجزائر ممكنا بكل المقاييس.

-صحافي وكاتب مغربي

تعليقات الفيس بوك
<







مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق